مراتي مدرسه ج 3 حكايات روماني مكرم

وقف الزمن للحظة.

عاصم فتح الباب بعنف ودخل أوضة التحقيق وهو بيقول بانفعال:

“مستحيل… أمي مستحيل تعمل كده.”

رئيس اللجنة أشار له يقعد.

“اهدى يا أستاذ عاصم… إحنا لسه بنتأكد.”

الفني رجع الفيديو من الأول، وكبّر الصورة أكتر.

الست كانت لابسة طرحة سودة ونضارة كبيرة، لكن ملامحها بدأت تبان.

قرب عاصم من الشاشة، وفضل يبص ثواني طويلة…

وفجأة قال:

“دي… دي مش أمي.”

كل اللي في الأوضة بصوا له باستغراب.

قال وهو بيشاور على الشاشة:

“أمي عندها جرح قديم في إيدها الشمال، واضح جدًا… والست دي إيديها مفيهاش أي علامة.”

سحر شهقت من غير ما تقصد.

أما نجلاء، فحست إن فيه لغز أكبر من اللي كانوا فاكرينه.

قال رئيس اللجنة:

“يبقى فيه واحدة كانت متعمدة تتنكر.”

وفي اللحظة دي…

رن موبايل سحر.

ارتبكت وهي بصت للشاشة، وقفلت المكالمة بسرعة.

لكن المحقق لمح الاسم قبل ما الشاشة تطفي.

قال بحزم:

“مين (أميرة) دي؟”

توترت سحر وقالت:

“واحدة صاحبتي.”

“كلميها على الاسبيكر.”

“مش هينفع.”

“ليه؟”

سكتت.

قال رئيس اللجنة:

“لو رفضتي التعاون، ده هيتسجل ضدك.”

بإيد مرتعشة، ضغطت على زر الاتصال.

رن التليفون…

مرة…

واتنين…

وفي التالتة، اتفتح الخط.

جالهم صوت ست كبيرة في السن:

“ها يا سحر… خلصتي من نجلاء ولا لسه؟”

الأوضة كلها اتجمدت.

سحر قفلت الخط بسرعة وهي بترتعش.

رئيس اللجنة ضرب بإيده على المكتب وقال:

“واضح إن الموضوع أكبر من مجرد شكوى كيدية.”

أما عاصم…

فكان بيفكر في حاجة واحدة.

مين أميرة دي؟

لأنه عمره ما سمع الاسم ده قبل كده.

لكن نجلاء…

وشها اتغير فجأة.

وشهقت وهي بتقول:

“أميرة؟!… مستحيل!”

بصلها عاصم بسرعة.

“إنتِ تعرفيها؟”

بلعت ريقها وقالت بصوت مخنوق:

“أعرفها… دي مرات عمك حسين… والست الوحيدة اللي كانت موجودة مع مامتك يوم ما طلبت مني أشتري الشقة لمازن.”

عاصم حس بصداع شديد.

يعني الموضوع…

مكنش مجرد غضب من أمه.

كان فيه حد بيحرك كل الخيوط من البداية…

ويمكن…

الهدف الحقيقي عمره ما كان الشقة.

 

خرج عاصم ونجلاء من المدرسة، وكل واحد فيهم غارق في أفكاره.

أول ما ركبوا العربية، عاصم قال وهو بيضرب الدريكسيون بإيده:

“أنا لازم أفهم… مرات عمي مالها ومالنا؟ هي هتستفيد إيه لو خربت بيتنا؟”

نجلاء سكتت شوية، وبعدين قالت:

“في حاجة أنا مخبيّاها عنك من زمان… وكنت فاكرة إنها انتهت.”

لف لها بسرعة.

“إيه هي؟”

أخذت نفسًا عميقًا وقالت:

“من حوالي سنة، أميرة جتلي البيت من غير ما تعرفك، وكانت عايزة تستلف مني مليون جنيه.”

اتسعت عينا عاصم.

“مليون جنيه؟!”

هزت رأسها.

“قالت إن عم حسين داخل في صفقة كبيرة، ولو مدفعوش المبلغ هيخسروا كل حاجة. وعدتني إنها هترجعهم بعد ست شهور.”

“وأنتِ عملتِ إيه؟”

“رفضت.”

“ليه؟”

قالت بهدوء:

“لأن المبلغ ده تحويشة عمرنا، ولأن مفيش ورقة واحدة كانت تضمن حقي.”

سكتت لحظة، ثم أكملت:

“قبل ما تمشي قالتلي جملة عمري ما نسيتها.”

“قالت إيه؟”

قلدت صوت أميرة:

“إنتِ فاكرة الفلوس دي هتفضل في إيدك؟ الأيام بينا يا نجلاء.”

ضغط عاصم على أسنانه.

“وليه ما قولتيليش؟”

“لأنها اعتذرت بعدها بكام يوم، وقالت إنها كانت مضغوطة، وأنا حبيت أقفل الموضوع.”

في اللحظة دي…

رن موبايل عاصم.

كان مازن.

رد بسرعة.

“أيوه يا مازن.”

جاله صوت أخوه المرتعش:

“إلحق يا عاصم… أمي تعبت جدًا، والدكتور عندنا في البيت.”

اتجمد مكانه.

“مالها؟”

“من ساعة ما رجعت من المدرسة وهي ضغطها عالي ومش بتبطل عياط… وبتقول إن كل الناس بقت تتهمها ظلم.”

بص عاصم لنجلاء.

قال:

“لازم أروح.”

قالت بهدوء:

“وأنا هاجي معاك.”

بعد أقل من عشرين دقيقة…

دخلوا بيت الأم.

لقوها نايمة على الكنبة، والدكتور بيقيس لها الضغط.

أول ما شافت نجلاء، وشها قلب.

وقالت بصوت ضعيف:

“اطلعي برة… مش عايزة أشوفك.”

لكن نجلاء قربت منها، وحطت شنطة الأدوية اللي كانت جايباها على الترابيزة.

وقالت بمنتهى الهدوء:

“أنا جاية أطمن عليكي… مش أخاصمك.”

الأم بصتلها باستغراب.

أما الدكتور، فابتسم وقال:

“الست محتاجة ترتاح، وتبعد عن أي انفعال.”

بعد ما الدكتور مشي…

فضل الصمت مسيطر.

وفجأة…

الأم قالت وهي باصة لعاصم:

“أنا أقسم بالله… ما أعرف سحر، ولا عمري شفتها في حياتي.”

رفع عاصم رأسه بسرعة.

“يعني ملكيش دعوة بالشكوى؟”

قالت وهي دموعها نزلت لأول مرة:

“أنا غلطت لما ضغطت على مراتك في موضوع الشقة… لكن عمري ما أوصل إني أخرب مستقبلها.”

نجلاء بصت في عينيها…

ولأول مرة حست إن الست دي مش بتمثل.

لكن قبل ما أي حد يتكلم…

دخل مازن من الباب وهو بيجري، ووشه شاحب.

وقال بصوت متقطع:

“يا جماعة… عم حسين عمل حادثة.”

سكت ثانية…

ثم قال الجملة اللي قلبت كل الحسابات:

“والبوليس لقى في عربيته شنطة مليانة أوراق… كلها باسم نجلاء.”

 

شهقت نجلاء، وقامت من مكانها بسرعة.

“أوراق باسمي أنا؟!”

هز مازن رأسه وهو لسه بياخد نفسه.

“الظابط قال إنهم لقوا عقد، وصور بطاقتك، وصور من كشف حساب البنك… وطلبوا إنك تروحي القسم.”

عاصم حس إن الدنيا بتلف بيه.

“إحنا هنروح حالًا.”

بعد أقل من ساعة…

وصلوا القسم.

استقبلهم الضابط، وفتح الشنطة قدامهم.

كانت مليانة مستندات.

صور بطاقة نجلاء.

صور شهادات الاستثمار.

وصور من كشف حسابها البنكي.

وكمان…

مسودة عقد توكيل عام.

عاصم اتجمد.

“المستندات دي خرجت منين؟”

نجلاء كانت بتقلب في الورق، وفجأة وقفت عند ورقة معينة.

اتغير لون وشها.

الضابط لاحظ.

“حضرتك عرفتي حاجة؟”

رفعت الورقة وقالت:

“دي صورة من الملف اللي كان في أوضة نومي.”

بص لها عاصم باستغراب.

“إزاي؟”

قالت وهي بتحاول تفتكر:

“من أسبوع… أمك جت تزورنا، وكانت قاعدة في الصالة. في وقتها أميرة استأذنت تدخل الحمام.”

سكتت لحظة.

“بس اتأخرت.”

عاصم افتكر.

فعلاً… يومها استغرب إنها غابت حوالي عشر دقايق.

قال الضابط:

“تقصدي إنها دخلت أوضة النوم؟”

هزت نجلاء رأسها.

“وقتها ما شكيتش… لكن دلوقتي فهمت.”

في نفس اللحظة…

دخل أمين الشرطة بسرعة.

“يا فندم… عم حسين فاق في المستشفى.”

الضابط قال:

“ممتاز… ابعت قوة حالًا.”

بعد ساعة…

كان عاصم ونجلاء واقفين قدام أوضة عم حسين.

أول ما شافهم، بان عليه الرعب.

قال بصوت ضعيف:

“أنا… أنا ماليش دعوة.”

الضابط قرب منه.

“مين اللي حط المستندات في عربيتك؟”

سكت.

“اتكلم.”

بدأ يبكي.

“والله ما كنت عايز… أميرة هي اللي طلبت مني أخبي الشنطة يومين بس.”

عاصم صرخ فيه:

“ليه؟!”

قال وهو بيعيط:

“قالت إنها هتلقحها على نجلاء… وتخليها تدخل في قضايا، وساعتها هتضطر تبيع فلوسها وتنقذ نفسها.”

الضابط عقد حاجبيه.

“وليه كل ده؟”

عم حسين غمض عينيه وقال:

“لأن… أميرة مديونة بملايين.”

الصمت خيم على المكان.

ثم كمل بصوت مكسور:

“وفي واحد بيهددها بالسجن لو ما سددتش خلال أسبوع.”

عاصم بص لنجلاء.

كان فاكر إنهم عرفوا الحقيقة.

لكن الضابط أخرج ورقة من الشنطة، وقال:

“للأسف… لسه في حاجة أخطر.”

ناولها لنجلاء.

أول ما قرتها…

رجليها خانتها وقعدت على الكرسي.

عاصم خطف الورقة من إيدها.

وكان مكتوب في أول سطر:

“عقد بيع ابتدائي لشقة الزوجية… البائع: عاصم… والمشتري: أميرة.”

رفع عاصم رأسه بذهول.

“أنا؟!… أنا عمري ما بعت الشقة… ولا مضيت على الورقة دي!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *