ج الاخير ابويا جيه من الفيوم حكايات زهرة الربيع
الشخص اللي كلمته مكنش يخطر على بال محمود في أشد كوابيسه سوداوية، الشخص ده كان “الحاج رأفت”.. شريك محمود القديم، والراجل اللي محمود نصب عليه من خمس سنين وأكل حقه في أول صفقة ملايين عملها، وكانت هي السبب في ثروته الحالية. الحاج رأفت مكنش مجرد شريك قديم، ده راجل واصل جداً، وله معارف في مباحث الأموال العامة ومصلحة الضرائب، ومن يومها وهو بيدور على ثغرة واحدة يمسك بيها محمود ويثبت إنه هرب فلوسه وأرباحه بطرق غير مشروعة.
أول ما الحاج رأفت سمع صوتي وعرف أنا مين، ونبرة صوتي الميتة وهي بتقوله: “يا حاج رأفت، السر اللي بتدور عليه بقالك سنين معايا، بكل الأرقام والشركات الوهمية اللي بره مصر”، الراجل أنفاسه تلاحقت وقالي بلهفة: “انتي فين يا بنتي؟ قسماً بالله لو الكلام ده صح، لأجيبلك حقك وحق أبوكي في صاغ غايب، والكلب ده هرميه ورا الشمس!”
اتفقت معاه على كل حاجة، وفهمته إن محمود قافل على نفسه الأوضة ومطمن، وطلبت منه يجهز أوراقه ورجالته ويستنى مني الإشارة. قفلت السكة، ومسحت دموعي، ووقفت قدام مراية الصالة أظبط طرحتي ونفسي. الخوف اتمحى تماماً، وحل محله برود قاتل.. برود اتعلمته من محمود نفسه.
رحت خبطت على باب أوضته بهدوء. فتح الباب وبصلي بسخرية وقالي: “ها.. فكرتي؟ لميتي الدور وعملتي حساب لآخرة أبوكي، ولا لسه دماغك ناشفة؟”
رسمت على وشي نظرة الانكسار والخضوع الملوة، ووطيت راسي وقولتله بصوت مرتعش يظهر قلة الحيلة: “أنا ماليش غيرك يا محمود.. وأبويا راجل كبير مش حمل سجون وبهدلة. أنا أسفة، الشيطان عماني لما شفت الأرقام، وأنا موافقة على كل اللي تقوله، بس بلاش تأذي أبويا، والفلوس اللي اتفقت عليها أنا راضية بيها ومش عاوزه أشوف وش المحامين بتوعك.”
محمود عينيه لمعت بانتصار حقير، وضحك ضحكته العالية وقالي وهو بيطبطب على كتفي بقرف: “أيوة كده.. ارجعي لعقلك، الست ملهاش غير بيت جوزها، والقرش اللي في إيدي هو اللي حاميكي وحامي أهلك، طول ما انتي مطيعة، هتأكلي وتشربي، لكن الطمع هو اللي بيخرب البيوت.”
سيبته ودخلت المطبخ أعمله عشا وهو دخل يقعد في الصالة ممتن بانتصاره المزيف، وميعرفش إن الـتليفون التاني اللي سابه في جيبه أنا مكنتش بس بقرا منه الإيميلات.. أنا في الدقائق اللي غبت فيها كنت بعت كل كشوف الحسابات، وصور العقود، وأسماء الشركات اللي متغسلة بره مصر، لإيميلي الشخصي، ومنه لـواتساب الحاج رأفت!
الساعة جت ١٢ بالليل، ومحمود قاعد بياكل بكل نفس مفتوحة ويخطط إزاي هيلغي ورقة الشروط بكره الصبح. وفجأة، الباب خبط خبطات قوية وهستيرية هزت حيطان الشقة الجديدة كلها!
محمود اتنفخ وقام وهو بيزعق: “مين المتخلف اللي بيخبط بالطريقة دي نص الليل؟!”
أول ما فتح الباب، تراجع لورا تلات خطوات ووشه بقى لونه زي لون الحيطة، الدم هرب من عروقه تماماً.. واقف على الباب الحاج رأفت، وجنبه اتنين رجالة ببدل رسمية، ومعاهم أمر ضبط وإحضار وتفتيش من النيابة العامة بتهمة التزوير، والتهرب الضريبي، وتأسيس شركات وهمية لتهريب الأموال بره البلاد بناءً على بلاغ رسمي مدعم بالمستندات!
الحاج رأفت دخل الصالة بكل هيبة، وبص لمحمود اللي كان بيرتعش زي الورقة في الخريف، وقاله بنبرة شماتة زلزلت الكيان: “أهلاً يا حودة.. بقالك خمس سنين مستخبي في جحر الفئران وعامل نفسك موظف غلبان وبتجوع مراتك وأهلها عشان تخبي الملايين؟ فاكر إنك أذكى من الكل؟ أهو اللعب الليلة بقى مع الحكومة يا بطل، والمستندات اللي مفيش مخلوق يعرفها، بقت دلوقتي على مكتب المحامي العام!”
محمود لف وشه وبصلي بنظرة كلها غل ورعب، صرخ فيا وهو بيموت من الخوف: “انتي؟! انتي اللي عملتي كده يا فاجرة؟! أنتي خربتي بيتي وضيعتي شقا عمري!”
قربت منه وبصيت في عينيه المكسورة بمنتهى القوة وقولتله: “ده مش شقا عمرك.. ده شقا الناس اللي نصبت عليهم، وجوعي وحرماني وحرمان أبويا اللي عايرته باللقمة! الفلوس اللي كنت بتعبدها وتذلني بيها، هي نفسها اللي هتدخلك السجن الحديد وتضيع عمرك وراك.”
الظباط مسكوا محمود وكتفوا إيديه بالحديد وهو بيصرخ ويبكي وبيتوسل للحاج رأفت وبيتوسل ليا، وخرجوا بيه في نص ليل القاهرة والكلاب بتـعوي وراه، والفضيحة بقت بجلاجل في العمارة الجديدة والشارع كله.
وقفت في نص الصالة لوحدي، وبصيت لحساب محمود المفتوح على اللاب توب.. الإمبراطورية وقعت، والكلب اترمى في السجن، بس وأنا بقفل الأوراق عشان ألم هدومي وأرجع لأبويا معززة مكرمة، عيني وقعت على رسالة مشفرة لسه واصلة حالا على الإيميل من بره مصر.. رسالة مضمونها خلاني أتسمر مكاني، وعرفت إن خروج محمود بالحديد مكنش نهاية الكابوس، ده كان بداية لـمصيبة تانية أكبر، مصيبة تخص ناس تانية بره مصر ملهمش قلب وميعرفوش يعني إيه قانون، والناس دول بيطالبوا بفلوسهم اللي محمود حبسها، وفاكرين إن الفلوس دي معايا أنا!
الرسالة اللي ظهرت على الشاشة كانت مكتوبة بالإنجليزي، بس كلماتها كانت واضحة زي السكين. الإيميل مبعوث من جهة مجهولة باسم مشفر، ومكتوب فيه نصاً: *”محمود.. نقلت الأصول لحساب زوجتك بناءً على طلبك الأخير لتأمينها قبل المداهمة. الشفرة النهائية والتحويل الخارجي بقيمة 3 ملايين دولار لن يتم إلا بتوقيعها أو حضورها الشخصي. أمامك 48 ساعة وإلا اعتبرنا ذلك خيانة، وأنت تعرف عواقب اللعب بأموالنا.”*
وقفت مكاني مذهولة، عقلي مش قادر يستوعب اللعبة القذرة اللي محمود كان راسمها. الكلب مكنش بس بيخطط عشان يلوي دراع أبويا بالورقة والمحامين، ده كان حاسس إن الحاج رأفت بيقرب منه، وعشان يحمي الملايين المتهربة، حول جزء ضخم منها باسمي وعمل تفويض مخفي عشان لو اتمسك، الفلوس تفضل في أمان وبعيد عن أجهزة الدولة، وبكده يلبسني أنا المصيبة ويوجه نظار العصابة دي لبيتي!
تليفوني رن في إيدي فجأة، وكان رقم دولي غريب. رديت وأنا حاطة إيدي على قلبي، وبصوت خشن وبلهجة غريبة قالي: “المدام سامية؟ جوزك اتمسك، بس شغلنا ملوش دعوة بالحكومة. الـ 3 ملايين دولار اللي في حسابك، الشفرة بتاعتهم لازم توصلنا قبل مهلة الـ 48 ساعة ما تنتهي، وإلا هنعرف طريقنا لبيت أبوكي في الفيوم، وأظن حياة عيلتك أغلى من أي فلوس.”
الخط قطع، وأنا جالي حالة ذهول تام. محمود البخيل، الحريص اللي كان بيحسب البرتقانة واللقمة، طلع غرقان في شبكة تهريب وغسيل أموال دولية، ودلوقتي وأهو ورا السجون، سابلي ورثة سوداء بتهدد حياتي وحياة أبويا والسند اللي ماليش غيره في الدنيا.
مضيعتش دقيقة. لميت كل الأوراق اللي في الشقة، واللاب توب، وفلاشات الميموري اللي محمود كان مخبيهم في قاع الدولاب، ونزلت جري من الشقة في عز الليل. ركبت أول عربية رايحة الفيوم، وطول الطريق وأنا ببكي وبدعي ربنا يسترها على أبويا.
وصلت البيت مع أذان الفجر، دخلت لقت أبويا صاحي وبيصلي. أول ما شافني بالمنظر ده والشنط في إيدي، خاف وجري عليا: “في إيه يا بنتي؟ محمود عملك حاجة تاني؟”
ارتميت في حضنه وقعدت أعيط وأنا بحكيله كل حاجة من أول ما كشفت الحسابات المليونية لحد مكالمة التهديد والرعب اللي بنعيشه. أبويا سمع الكلام وملامحه اتغيرت، بس مضعفش، هز رأسه وقالي بقوة أول مرة أشوفها فيه: “الكلب.. بخل بفلوس الحرام وجوعك وشقانا عشان يداري قذارته! متخافيش يا بنتي، طول ما فيا نفس، مفيش كلب يقدر يقرب من شعرة منك. إحنا مش هنلعب مع عصابات، إحنا هنروح للحكومة ورجال البلد ونحط الورق كله على المكشوف، والمال الحرام يروح لأصحابه.”
في الصباح الباكر، أبويا أخدني ومعانا الحاج رأفت اللي جيه مخصوص للفيوم لما عرف بالمصيبة الجديدة، ورحنا مباشرة لـمقر مباحث الأموال العامة بالقاهرة. قعدنا مع رئيس المباحث، وحطينا اللاب توب، والفلاشات، ورسائل التهديد، والإيميل اللي بيثبت إن محمود حول الفلوس باسمي بدون علمي كنوع من التمويه.
الجهات الأمنية اتحركت في ثانية، وعرفوا إن محمود جزء من شبكة وهمية لتهريب النقد الأجنبي، وإنهم كانوا مراقبينه فعلاً. رئيس المباحث طمنني وقالي: “انتي عملتي الصح يا مدام، بتقديمك للبلاغ ده حمتي نفسك وعيلتك، والفلوس دي هتحتجز رسمياً كأموال مهربة، وإحنا تتبعنا الرقم الدولي وهنأمن بيت والدك في الفيوم بالكامل.”
لكن قبل ما نخرج من المديرية، جيه عسكري وبلغ رئيس المباحث إن محمود انهار تماماً في الحجز بعد ما عرف إن أسراره كلها اتكشفت، وطالب يشوفني أنا بالذات لدقائق معدودة قبل ما يتنقل للنيابة، وقايل لـوكيل النيابة: “أنا هعترف على الشبكة كلها بس خلوا مراتي تيجي، في سر أخير لازم أقوله ليها هي بالذات، سر هينقذ حياتها وحياة أبوها من اللي جاي!”
بصيت لأبويا والحاج رأفت، ورئيس المباحث هز رأسه وقالي: “ادخلي اسمعيه يا بنتي، وإحنا معاكي وسامعين كل حاجة.”
مشيت بخطوات ثابتة لغرفة التحقيق، ودخلت شفته.. محمود المليونير، اللي كان مالك الدنيا، قاعد بالكلابشات، شعره منكوش، ووشه دبلان ومكسور كسرة الموت. أول ما عينه جت في عيني، اتقدم لقدام والكلابشات بتتحرك وصوته كان بيرتعش وهو بيقولي الكلمة اللي صدمتني وصدمت كل اللي واقفين ورا زجاج الغرفة المعتم!
محمود بص لعينيا، والدموع نازلة على وشه، وقال بصوت مرتعش ومبحوح: “سامحيني يا سامية.. السر اللي لازم تعرفيه إن العصابة دي مكنتش مستنية الشفرة بس، الشفرة اللي اتحولت على حسابك دي وراها مفتاح أمان مشفر برقم بطاقتك الشخصية وتاريخ ميلادك إنتي! يعني من غير ما تمضي بنفسك قدام وسيطهم اللي هنا في القاهرة، الفلوس مش هتحرك، والناس دول لو عرفوا إنك بلغتي الحكومة، مش هيسيبوكي. السر الأكبر.. إن المحامي بتاعي هو راس الأفعى وهو الوسيط بتاعهم هنا في مصر، وهو اللي بلغ عني لما حس إني هرب بالفلوس لحسابك! خدي بالك من نفسك ومن أبوكي، المحامي هو اللي باعتلك التهديد مش حد بره!”
في اللحظة دي، وكيل النيابة ورئيس المباحث اللي كانوا سامعين ورا الزجاج المعتم، اتدخلوا بسرعة وقوة. رئيس المباحث أمر بـقوة فورية للقبض على المحامي، وفعلاً تم نصب كمين للمحامي والقبض عليه في مكتبه وهو بيجهز للسفر والهروب بره البلد، وبحوزته العقود المزورة والشفرات البديلة اللي كان بيحاول يسرق بيها الفلوس لنفسه ويلبسها ليا أنا ومحمود.
مرت الأيام، والمحاكمة اشتغلت بشكل سريع. محمود اتمسك في قض..ية غسيل أموال وجنايات أمن دولة وتهريب نقد أجنبي، وبناءً على اعترافاته والأوراق اللي أنا قدمتها، ثبتت التهمة عليه وعلى شبكة المحامي بالكامل. المحكمة أصدرت حكمها التاريخي بسجن محمود ١٥ سنة مع الشغل والنفاذ، ومصادرة كل الأموال السائلة والمنقولة والشهادات الدولارية لحساب الخزانة العامة للدولة باعتبارها أموالاً محرمة ناتجة عن تجارة غير مشروعة.
أما أنا، فالمحكمة برأتني تماماً من أي تهمة، بعد ما ثبت إني كنت ضحية لـبني آدم استغل اسمي وبطاقتي دون علمي، وخرجت من القض..ية دي بيضاء النية، رافعة راسي، وبإيدي ورقة طلاقي الرسمية من محمود اللي أخدتها بحكم محكمة سريع للضرر الجسيم والنفسي.
الشقة الإيجار الضيقة قفلناها وسلمت مفتاحها لصاحبها، ورجعت مع أبويا “السند والضهر” لبيتنا الطيب في الفيوم. الشنطة اللي دخل بيها أبويا عليا زمان وكانت سبب في كشف المستور، رجعت بيها لبيته، بس المرة دي وأنا متعافية تماماً من وهم اسمه “جوزي محمود”.
### الحكمة من القصة:
البيوت لا تُبنى على جبال من المال الحرام، ولا تستقيم بحساب اللقمة والبرتقانة. البخل في المال غالباً ما يكون غطاءً لـبخل أشد وأقنع في المشاعر، والأصول، والكرامة.
محمود عاش حياته كلها مريضاً بالمال، يحرم نفسه وأهل بيته من الطيبات، ويستخسر في حماه “لقمة” وواجب ضيافة فرضته الأديان والأعراف، فكانت ذات اللقمة هي الثغرة التي هدمت حصونه، وكشفت زيفه، وساقته إلى ظلمات السجون ذليلاً مكسوراً، مصداقاً للآية الكريمة: *(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)*.
المرأة يمكن أن تصبر على ضيق ذات اليد، وعلى الشقة القديمة المتصدعة، وعلى غلاء المعيشة، لكنها أبداً لا تصبر على رجل يكسر هيبة أبيها، أو يستحل إذلالها باسم الحرص. وكرامة الأهل هي الخط الأحمر الذي إذا تُخطِّيَ، انقلبت فيه الزوجة المطيعة إلى إعصار يقتلع إمبراطوريات البخل والظلم من جذورها. وبقي بيت الأب الطيب بالفيوم، المفتوح بالخير والترحاب، هو الملاذ الآمن والأبقى، لأن البركة في الرزق الحلال والقلوب الصافية، وليست في ملايين البنوك الملوثة.
