مراتي ورثت حكايات امانى 4

وقفت في نص المكتب ورجليا مش شايلاني، الشوم كان مكسّر جسمي، والكلبش بيعضّ في معصمي اللي نزل منه الدم. النيابة كانت زحمة وصوت القضايا والورق يرن في المكان، لكن مكتب رئيس النيابة كان هادي كأنه مرة.
وكيل النيابة كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في الملفات بنظرات حادة، وقاعد على الكرسي الجلد قدامه أستاذ سامح، محامي فجر، وفي إيده الشنطة الجلديا إياها اللي بقت بالنسبة لي رمز للكوابيس.
الضابط زقني خفيف من ظهري وقال: “المتهم فلان يا فندم، الصادر ضده أمر ضبط وإحضار في بلاغ التزوير وقرض المؤسسة.”
وكيل النيابة رفعت رأسه، بصلي بتمعن من فوق النظارة، ومنظري بالدم والطين والهدوم المتقطعة كان كفيل يخليه يتنفس بضيق: “اتفضل اقعد هنا يا أستاذ.. وبص للمحامي وقال: “تفضل يا أستاذ سامح، المستندات المقدمة منكم خطيرة جداً، اتهام رسمي بتزوير توقيع الشاكية واستخدام توكيل ملغي لسحب قرض بقيمة نص مليون جنيه باسمها.”
حسيت بالدنيا بتلف بيا، نص مليون جنيه؟! التزوير جناية عقوبتها من 7 لـ 10 سنين مع الشغل والنفاذ!
رفعت إيديا المتكلبشة وبكيت بصرخة مكسورة: “والله العظيم ما زورّت حاجة يا باشا! الفلوس دي أنا أخدتها وهي كانت عارفة، المحل صاحب صديقي هو اللي عمل الفواتير والتوكيل كان معايا من زمان وهي اللي مدياهولي عشان أدير شؤونها!”
أستاذ سامح ابتسم ابتسامة هادية جداً، وسحب من شنطته ورقة مسجلة بالشمع الأحمر وحطها قدام وكيل النيابة وقال بصوت واثق: “يا فندم المتهم بيكدب. التوكيل اللي استخدمه كان توكيل إدارة محدد ومؤرخ، والشاكية قامت بإلغائه رسمياً في الشهر العقاري بعلم الوصول قبل العقد بسنة كاملة، وفيه ما يثبت إنه استلم إخطار الإلغاء بنفسه وتوقع عليه. استخدام توكيل ملغي لسحب مبالغ مالية وتحرير إيصالات على المجني عليها يُعتبر جناية تزوير واستيلاء كامل الأركان.”
وكيل النيابة هز رأسه وبدأ يكتب في ورقة التحقيق بصرامة، وكل حركة من قلمه كانت بتنزل على قلبي زي السكين: “يعني الشاكية متمسكة بالاتهام والجناية؟”
أستاذ سامح اتعدل في قعدته وقفل شنطته وقال جملة خلّت عروقي تتجمد: “الشاكية موكلتي، مدام فجر، متمسكة بالقانون كاملاً يا فندم.. بس هي وضعت شرط واحد فقط في مذكرتها الشارحة، شرط ممكن يغير مسار القضية نهائياً لو المتهم وافق عليه فوراً.”
وكيل النيابة بص للمحامي باستغراب: “شرط إيه؟”
أستاذ سامح التفت لي، وبص في عيني بنظرة نصر جافة وقال: “موكلتي مدام فجر مستعدة تنازل نهائياً عن اتهام التزوير والاستيلاء، وتقلّب القضية لمدني، وتتنازل عن حظر السفر وملاحقتك القضائية.. بشرط واحد: توقيعك دلوقتي على عقد تنازل نهائي وبيع قطعي عن أرض العائلة القديمة في الصعيد، الأرض اللي أنت ووالدتك ورثتوها عن أبوك، واللي أنت مخبي عقودها وعامل فيها ناصح ومحدش يعرف عنها حاجة!”
أنا اتصدمت.. الأرض؟! أرض الصعيد اللي كنت مأمن بيها نفسي وخايف أقرب منها عشان ما تدخلش في قسمة الورث أو تعينني للزمن! الأرض الوحيدة اللي حيلتي اللي كان مفروض أتبنى بيها حياتي من جديد بعد ما أطلع من القاع ده!
صرخت بذهول: “أرض أبويا؟! أنتِ عرفتِ مكان العقود منين؟ دي مكتوبة باسمي وباسم أمي في الصعيد ومحدش يعلم بيها غيرنا!”
المحامي ابتسم وقال ببرود ينقط سم: “مدام فجر كانت عارفة كل قرش وكل حبر على ورق يخصك من أول يوم اتجوزتكم فيه. الشنطة اللي رمتهالك عند البواب؟ ما كانش فيها هدوم بس.. كان فيها كل المستندات والأوراق الخاصة بأرض الصعيد بعد ما صورتها ووثقت وجودها. قدامك دقيقتين يا أستاذ: توقّع وتتنازل عن نصيبك ونصيب والدتك بموجب التوكيل اللي معاك منها.. وتطلع حُر طليق كارت أبيض مفيش عليك ولا مليم ولا قضية، يا إما تجري الجناية وتدخل طرة 10 سنين بتهمة التزوير الجسيم، وساعتها الأرض برضه هتتاخد منك في أحكام التعويضات المدنية!”
بصيت للورق المفرود قدامي على المكتب.. قلم أسود محطوط جنب خانة التوقيع. بصيت للحديد اللي في إيدي، وافتكرت ظلام السجن، والضرب اللي أكلته، وأمي اللي اغمى عليها ومستناني في دار الرعاية، وإخواتي اللي باعونا، والعروسة اللي فضحتني.
كل أسلحتي اتكسرت، كل حصوني انهارت.. فجر ما سابتليش منفذ واحد أتنفس منه، أخدت العمارة، والشقة، والفلوس، والكرامة، والدلوقتي أخدت آخر أرض أملكها تحت السماء!
مسكت القلم بإيد بتترعش، وجسمي المكسور بيهتز بالبكاء، ووقّعت.. وقّعت اسمي بحروف مكسورة حفرت نهايتي كاملة ومحت كل شيء ملكته في دنيتي.
المحامي أخد الأوراق، راجع التوقيعات بدقة، وحطها في الشنطة وقال للنيابة: “نحن بنقدم إقرار تنازل رسمي وإبراء ذمة يا فندم.”
وكيل النيابة هز رأسه وقال بصرامة: “يُفرج عن المتهم فلان من مقر القسم بضمان محل إقامته بعد استيفاء الأوراق، ما لم يكن مطلوباً على ذمة قضايا أخرى.”
العسكري فك الحديد من معصمي.. أول ما الحديد اتفك، حسيت بإيدي فاضية، كأن روحي هي اللي اتسحبت مني. خرجت من مكتب النيابة وأنا بأجر رجلي، أستاذ سامح كان ماشي قدامي بوقار، ولما وصلنا لبهو المحكمة الخارجي، وقف واستناني.
بصيت له بصوت جاف وميت: “خلاص؟ كدة فجر شبعت؟ أخدت كل حاجة؟ طيرت أرضي وبيتي وعزي ورمتني في الشارع؟”
أستاذ سامح فتح شنطته وطلع منها ظرف صغير رخيص، ورمائه في إيدي وقال بصوت هادي: “مدام فجر مش المفترية يا فلان.. دول 500 جنيه أجر التاكسي اللي هيركبك لدار الرعاية اللي أمك محجوزة فيها، وفيه هناك كارت باسم أستاذة الدار، أكلكم وشربكم وسكن والدتك مدفوع لمدة سنة كاملة من جيبها الشخصي.”
بصيت للفلوس في إيدي، حسيت بحسرة وأهانة أشد بمئة مرة من الضرب والسجن.. بتتصدق عليا! بتديني العطف من الفلوس اللي أخدتها مني!
كمل أستاذ سامح وهو بيلف ويديني ظهره: “هي قالتلي أقولك جملة أخيرة قبل ما أمشي.. ‘الراجل اللي يعتمد على دهاءه لكسر مراته، يتأكد إن ربك بيسلط عليه ذكائها لحد ما يجيبه الأرض’.”
سابني ومشي وسط زحمة المحكمة.. وقفت في نص البهو، لابس هدوم متقرفة بالدم والطين، في إيدي 500 جنيه صدقة من مراتي اللي كنت عايز أكسرها، ومفيش في جيبي غير حسرة ونار بتاكل في صدري.
خرجت للشارع.. الشمس كانت طالعة بس كان جويا ظلمة كاحلة. ركبت التاكسي ورحت للعنوان المكتوب في الكارت عشان أشوف أمي.. لكن أول ما وصلت لدار الرعاية ودخلت الأوضة اللي فيها أمي، اتفاجئت براجل غريب قاعد جنب سريرها، وبصلي بنظرة غموض أول ما دخلت!
وقفت على باب الأوضة ورجلي مش قادرة تشيلني. ريحة المطهرات في دار الرعاية كانت بتقلب بطني، وأمي نايمة على السرير، وشها أصفر وزي الشمع الميت، متوصلة بأجهزة ومحاليل بتنقط ببطء.
لكن الراجل اللي قاعد على الكرسي جنب سريرها هو اللي جمد الدم في عروقي.
كان راجل في الخمسينات من عمره، هيئته حادة، لابس جلباب بلدي فاخر وتحتيه صديري، وفي إيده سبحة كوك بيفرها ببطء، وعيونه مثبتة عليا بنظرة فيها كبرياء وصرامة مش غريبة عليا أبداً.
أول ما خطيت خطوة لجوة، أمي فتحت عيونها بالعافية، ولما شافتني صرخت بصوت ضعيف ومبحوح ودموعها نزلت: “يا فلان.. يا ابني! ألحقني يا ابني.. أخوك جه! خاليكم ما يرموناش ثاني!”
أخويا؟!
الكلمة نزلت عليا زي الصدمة.. أخويا الكبير من أبوي! الأخ اللي أبويا كتبله حقه ومشى وساب الصعيد من ثلاثين سنة بعد مشاكل كبيرة على الورث، وانقطعت أخباره تماماً وكنا فاكرينه مات أو هاجر ومالوش أثر!
الراجل قام وقف بكل ثبات، فر السبحة ورمى عليا نظرة تفحصت منظري المبهدل، والدم الناشف على قميصي، والكسرة اللي مالياني. قرب مني بخطوات ثقيلة وقال بصوت جهوري يرجع في الصالة: “أهلاً يا ابن أصول.. أهلاً بـ’الناصح’ اللي كان فاكر إن أرض الصعيد ملهاش صاحب ومخبي عقودها تحت البلاطة!”
بلعت ريقي بصعوبة وصوتي طالع بالعافية: “أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتا مكاننا إزاي؟”
ضحك ضحكة قاسية هزت المكان وقال: “إيه اللي جابني؟ اللي جابني هو اللي صحاني من النوم إمبارح بالليل! مراتك.. الأستاذة فجر!”
حسيت بدوخة شديدة ومسكت في أكرة الباب عشان ما أقعش. فجر ثاني؟!
كمل كلامه وهو بيطلع من جيب جلبابه صور عقود التنازل اللي أنا لسة موقّع عليها في النيابة من ساعة واحدة بس: “مدام فجر اتصلت بيا من أسبوع، وقالتلي ‘أرض أبوك في الصعيد اللي إخواتك مخبينها عنك وبيحاولوا يستولوا عليها، أنا هرجعهالك لحد عندك بالحق والقانون’. اتفقت معاها، واشترت مني حصتي الشرعية والتوكيلات القديمة بفلوس كاش.. والنهاردة، بعد ما أنت وقّعت لها على التنازل في النيابة عشان تهرب من جناية التزوير، هي نقلت الملكية بالكامل ليا أنا!”
بصيت له بذهول مش قادر أستوعب: “نقلت الملكية ليك أنت؟! يعني الأرض راحت.. راحت ليك بالكامل؟!”
قرب من وشي وقال بمنتهى القسوة: “الأرض رجعت لأصحابها الأصليين اللي أنت وأمك أكلتم حقهم سنين طوال! أنت فاكر إنك لما تظلم وتفتري على بنت الناس، ربنا هيبار كلك في الأرض اللي سرقتها من إخواتك؟ فجر ما أخدتش الأرض ليها.. فجر استخدمت الأرض عشان تكسرك وتأدبك، وترجع الحق لأصحابه اللي أنت كلت حقهم!”
أمي قعدت تبكي وتشهق من على السرير: “يا كمال يا ابني.. حن على أخوك! إحنا في الشارع، والست فجر رمتنا ودمرتنا!”
كمال اتلفت لأمي وبصلها بنظرة مفيهاش نقطة رحمة: “رمتكم؟ فجر مدفعتش مصاريف الدار دي عشان خاطر عيونكم.. فجر دفعت المصاريف دي عشان تحطكم تحت ضرتي وتحت إيدي! الأرض اللي في الصعيد خلاص بقت ملكي برسم القانون، والعقد اللي معاك يا فلان بقى مجرد ورقة بليتها وشربت ميتها.”
سكت لحظة وشال شنطته الصغيرة وقال بصوت زي السم: “أنا جاي أبلغك قرار واحد مفيش فيه مراجعة.. قدامك 24 ساعة بالضبط تأخد أمك وتطلعوا من الدار دي. أنا مش هدفع مليم واحد بعد السنة اللي مدفوعة، ولا هسيبكم تقعدوا في أي بيت من أملاك أبويا القديمة. دورلك على لقمة عيش أو حيطة تداريك أنت وأمك، لأن اللي يعمل في مراته كدة، ما يلزموش أصل ولا عيلة تنستر بيه!”

سابنا ومشى.. خطواته كانت بتهز الأرض تحتيا وهو طالع من الباب، وسابني واقف في نص الأوضة مشلول تماماً.
الأرض اللي كنت مأمن بيها مستقبلي وخايف أفرط فيها.. راحت في ثانية! راحت لأخويا اللي أكلنا حقه زمان، وفجر ما احتفظتش بيها لنفسها، دي استخدمتها سيف قطع بيه آخر عرق أمل كان فاضلي في الدنيا!
بصيت لإيدي.. الـ 500 جنيه المبلولة في جيب قميصي هي كل ما أملكه في هذا العالم. مفيش أرض، مفيش شقة، مفيش شغل، مفيش نفوذ، مفيش عيلة تقف جنبي. إخواتي البنات سرقوا أمي وهربوا، أخويا الصعيدي أخد الأرض وطردنا، والعروسة الجديدة ضربتني وفضحتني.
أمي قعدت تصرخ على السرير: “هنروح فين يا فلان؟! هنروح فين بكرة لما السنة تخلص ويترموا في الشارع؟ اتصل بفجر يا ابني! اتصل بيها أبوس إيدك، اترجاها ترحمنا، انزل تحت جزمتها واستعطفها!”
مسكت تليفوني المكسور من الشحاذة، وجريت على برة الأوضة. صوابعي كانت بترتعش وأنا بكتب رقم فجر.. الرقم اللي حافظه عن ظهر قلب.
اتصلت.. التليفون كان بيرن! قلبي كان بينبض زي الطبلة، مستني الصوت اللي هينقذني أو يجهز على البقية المتبقية من روحي.
بعد أربع رنات.. الخط اتفتح!
سمعت صوت هدوء أنفاسها من الناحية الثانية، وسكوت رهيب.
صرخت في التليفون وبكيت بحرقة، صوت راجل اتدشمل وكرامته اتدعت في التراب: “فجر! أرجوكي يا فجر.. ارحميني! عملتلك إيه تاني؟ أخدتي الشقة، وأخدتي التحويشة، وحبستيني، وضربتيني، وأديتي الأرض لأخويا الصعيدي! حرمتيني من كل حاجة في الدنيا.. أرجوكي يا بنت الناس، أمي بتضيع وأنا بقيت في الشارع حافي! حني عليا ولو بكلمة واحدة.. قوليلي أعمل إيه عشان تسامحيني؟!”
السكوت فضِل ثواني على الخط.. ثواني كانت أطول من السنين اللي عشتها.
وفجأة.. جاني صوتها. بس ما كانش صوت غضب، ولا صوت انتقام.. كان صوت هادي جداً، بارد وزي التلج، وقالتلي الجملة اللي غيرت كل حساباتي وجمدت الدم في قلبي:
“أنت فاكر إن اللعبة خلصت يا فلان؟ أنت فاكر إن كل ده كان عشان الأرض والشقة؟ افتح الظرف الصغير اللي المحامي رمائهولك مع الـ 500 جنيه.. وشوف المفاجأة الأخيرة اللي أنا مستنياك فيها بكرة الصبح في المحكمة!”
الخط اتأفل!
بقيت ماسك التليفون وببص له بذهول ورعب.. ظَرْف؟ الظرف اللي أداهولي أستاذ سامح مع فلوس التاكسي!
سحبت الظرف من جيبي بإيد بترتعش، وقطعته بسرعة عشان أطلع الورقة اللي جوة.. ولما قريت المكتوب في أول السطر، ركبي اتسحبت مني ووقعت على الأرض في طابور المستشفى وأنا بصرح بصوت مكتوم هز المكان كله!
وقعت على أرض المستشفى والورقة في إيدي بترتعش، عيني مش قادرة تستوعب السطور المكتوبة ببنود رسمية من النيابة العامة. الورقة ما كانتش مجرد ورقة طلاق أو تنازل، الورقة كانت دعوى قضائية جديدة مرفوعة عليا وعلى أمي وإخواتي البنات بتهمة “التآمر والمشاركة في الاستيلاء على أموال القاصر”!
القاصر؟!
عقلي طار من راسي ومبقيتش فاهم حاجة.. مين القاصر اللي استولينا على فلوسه؟!
نزلت عيني لأسفل الصفحة لقراءة الاسم المكتوب في خانة المجني عليه، وكانت الصدمة الأكبر والضربة القاضية التي قضت على ما تبقى من عقلي.. الاسم كان “ابني”!
ابني اللي فجر كانت حامل فيه من أربع شهور وقبل ما تبدأ حكايتنا دي كلها! كانت شايلة في بطنها ابني، قطعة مني ومنها، وساكتة، كاتمة السِر ومخبية الحمل عني وعن أمي عشان عارفة إننا لو عرفنا كنا هنسومها ونستغل الطفل عشان نضغط عليها ونكسرها أكتر!
قرأت المذكرة والدموع مغرقة عيني وصوتي مخنوق: “حيث إن المدعى عليه وزوجته ووالدته تآمروا لإنهاك الذمة المالية للزوجة وإجبارها على التصرف في تركتها وحرمان طفلها القادم من حقوقه الشرعية في ملكية والدته، واستغلال أموال التركة في مصاريف شخصية وبذخ غير مشروع..”
فجر ما كانتش بتحاربني أنا وأمي وإخواتي بس.. فجر كانت بتحارب عشان تحمي ابنها اللي في بطنها من أب جشع وعيلة طماعة! كانت شايفانا وحوش ممكن ننهكها وننهك ابنها عشان نزوة جوازة تانية وعنصريّة فارغة.
في الصبح، خرجت من المستشفى زي الخيال.. أجر جسمي المكسور ورجلي المربوطة بالشاش، مسحوب كالذبيحة لمقر المحكمة.
وقفت في قاعة الجلسات، القاعة كانت زحمة بالمحامين والناس، لكن عيني ما شافتش غيرها.. كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة فستان أسود أنيق، وبطنها بادي عليها الانتفاخ الخفيف.. تحفها هيبة وقوة، وحواليها محامين وحراسة.
أول ما القاضي نادى على القضايا ودخلت، وقفت قدام المنصة.. بصيت لفجر بنظرة توسل مكسورة، نظرة راجل اتجرد من كل دروعه، ونطقت بصوت ضئيل هزه الدموع: “يا سيادة القاضي.. أنا مش جاي أدافع عن نفسي، ولا جاي أطلب أرض ولا شقة ولا فلوس.. أنا اعترفت بكل حاجة، اعترفت بجشعي وبقلة أصلي وبظلمي لست أصيلة سألتني الأمانة فخنتها.”
التفت لفجر، ونزلت على ركبتي قدام القاعة كلها، في مشهد أهان كل غروري القديم ونسخ وجودي: “يا فجر.. خدي كل حاجة، خدي الأرض والشقة والفلوس وحريتي.. بس ما تحرمينيش إني أكون أب، ما تخليش ابني يتولد وهو بيحتقر اسمي ويشوفني مجرم في ورق المحاكم.. أنا أتعاقبت، وربنا أخدلي حقي مني وزيادة.”
فجر بصتلي من فوق، ملامحها ما اهتزتش، لكن عيونها كان فيها لمعة حزن نادمة على الراجل اللي دمر نفسه بنفسه. وقفت بكل ثبات، وقربت خطوات من القاضي وقالت بصوت هادي وواثق هز أركان القاعة:
“يا سيادة القاضي.. أنا مش جاية أحبس أب ابني، ولا جاية أرميه في السجن.. أنا رفعت الدعوى دي بس عشان أخليه يقف الموقف ده، عشان يعرف إن الطفل اللي كان هيضيع بسبب طمعه، هو نفسه اللي أمه حمت حقه بالقانون والعقل. أنا بتنازل عن الدعوى الأخيرة، وبطلب إثبات الطلاق النهائي والإبراء التام، وبسيبله حريته.. يدور على نفسه ويتعلم يعيش راجل من الصفر.”
القاضي دق بمطرقته: “حُكمت المحكمة بإثبات الطلاق والإبراء، وانقضاء الدعوى بالتنازل.”
خرجت فجر من القاعة بخطوات واثقة ومرفوعة الرأس، كأنها ملكة توجت حريتها وكرامتها وحق ابنها بالكامل.. وسابتني واقف في نص القاعة، حُر.. بس حرية أشد قسوة من قيد السجن. حرية إنسان خسَر كل شيء: خسر بيته، وزوجته، وابنه، وأرضه، وكرامته، وعيلته اللي اتفككت وتشتت بسبب الجشع والطمع.
خرجت للشارع، الهواء كان بارد، والمسافات قدامي ممتدة ومظلمة. مشيت حافي، بلا مال ولا سقف ولا سند.. وعرفت إن العلقة اللي أكلتها والأرض اللي ضاعت مني ما كانتش غير ثمن بسيط لقانون العدالة الإلهية.
🌟
العبرة والحكمة من القصة:
* الجزاء من جلعمل: من زرع الغدر والضغط على أقرب الناس إليه، حصد الخيانة والشتات من أقرب الناس له (كما فعلت أمه وإخواته البنات به).
* البيت لا يُبنى على خراب بيت آخر: الطمع في حق الزوجة أو استغلال ورثها لبناء نزوات جديدة أو إرضاء للغرور، هو أقصر طريق للدمار الشامل والفقر الأبدي.
* الدهاء الملتزم بالقانون يحمي الحقوق: المرأه الذكية والأصيلة لا ترد على الإهانة والظلم بالصراخ والصوت العالي، بل بالعقل والتدبير وتأمين المستقبل وأخذ الحق كاملاً بالقانون والعدل.
* العنف والجشع يقطعان الأرحام: عندما يدخل الطمع بين الأهل والشركاء، تنكشف المعادن الرخيصة، وتتحول العلاقات الأسرية إلى الجميع ولا تترك أحداً رابحاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *