جوزي كان يخليني أشتغل وأصرف على البيت كله عشان هو “بيأسس نفسه”… وبعد 8 سنين عرفت هو كان بيأسس إيه بالضبط.
جوزي كان يخليني أشتغل وأصرف على البيت كله عشان هو بيأسس نفسه وبعد 8 سنين عرفت هو كان بيأسس إيه بالضبط.
استحملي بس الفترة دي.
قالها أحمد وهو بيطبطب على إيدي.
لما أقف على رجلي هعوضك عن كل حاجة.
كنا لسه متجوزين بقالنا شهرين.
وكنت بقبض مرتب كويس.
أما هو
فكان كل يوم داخل مشروع جديد.
وكل مشروع يخسر.
وكل خسارة يبقى وراها حلم أكبر.
وأمل جديد.
وأعذار أكتر.
في الأول كنت مؤمنة بيه.
أرجع من الشغل تعبانة.
وأدفع الإيجار.
والفواتير.
والأكل.
والمصاريف كلها.
وهو يقولي
أنا بجهز للمستقبل.
سنة ورا سنة.
والوضع ما اتغيرش.
بالعكس.
أنا كنت بترقى.
وأشتغل أكتر.
وأتعب أكتر.
وهو لسه بيأسس نفسه.
أهلي كانوا بيقولولي
خلي بالك.
لكن كنت أدافع عنه.
وأقول
بكرة ينجح.
لحد ما عدت 8 سنين كاملة.
8 سنين وأنا شايلة البيت.
8 سنين وهو يقولي نفس الجملة
اصبري شوية.
الغريب إنه رغم كل الشكاوى من الفلوس
كان دايمًا معاه موبايل جديد.
وساعات غالية.
وسفرات شغل غامضة.
لكن كنت بصدق أي تفسير.
لحد اليوم اللي غير كل حاجة.
كنت بدور على عقد التأمين بتاعي.
ولقيت ملف قديم في درج مقفول.
ملف ما شفتوش قبل كده.
فتحته.
وفي أول دقيقة
حسيت إن قلبي وقف.
صور.
وعقود.
وإيصالات تحويل.
وأوراق ملكية.
كلها راجعة لسنين طويلة.
سنين كنت فاكرة فيها إننا بنعاني.
وإن أحمد بيبدأ من الصفر.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كل جنيه كنت بصرفه على البيت
كان بيوفره هو في مكان تاني.
وكل مرة قال إنه مفلس
كان بيشتري حاجة جديدة بعيد عن عيني.
لكن الصدمة الأكبر ما كانتش في الفلوس.
ولا في العقارات.
ولا في الحسابات البنكية.
الصدمة كانت في اسم الشخص المكتوب كشريك أساسي في كل حاجة.
اسم خلى الډم يتجمد في عروقي.
لأن الشخص ده
كان بيدخل بيتي كل أسبوع.
ويقعد يشرب الشاي معايا.
ويقول لي
ربنا يعين أحمد ويوقفه على رجليه.
ساعتها فقط
فهمت هو كان بيأسس نفسه فعلًا.
لكن ما كانش بيأسسها معايا.
الاسم اللي كان مكتوب في كل ورقة خلاني أقعد مكاني مش قادرة أتحرك.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الملفات.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
يمكن أكون فهمت غلط.
يمكن فيه تشابه أسماء.
يمكن أي حاجة.
لكن الحقيقة كانت أوضح من الشمس.
الاسم كان
سامي.
ابن خالة أحمد.
الراجل اللي كان داخل خارج بيتنا.
الراجل اللي كل ما يشوفني يقولي
ربنا يكرمك يا هناء… والله انتي ست جدعة.
واللي كان دايمًا يمثل دور القريب المخلص.
بصيت على أول عقد.
شقة متسجلة باسم أحمد وسامي.
من ست سنين.
بصيت على العقد التاني.
محل تجاري.
من خمس سنين.
التالت.
قطعة أرض صغيرة.
من أربع سنين.
الرابع.
حساب استثماري.
مبالغ داخلة وخارجة بعشرات الآلاف.
قعدت أقلب في الورق وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
ثمان سنين.
ثمان سنين كاملة.
أنا بصرف على البيت.
وأحمد بيجمع فلوس.
مش بس بيجمعها.
ده كان بيبني حياة كاملة بعيد عني.
دخل عليا فجأة.
وقال
بتعملي إيه؟
قفلت الملف بسرعة.
وبصيتله.
أول مرة أشوفه وأحس إنه غريب.
كأنه شخص معرفوش.
قال وهو بيقرب
مالك؟ وشك مخطۏف كده ليه؟
قلت بهدوء
بدور على ورق التأمين.
ابتسم.
لقيتيه؟
قلت
لسه.
خرج من الأوضة.
وأول ما الباب اتقفل.
دموعي نزلت.
لكن ما كانش وقت عياط.
كان وقت أفهم.
قضيت الليلة كلها أصور الأوراق بالموبايل.
ورجعت كل حاجة مكانها.
الصبح نزلت الشغل.
لكن ما اشتغلتش.
كنت قاعدة قدام الكمبيوتر وبفكر.
ليه؟
ليه يعمل كده؟
ولو بيستثمر فلوسه.
يبقى فلوسه جات منين أصلًا؟
هو أصلًا ماكانش بيشتغل بشكل ثابت.
إزاي اشترى عقارات وأراضي؟
السؤال ده فضل ياكل في دماغي.
لحد ما قررت أروح لسامي.
بعد الشغل مباشرة.
خبطت عليه.
فتح الباب مبتسم.
أهلا يا هناء.
قلت
ممكن أكلمك شوية؟
دخلني.
وقعدنا.
لاحظ توتري.
قال
فيه حاجة؟
بصيت في عينه.
وقلت
أنا شفت العقود.
الابتسامة اختفت.
تمامًا.
سكت.
ثانيتين.
تلاتة.
خمسة.
بعدها قال
أحمد عرف؟
قلت
لا.
اتنهد.
وسند ضهره على الكرسي.
وقال
كنت متأكد إن اليوم ده هييجي.
قلبي دق بسرعة.
قلت
احكي.
بصلي شوية.
وقال
انتي متعرفيش نص الحقيقة.
ولأول مرة…
بدأت الصورة تتكشف.
حكى إن أحمد من أول سنة جواز كان عنده مبلغ كبير ورثه عن جده.
مش ثروة ضخمة.
لكن مبلغ يكفي يبدأ بيه أكتر من مشروع.
وأحمد وقتها خاف.
خاف يصرف الفلوس.
وخاف يخسرها.
فقرر يعمل حاجة غريبة.
يخليكي انتي اللي شايلة كل حاجة.
وهو يستثمر فلوسه كاملة.
من غير ما ېلمس جنيه منها.
قلت وأنا مش مصدقة
ثمان سنين؟
قال
أيوة.
قلت
وكان سايبني أتعب؟
سكت.
عرف إنه ما
عندوش إجابة.
رجعت البيت يومها وأنا مش شايفة قدامي.
دخل أحمد بعد ساعة.
وكان فرحان.
وبيتكلم عن مشروع جديد.
ضحكت.
أول مرة أضحك بالشكل ده.
ضحكة ۏجع.
بصلي باستغراب.
فيه إيه؟
قلت
مفيش.
لكني كنت عارفة إن المواجهة قربت.
جداً.
مرت أسبوع كامل.
أسبوع وأنا بجمع معلومات.
وأكتشف حاجات أكتر.
وأكتر.
وأكتر.
كل يوم صدمة جديدة.
شقة مؤجرة.
محل بيجيب دخل شهري.
أرض سعرها تضاعف.
حسابات استثمار.
شهادات.
مدخرات.
وأنا؟
كنت بدفع قسط الغسالة.
وأحسب ثمن كيلو اللحمة.
وأوفر في هدومي.
وأأجل علاجي لما أتعب.
وفي ليلة.
كنت قاعدة أحسب.
اكتشفت حاجة خلتني أتجمد.
أنا خلال ثمان سنين.
صرفت على البيت تقريبًا كل مرتبي.
بينما أحمد جمع ثروة محترمة.
ثروة اتبنت فوق تعبي.
فوق ساعات شغلي.
فوق تنازلاتي.
فوق أحلامي اللي أجلتها.
وقتها بس.
اتخذت قرار.
مش هواجهه.
لسه.
لازم أعرف كل الحقيقة الأول.
وفي الأسبوع اللي بعده.
الحقيقة جت لحد عندي بنفسها.
كنت راجعة من الشغل بدري.
دخلت البيت.
ولقيت أحمد بيتكلم في التليفون.
ماخدش باله إني دخلت.
وسمعته بيقول
لسه شوية كمان.
سكت.
وبعدين قال
ما تقلقيش… أول ما المشروع يخلص هننقل.
وقفت مكاني.
هننقل؟
مين؟
وأين؟
وكمل
أنا وعدتك.
بعدها قفل المكالمة.
ولف.
وشافني.
اتفاجئ.
وقال
رجعتي بدري؟
بصيتله.
وقلت بهدوء مخيف
كنت بتكلم مين؟
ارتبك.
لأول مرة من سنين.
ارتبك فعلًا.
وقال
عميل.
قلت
أكيد؟
قال بسرعة
طبعًا.
لكن عينيه كانت بتقول حاجة تانية.
ولأول مرة.
بدأ الشك يدخل منطقة أخطر من الفلوس.
لأن السؤال اللي ظهر في دماغي وقتها كان
إذا كان أحمد قدر يخدعني في الفلوس ثمان سنين…
فهل فيه حاجات تانية كان مخبيها برضه؟
من اللحظة اللي سمعت فيها المكالمة، بقيت حاسة إن فيه قطعة ناقصة في الصورة.
الفلوس لوحدها كانت كفاية تهد أي ثقة بينا.
لكن طريقة كلام أحمد في التليفون خلتني أفكر إن الموضوع أكبر.
قضيت الليلة كلها سرحانة.
وأحمد قاعد قدامي بيتفرج على التلفزيون كأن مفيش حاجة.
كان بيضحك على برنامج كوميدي.
وأنا ببصله ومستغربة.
إزاي إنسان يقدر يعيش سنين كاملة بشخصيتين؟
شخصية الزوج المكافح اللي مستني الفرصة.
وشخصية تانية خالص أنا معرفهاش.
تاني يوم نزلت الشغل.
وفي الاستراحة كلمت سامي.
قلتله
محتاجاك في موضوع مهم.
قابلني بعد الشغل.
وأول ما قعدنا قلت
فيه حد تاني في حياة أحمد؟
بصلي باستغراب.
وقال
إيه اللي خلاكي تسألي السؤال ده؟
حكيتله عن المكالمة.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
على قد علمي لا.
ارتحت شوية.
لكن قلبي ماكانش مطمن.
قلت
على قد علمك يعني إيه؟
رد
يعني أنا عارف شغله واستثماراته… لكن حياته الشخصية بينه وبينك.
رجعت البيت وأنا لسه محتارة.
بعد يومين حصل موقف غريب.
أحمد رجع متأخر جدًا.
أكتر من المعتاد.
ولما دخل كان باين عليه التوتر.
سألته
كنت فين؟
قال
اجتماع شغل.
قلت
من الساعة 6 للساعة 1 بالليل؟
قال بعصبية
هو تحقيق؟
سكت.
لأن أي كلمة زيادة كانت هتخليني أواجهه قبل ما أكون جاهزة.
وفي نفس الأسبوع حصلت المفاجأة.
مديرتي في الشغل استدعَتني.
وقالت
في فرصة ترقية كبيرة.
بصيتلها باستغراب.
قالت
المنصب الجديد هيضاعف مرتبك تقريبًا.
زمان كنت هفرح جدًا.
لكن المرة دي كان إحساسي مختلف.
لأني فجأة سألت نفسي
هو أنا بشتغل لكل ده ليه؟
عشان مين؟
خرجت من المكتب وأنا بفكر.
ثمان سنين.
ولا مرة أحمد قال
خلاص ارتاحي شوية.
ولا مرة قال
أنا هتحمل المسؤولية.
كان دايمًا عنده سبب.
وعذر.
ووعد.
لكن مفيش فعل.
في الليل فتحت الملفات المصورة تاني.
وبدأت أرتب التواريخ.
وأكتب كل حاجة في دفتر.
العقارات.
الحسابات.
التحويلات.
كل شيء.
ولاحظت حاجة غريبة جدًا.
في سنة معينة.
من حوالي 3 سنين.
دخل مبلغ ضخم جدًا لحساب أحمد.
أكبر من أي مبلغ شفته في الأوراق.
فضلت أدور.
لحد ما وصلت للمصدر.
وقتها اتسعت عيني من الصدمة.
المبلغ ده كان ناتج عن بيع أرض.
أرض اشتراها أحمد من سنوات.
وباعها بمكسب كبير.
يعني وقتها تحديدًا كان معاه فلوس أكتر من كافية.
كان يقدر يشتري بيت.
ويأمن مستقبلنا.
ويخليني أرتاح.
لكنه ماعملش كده.
بالعكس.
في نفس السنة دي أنا فاكرة إني اشتغلت شغل إضافي مساءً.
عشان نعرف نسدد بعض الالتزامات.
افتكرت نفسي وأنا برجع البيت منهكة.
وأحمد يقولي
استحملي شوية.
يومها بكيت.
بكيت لأول مرة من ساعة اكتشاف الحقيقة.
مش على الفلوس.
لكن على نفسي.
على السنوات اللي راحت.
على الثقة اللي اديتها لشخص ما استحقهاش.
بعد أسبوع تقريبًا.
أحمد دخل البيت وهو مبسوط بشكل غير طبيعي.
وقالي
عندي خبر حلو.
قلت
خير.
قال
المشروع الجديد قرب ينجح.
ضحكت جوايا.
مشروع جديد؟
بعد كل اللي عرفته؟
لكن سألته
ولو نجح؟
قال
هتتغير حياتنا كلها.
الجملة دي سمعتها منه عشرات المرات.
لكن
المرة دي كان عندي رد.
قلت
هو حياتنا أصلًا وحشة؟
ارتبك.
وقال
قصدي هنبقى أحسن.
بصيتله.
وقلت
وأنت شايف إني مقصرة في حاجة؟
قال بسرعة
لا طبعًا.
قلت
شايف إني ما استحملتش؟
قال
لا.
قلت
شايف إني وقفت جنبك؟
قال
أكتر من أي حد.
هزيت رأسي.
وقلت
تمام.
وسكت.
أما هو فبدأ يبصلي بقلق.
لأنه لأول مرة ما كنتش الشخص اللي بيصدقه.
بعدها بأيام.
وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت.
لقيت راجل بيقول
مدام هناء؟
قلت
أيوة.
قال
أنا آسف لو باتصل في وقت مش مناسب.
قلت
حضرتك مين؟
قال
أنا المحاسب القانوني اللي بيتابع بعض أعمال الأستاذ أحمد.
اتجمدت مكاني.
قال
كنت محتاج أوصل له بخصوص مستندات.
قلت
معلش… حضرتك تقصد أي أعمال؟
رد بعفوية
الشركات والعقارات الخاصة بيه.
الشركات.
بصيغة الجمع.
قفلت المكالمة بعد ما أخدت الرقم.
وقعدت أبص قدامي.
شركات؟
مش شركة.
شركات.
يعني حتى اللي اكتشفته لسه ماكانش كل الحقيقة.
في اليوم ده أخدت قرار نهائي.
المواجهة لازم تحصل.
لكن بطريقة مختلفة.
مش صړيخ.
ولا خناق.
ولا انفعال.
في ليلة الجمعة.
حضرت العشا.
ورتبت السفرة.
كأن كل شيء طبيعي.
أحمد كان مستغرب هدوئي.
وقعد ياكل.
بعدها قلت
ممكن نتكلم؟
ابتسم.
طبعًا.
قمت جبت الملف.
وحطيته قدامه.
في ثانية واحدة…
لون وشه اتغير.
عرف الملف فورًا.
بصلي.
وبعدين بص للملف.
وبعدين رجع بصلي.
قلت بهدوء
افتح.
فضل ساكت.
قلت
افتح يا أحمد.
فتح الملف.
وأول ما شاف الأوراق.
عرف إن كل الأسرار انتهت.
سأل بصوت منخفض
شوفتي ده كله؟
قلت
ده جزء بس.
سكت.
قلت
عايز أسمع الحقيقة كاملة.
ولأول مرة منذ ثمان سنوات…
ماكانش عند أحمد أي عذر جاهز.
أي كڈبة جاهزة.
أي قصة جديدة.
كان قاعد قدامي.
صامت.
وعارف إن اللحظة اللي هتحدد مصير جوازنا كله وصلت.
فضل أحمد باصص للملف قدامه كأنه أول مرة يشوفه.
أما أنا فكنت قاعدة قصاده، مستنية.
مفيش دموع.
مفيش صړيخ.
مفيش انفعال.
بعد اللي شفته كله، بقيت عايزة الحقيقة وبس.
عدت دقيقة كاملة.
وبعدين اتنين.
لحد ما رفع عينه وبصلي.
وقال بصوت واطي
أنا غلطت.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة ۏجع.
وقلت
غلطت؟
ثمان سنين اسمهم غلطت؟
نزل عينه تاني.
وقال
أنا كنت فاكر إني بحمي مستقبلنا.
قلت بسرعة
مستقبلنا؟
إنت تقصد مستقبلك.
سكت.
وده كان أول اعتراف غير مباشر منه.
فتحت أول عقد.
وحطيته قدامه.
وقلت
الشقة دي.
فتح بقه يتكلم.
قاطعتُه.
لا… المرة دي أنا اللي هتكلم.
وأشرت على عقد تاني.
والمحل ده.
وبعدين الأرض.
وبعدين الحسابات.
وقلت
كل ده اتعمل وأنا فاكرة إننا بنعدي أيام صعبة.
كل ده اتعمل وأنا بشتغل ساعات إضافية.
كل ده اتعمل وأنا بأجل أي حاجة لنفسي.
بدأت دموعي تنزل رغمًا عني.
لكن كملت.
فاكر يوم ما تعبت واحتجت عملية بسيطة؟
هز رأسه.
قلت
يومها قلتلي نستنى شوية عشان الظروف.
كنت معاك فلوس العملية عشر مرات.
ما ردش.
قلت
فاكر لما العربية القديمة باظت؟
وقلتلي مفيش إمكانية نجيب غيرها؟
كنت وقتها شاري أرض.
سكت.
وكل كلمة كنت بقولها كانت بتنزل عليه كأنها حمل تقيل.
بعد شوية قال
أنا كنت بخاف.
استغربت.
پتخاف من إيه؟
قال
من الفشل.
قلت
فهمني.
أخد نفس طويل.
وبدأ يحكي.
قال إنه بعد الجواز مباشرة ورث مبلغ كبير نسبيًا.
وكان شايف ناس كتير ضيعت فلوسها بسرعة.
فقرر يحافظ عليه بأي شكل.
في الأول كان ناوي يقولي.
لكن كل ما ينجح في استثمار صغير.
كان يطمع في استثمار أكبر.
وبعدين أكبر.
وبعدين أكبر.
لحد ما الموضوع خرج من إيده.
قلت
يعني كنت كل سنة تقول هانت… عشان ما تقوليش الحقيقة؟
هز رأسه.
وقال
أيوة.
سألته
وليه ما شاركتنيش؟
سكت شوية.
وبعدين قال
لأني كنت خاېف ترفضي.
قلت
أرفض إيه؟
قال
إني أسيب الفلوس كلها شغالة في الاستثمار.
رديت بسرعة
طبعًا كنت هرفض.
لأننا كنا بنعيش بالعافية.
لأول مرة ما عرفش يرد.
وساد صمت طويل.
بعدها سألت السؤال اللي كان جوايا من يوم اكتشاف الملف.
إنت عمرك حبيت تعبي؟
رفع عينه بسرعة.
وقال
أكيد.
قلت
لا.
اللي بيحب حد ما يسيبوش شايل كل حاجة لوحده.
اللي بيحب حد ما يخدعوش كل السنين دي.
بدأت أشوف الندم على وشه.
لكن الندم كان متأخر جدًا.
في الأيام اللي بعد المواجهة.
البيت بقى غريب.
كأننا اتنين ساكنين في مكان واحد.
لكن كل واحد في عالم.
هو يحاول يفتح كلام.
وأنا أرد بكلمتين.
هو يحاول يشرح.
وأنا خلاص سمعت كل حاجة.
في يوم رجعت من الشغل.
لقيته قاعد مستنيني.
قال
ممكن نخرج نتكلم؟
قلت
اتكلم.
قال
لا… برا.
وافقت.
روحنا قهوة هادية.
وقعدنا.
فضل ساكت شوية.
وبعدين مد ظرف نحوي.
قلت
إيه ده؟
قال
افتحيه.
فتحته.
ولقيت عقد.
شقة.
لكن المرة دي باسمي أنا.
بصيتله باستغراب.
قال
دي أقل حاجة أقدر أعملها.
قفلت العقد.
وقلت
الموضوع مش شقة.
قال
عارف.
بس بحاول أصلح.
قلت
الثقة مش بتتشترى بعقد.
نزل رأسه.
وفهم قصدي.
رجعنا البيت من غير كلام.
لكن
بعد أسبوع حصل شيء غير متوقع.
أمي تعبت فجأة.
ودخلت المستشفى.
جريت عليها.
وأحمد جه معايا.
وقتها ماكانش فيه وقت للمشاكل.
كل اللي كان يهمني إنها تقوم بالسلامة.
وخلال الأيام دي.
شفت جانب من أحمد كنت نسيته.
كان بيبات في المستشفى.
ويجيب الأدوية.
ويتابع مع الدكاترة.
ويطمن إخواتي.
من غير ما حد يطلب منه.
ولما أمي خرجت.
قالتلي
جوزك واقف جنبك.
بصيت لها.
وما رديتش.
لأن الحقيقة كانت أعقد من كده.
هو واقف جنبي دلوقتي.
لكن في نفس الوقت هو الشخص اللي كسر ثقتي زمان.
بعد شهر تقريبًا.
طلبت أقعد مع سامي.
قابلني.
وقال
أخبارك إيه؟
قلت
مش عارفة.
قال
لسه محتارة؟
هزيت رأسي.
قال
محدش يقدر ياخد القرار مكانك.
بس اسألي نفسك سؤال.
لو الزمن رجع… وكان قالك الحقيقة من الأول… كنتي هتكملي؟
سكت.
وفكرت.
وفجأة اكتشفت حاجة.
المشكلة عمرها ما كانت في الاستثمار.
ولا في العقارات.
ولا حتى في الفلوس.
المشكلة كانت في الكذب.
لو كان قالي من أول يوم.
كنا هنختلف.
ونتناقش.
ويمكن نرفض.
ويمكن نوافق.
لكن على الأقل كنت هبقى شريكة.
مش مجرد شخص بيدفع الفاتورة.
رجعت البيت الليلة دي.
وأول مرة من شهور.
طلبت من أحمد نتكلم.
قعد قدامي.
واضح عليه التوتر.
قلت
أنا وصلت لقرار.
وشه شحب.
وقال
إيه هو؟
بصيتله مباشرة.
وقلت
قبل القرار… عايزة أعرف حاجة واحدة.
هل دي كل الحقيقة فعلًا؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
أيوة.
لكن نبرة صوته خلت قلبي ينقبض.
لأنها كانت نفس النبرة…
اللي كان بيستخدمها زمان وهو بيخبي أسرار.
وفي اللحظة دي بالذات…
رني جرس الباب.
قام يفتح.
وبعد دقيقة رجع.
وشه متغير.
وفي إيده ظرف بريدي كبير.
أول ما شاف المرسل المكتوب عليه…
عرفت إن فيه سر أخير.
سر حتى أحمد نفسه ماكانش مستعد يواجهه.
فضل أحمد واقف في مكانه وهو ماسك الظرف.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفته مرتبك بالشكل ده.
مش ارتباك شخص اتكشف.
لا.
ارتباك شخص خاف من اللي جاي.
بصيتله.
وقلت
مش هتفتحه؟
اتردد.
وبعدين قعد على الكرسي قدامي.
وفتح الظرف ببطء.
طلع منه مجموعة أوراق.
فضل يقلب فيها.
ومع كل ورقة كان وشه بيتغير أكتر.
لحد ما حط الأوراق على الترابيزة.
وسند راسه بإيده.
قلت بحدة
في إيه؟
رفع عينه ناحيتي.
وقال
دي مشكلة قديمة.
ضحكت بمرارة.
واضح إن عندك هواية تخبي الحاجات القديمة.
سكت شوية.
وبعدين سلمني أول ورقة.
بدأت أقرأ.
وكانت المفاجأة.
الأوراق خاصة بشركة قديمة جدًا.
شركة كان أحمد داخل فيها مع مجموعة شركاء قبل جوازنا بفترة قصيرة.
المشروع وقتها فشل.
وأحمد كان فاكر إن كل حاجة انتهت.
لكن اتضح إن فيه ڼزاع قانوني قديم بين الشركاء.
والڼزاع اتحسم أخيرًا بعد سنين طويلة.
وكان فيه مستحقات مالية ضخمة متجمعة.
مبالغ أكبر بكتير من كل اللي شفته في العقود.
رفعت عيني.
وقلت
وده مضايقك؟
قال
لأ.
المشكلة إن فيه التزامات كمان.
قعدنا ساعات نراجع الأوراق.
وفي النهاية فهمت الصورة.
كان فيه فلوس كبيرة داخلة.
لكن كمان كان فيه حقوق لأشخاص تانيين.
ومحاسبات قديمة لازم تتقفل.
في اللحظة دي أدركت حاجة مهمة.
طول السنين اللي فاتت.
أنا كنت شايفة أحمد شخص أناني.
وهو فعلًا ارتكب غلط كبير.
لكن في نفس الوقت…
كان عايش طول عمره پخوف مرضي من الخسارة.
الخۏف ده خلاه يجري ورا الأمان.
لدرجة إنه ضيع أهم حاجة.
الثقة.
بعد يومين.
طلبت منه نقعد.
قعد قدامي.
وملامحه مرهقة.
واضح إنه هو كمان بقاله شهور ما بينامش مرتاح.
قلت
أنا فكرت كتير.
ما اتكلمش.
استنى.
قلت
أنا مش قادرة أنسى اللي حصل.
نزل عينه.
لكن كملت.
وفي نفس الوقت… مش قادرة أتجاهل كل حاجة عدت بينا.
رفع رأسه.
وبصلي.
أول مرة من شهور.
كان بيسمع من غير ما يدافع عن نفسه.
ولا يبرر.
ولا يبرر أكتر.
قلت
الثقة اتكسرت.
ودي حقيقة.
لكن السؤال دلوقتي… هل ممكن تتبني من جديد؟
سكت.
وبعدين قال
أنا مستعد أعمل أي حاجة.
قلت
أي حاجة دي سهلة في الكلام.
أنا محتاجة أفعال.
ومن اليوم ده.
بدأت مرحلة جديدة.
مش رومانسية.
ومش مثالية.
ومش زي الأفلام.
كانت مرحلة صعبة جدًا.
اتفقنا على حاجات واضحة.
كل حساباتنا تبقى معلومة للطرفين.
كل استثمار يبقى معروف.
كل قرار مالي كبير يتاخد مع بعض.
ومافيش أسرار.
أيًا كانت.
في البداية كان الموضوع غريب علينا.
لأننا اتعودنا سنين على أسلوب معين.
لكن مع الوقت.
بدأت أحس إنه بيتغير فعلًا.
مش بالكلام.
بالتصرفات.
أول مرة في حياتنا.
قعدنا نحط خطة مالية مع بعض.
أول مرة أعرف بالضبط إحنا معانا إيه.
وعلينا إيه.
وأول مرة أحس إني
شريكة حقيقية.
بعد ست شهور.
جتني فرصة عمل كبيرة جدًا.
في شركة تانية.
مرتب أعلى بكتير.
لكن شغل أكتر.
زمان كنت هاخدها فورًا.
وأجري.
وأشيل فوق كتافي حمل جديد.
لكن المرة دي.
أحمد قال حاجة عمره ما قالها قبل كده.
قال
لو الشغل هيأذي صحتك… ارفضي.
بصيتله باستغراب.
قال
مش لازم تفضلي شايلة الدنيا كلها.
الجملة كانت متأخرة ثمان سنين.
لكنها وصلت.
وبعد تفكير طويل.
اخترت فرصة تانية أقل ضغطًا.
وأول مرة أحط نفسي في الحسابات.
مش الفلوس بس.
السنة اللي بعدها.
اشترينا بيت جديد.
لكن المرة دي.
العقد كان باسمنا إحنا الاتنين.
وأنا اللي وقعت جنبه.
وأنا عارفة كل التفاصيل.
وأثناء التوقيع.
افتكرت نفسي من سنين.
وأنا راجعة من الشغل تعبانة.
وأحسب الفواتير.
وأصدق الوعود.
واستوعبت قد إيه كنت مختلفة.
وقد إيه اتعلمت.
لأن الحقيقة اللي اكتشفتها ما كانتش عن أحمد بس.
كانت عني أنا كمان.
اتعلمت إن الحب مهم.
لكن الثقة أهم.
وإن الټضحية جميلة.
لكن لازم يكون لها حدود.
وإن الشراكة الحقيقية مش إن شخص يشيل عن التاني كل حاجة.
ولا إن شخص يقرر لوحده بحجة إنه عارف مصلحتهم.
الشراكة الحقيقية إن الاتنين يعرفوا الحقيقة.
حتى لو كانت صعبة.
في ليلة هادية بعد سنين من الأزمة.
كنا قاعدين في البلكونة.
وأحمد قال فجأة
عارفة أكتر حاجة ندمان عليها؟
قلت
إيه؟
قال
إني كنت فاكر إني ببني مستقبل.
وسكت شوية.
وبعدين كمل
وماخدتش بالي إني بهد الحاضر.
بصيت قدامي.
وما رديتش فورًا.
لأن الجملة دي لخصت كل حاجة.
ثمان سنين كاملة.
كان بيبني عقارات.
وأراضي.
واستثمارات.
وحسابات.
لكنه نسي يبني أهم حاجة بينهم.
الثقة.
ولما اكتشف ده.
كان خسر جزء كبير منها فعلًا.
لكن على الأقل…
قبل ما يضيع كل شيء.
قرر يواجه الحقيقة.
وأنا كمان واجهتها.
مش لأن الچرح اختفى.
لكن لأننا أخيرًا بقينا واقفين قدامه من غير كڈب.
ومن غير أسرار.
ومن غير ملفات مقفولة في أدراج بعيدة.
تمت القصة.


