رجعت من مهمتي في سيناء قبل ميعادي بتلات أسابيع، وأنا طايرة من الفرحة إني هفاجئ جوزي وبنتي الصغيرة اللي عندها أربع سنين. كنت متخيلة أول ما أفتح باب الشقة ألاقي بنتي تجري عليّا وتحضني، وجوزي يضحك من المفاجأة لكن اللي شوفته أول ما دخلت خلاني أحس إن قلبي اتخلع من مكانه. بنتي مريم كانت قاعدة على الأرض في طرقة الشقة، هدومها متبهدلة وشعرها منكوش، وحاضنة طبق بلاستيك فاضي كأنها متعلقة بيه عشان ما تقعش من الجوع. أول ما شافتني رفعت عينيها وقالت بصوت واطي ماما؟ إنتي بجد رجعتي؟ رميت الشنطة من إيدي وجريت عليها، ونزلت على ركبتي وأنا بضمها لصدري أيوه يا حبيبتي أنا ماما، أنا هنا. مدت إيديها الصغيرة ولمست وشي بإيديها الاتنين، كأنها بتتأكد إني مش حلم، وبعدها رمت نفسها في حضني وفضلت تعيط بس من غير ولا صوت. أنا الرائد نادين محمود، ضابطة في القوات المسلحة، وكنت بقالي ست شهور في مهمة بعيد عن البيت. وكنت فاكرة إن رجوعي للبيت هيكون أسعد يوم في حياتي. لكن أول ما دخلت المطبخ، ريحة الأكل البايظ ضربت في وشي. الزبالة كانت مالية البلكونة والمطبخ، والأطباق متكومة في الحوض، والشقة كلها كانت حالتها تقطع القلب. والأصعب من كل ده إن بنتي نفسها كانت شكلها مرعب من شدة الضعف. بصيت لها وأنا بحاول أتماسك وقلت بابا فين يا مريم؟ ردت وهي بتبصلي بابا في السفينة الكبيرة. اتخضيت سفينة إيه؟ ومين كان قاعد معاكي؟ مريم أشارت ناحية طرقة الشقة وقالت بمنتهى البراءة محدش تيتة قالت إن طنط سوسن هتجيبلي بسكوت. حسيت إن الدم اتسحب من وشي. مسكت موبايلي واتصلت بالنجدة فورًا. وأنا مستنية الشرطة والإسعاف، كنت بحاول أدي مريم شوية مية على فترات، وبعدها فتحت شنطتي العسكرية وطلعت منها تفاحة مهروسة كانت معايا، واديتها معلقتين صغيرين بس عشان معدتها كانت فاضية بقالها فترة. بصيت لها وقلت بابا سابك من إمتى يا حبيبتي؟ رفعت إيديها الصغيرة وطلعت تلات صوابع. تلات أيام. بنتي عندها أربع سنين كانت لوحدها في الشقة لمدة تلات أيام كاملة. بعد دقائق الإسعاف وصلت، والمسعفين دخلوا يشوفوا حالتها، وفي نفس الوقت دخل أمين الشرطة كريم عبدالسلام وبدأ يفتش الشقة ويتأكد إن مفيش خطر عليها. وأنا كنت لسه مش مستوعبة اللي حصل، فتحت حساب جوزي على فيسبوك. وفي اللحظة دي حسيت إني ممكن أكسر الموبايل في إيدي. لقيته منزل صور وهو مبسوط على يخت سياحي في الغردقة، حواليه مامته سعاد، وأخته داليا، وكام فرد من العيلة، وكلهم بيضحكوا وكأن مفيش أي حاجة حصلت. جوزي سامح كان عايش حياته عادي جدًا بينما بنته كانت قاعدة لوحدها جعانة في البيت. فتحت حسابنا البنكي عشان أعرف صرف إيه. اتصدمت. حوالي ستمية ألف جنيه اتسحبوا من حسابنا. فلوس مرتبي، وتحويشة الطوارئ اللي كنا محوشينها، وكل الفلوس اللي كنا بنعتمد عليها لو حصل ظرف. مصاريف الفندق والرحلة، مطاعم، رحلات بحرية، مشتريات، وكمان سداد مديونيات على كروته البنكية. كل ده في الوقت اللي بنتي كانت بتدور على أي لقمة تاكلها. وفجأة سمعت خبط جامد على الباب. كانت جارتنا طنط هناء، أول ما دخلت جريت عليّا وقالت نادين! أنا شفت مريم امبارح من الشباك! كنت برن الجرس وبخبط، وفي راجل رد عليّا من خلال كاميرا الباب وقاللي إن جوزك موجود وإن واحدة من قرايبكم فوق معاها! أمين الشرطة كريم بص لها باستغراب وقال قريبة مين؟ هزت راسها وقالت معرفش بس الراجل هو اللي قاللي كده. بص أمين الشرطة للشقة كلها وقال مفيش أي حد هنا غير الطفلة وأمها. وقبل ما حد يفهم مين الراجل ده، موبايلي رن. كان سامح. فتحت المكالمة وحطيته على السماعة الخارجية. صوته كان مليان دوشة ومزيكا وضحك. قال نادين؟! إنتي رجعتي ليه بدري؟! بصيت له وقلت بهدوء يخوف أكتر من الزعيق مين اللي كان بيرعى بنتك؟ سكت. وبعد ثواني قال الست اللي كانت هتيجي اعتذرت في آخر لحظة. قلت له وأنت سبت مريم لوحدها؟ قال بسرعة ماما قالت إن طنط هناء هتكون بتبص عليها. صرخت فيه مريم عندها أربع سنين يا سامح! إنت سبتها لوحدها تلات أيام! قال بعصبية وطي صوتك! إحنا راجعين يوم الحد وخلاص. بصيت لأمين الشرطة، وبعدين قلت الشرطة واقفة في الصالة دلوقتي. فجأة سكت. المزيكا اللي كانت وراه اختفت من ودني، وبقيت سامعة بس نفسه وهو بيتنفس بسرعة. قال إنتي عملتي إيه؟ قلت أنا؟ أنا رجعت بيتي. صوته اتغير فجأة وقال نادين اسمعيني كويس. متخليش الشرطة تفتش الشقة. أمين الشرطة كريم بصلي، وبعدين قال اديني سبب واحد. سامح فضل ساكت ثواني، وبعدها قال بصوت مبحوح بس مهما حصل، أوعي تفتحي دولاب الملايات اللي في طرقة الشقة. كل الموجودين بصوا ناحية الطرقة. كان فيه دولاب خشب قديم في آخر الممر، عمري ما شوفته مقفول بالشكل ده قبل كده. والأغرب إن كان متحط عليه قفل حديد تقيل. بصيت لأمين الشرطة وقلت القفل ده عمره ما كان موجود. قرب منه وبص عليه كويس. وفي اللحظة دي سامح بدأ يصرخ من التليفون نادين! متفتحيهوش! أمين الشرطة بص له وقال ليه؟ سامح صوته علي بشكل هستيري لو فتحت القفل ده كل حاجة هتبوظ! هتدمروا كل حاجة! أمين الشرطة كريم طلب من العسكري يجيب قصافة الحديد. وقف قدام الدولاب، وحط القصافة على القفل. وأنا واقفة مكاني مش قادرة أتحرك، وببص على الباب الحديدي الصغير اللي وراه سر محدش كان عايزني أعرفه. ومع أول ضغطة من القصافة على القفل، فهمت إن جوزي ماكانش بس ساب بنتنا لوحدها. ده كان مخبي حاجة جوه بيتي وأنا بعيدة عنه. وحاجة بالشكل ده كانت كفيلة إنها تقلب حياتنا كلنا رأسًا على عقب. صوت طرقعة الحديد المكسور رنت في طرقة الشقة زي ضربة رصاص. القفل التقيل وقع على الأرض وصوته اتدحرج بين رجلينا. في نفس اللحظة، صراخ سامح في الموبايل اتخنق فجأة وبقى عبارة عن شهقات متقطعة، وكأن الهواء اتسحب من الرئة عنده مرة واحدة. أمين الشرطة كريم حط إيده على مقبض دولاب الملايات، وبصلي ونطق كلمة واحدة ارجعي ورا يا فندم. رجعت خطوة وأنا بسحب مريم أكتر لحضني، البنت كانت مغمضة عينيها ودافنة وشها في رقبتي، حاسة بالخوف والتوتر اللي مالين الجو. كريم فتح ضفتين الدولاب الخشب. الريحة اللي طلعت منه كانت مكتومة ومخلوطة بريحة مواد كيميائية نفاذة وجنزارة. الدولاب من جوه ماكانش فيه ملايات ولا فوط الرفوف كلها كانت متشالة، والمساحة العميقة اللي جوه كانت متحولة لحاجة تانية خالص. كراتين متقفلة ببلاستر أسود، جنبها أكياس بلاستيك شفافة مليانة بكرات بيضاء ومساحيق مغلفة بدقة، وجنبهم على رف سفلي صاج شنطة سفر سوداء مفتوحة نص فتحة، طالع منها رزم فلوس دولارات ملزوقة بشريط أحمر، ومعاها سلاح ناري بدون ترخيص وخزنتين مليانين طلقات. لكن المصيبة الأكبر كانت متثبتة في ضهر الدولاب جهاز تسجيل صغير متوصل بكاميرات الشقة الخارجية، وجهاز شبكة بيث بث مباشر! الدم اتجمد في عروقي. أنا ضابطة في القوات المسلحة، عارفة الشكل ده كويس دي مش مجرد مخدرات أو فلوس مهربة، دي كانت نقطة توزيع وإدارة لشبكة غير مشروعة، واستغل غيابي وتواجدي في سيناء عشان يحول بيتي لستار محمي باسمي وموقعي العسكري! أمين الشرطة كريم خطى خطوة لورا بسرعة، وسحب سلاحه، وعينيه اتوسعت وهو بيبصلي بنظرة فيها صدمة وشك في نفس الوقت حضرة لمحة نيوز الرائد إيه ده؟ قلت بصوت طالع بالعافية، وحشرجة الغضب بتخنق حنجرتي أقسم بالله ما أعرف عنه حاجة أنا بقالي ست شهور في سيناء. من الموبايل اللي كان لسه على الأرض وسماعة السبيكر شغال، جه صوت سامح وهو بيبكي بنشيج هستيري نادين نادين والله ما كان قصدي! هما اللي هددوني! هما اللي جابوا البضاعة وقالوا لي لو ما وافقتش هيأذوكي أنتِ ومريم! زعقت فيه بصوت هز جدران الشقة عشان كده سبت بنتك عندها أربع سنين لوحدها يا واطي؟! عشان كده خدت فلوسي وطلعت تجري على الغردقة وتصرف على أهلك وتتفسح والبيت فيه مصيبة توديك الإعدام؟! صوت سامح اترعش وهو بيقول الشاب اللي كان بييجي يستلم الشحنات هو اللي كان مفروض يقعد مع مريم ويديها أكل هو اللي قاللي إنه هيرعى البنت لحد ما أرجع! أنا معرفش إنه سابها ومشي لما حس إن الشرطة أو الجيران بيسألوا! في اللحظة دي، طنط هناء شهقت وحطت إيدها على بقها يعني الراجل اللي رد عليا من الكاميرا كان تاجر مخدرات؟! يا مري! أمين الشرطة كريم ما استناش، رفع جهاز اللاسلكي بتاعه وطلب دعم فوراً من مكافحة المخدرات والأمن الوطني، وطلب تحفيظ الموقع بالكامل وإرسال قوة للقبض على سامح في الغردقة بالتنسيق مع مديرية أمن البحر الأحمر. المسعف قرب مني بهدوء وقال يا فندم، الطفلة محتاجة تتنقل المستشفى فوراً عشان الجفاف والتحاليل اللازمة، جسمها ضعيف جداً. بصيت لمريم اللي كانت مسكت في لياقة الأوفرول العسكري بتاعي بكل قوتها، وكأنها خايفة إن اللحظة دي تضيع وأختفي تاني. مسحت على شعرها المتبهدل، وقلت بصرامة ضابط مش بس حزين، لكنه بيستعد للحرب الإسعاف هتحركني أنا ومريم للمستشفى العسكري، والأمين كريم هيستلم الموقع هنا بنفسه. بصيت للموبايل اللي على الأرض، وصوت سامح لسه بيترجى ويصرخ نادين متسيبنيش! أمي وأختي مالهمش دعوة، الفلوس أنا اللي صرفتها نادين لحقيني! وطيت مسكت الموبايل، وقربته من بؤي، وقلت بصوت هادي وزي الثلج سامح إنت مش بس ضيعت شرفك وبعت بيتك ودمرت بنتك إنت حطيت إيدك في إيد اللي يضروا البلد. واعرف إن القوات المسلحة والشرطة مش هيسيبوك وأنا بنفسي اللي هقف قدامك في المحكمة لحد ما أشوفك ورا السوارس. قفلت الخط في وشه قبل ما أسمع أي كلمة تانية. شلت مريم بين إيديا، وحطيت رأسها الصغير على كتفي، وخرجت بيها من باب الشقة وأنا مش بتبص ورايا. الشارع كان مليان أنوار الإسعاف والشرطة، والجيران واقفين على السلم مشدوهين. وأنا نازلة، مريم همست في ودني بصوت ضعيف خالص ماما مش هتسيبيني تاني صح؟ غمضت عيني والدمعة نزلت رغماً عني، وضمتها لصدري أكتر وقلت لها عمر ما حد هيقدر يبعدني عنك تاني يا مريم والحق اللي اتأخد منك ومني، هجيبه بالقانون وبإيدي. ركبت عربية الإسعاف ومريم كانت ماسكة في الأوفرول بتاع القوات المسلحة بتاعي بقوة رهيبة، كأن صوابعها الصغيرة بقت جزء من القماش. دقات قلبها السريعة كانت مسموعة بالنسبة لي، والدكاترة في الإسعاف شغالين بيقيسوا الضغط والسكر وحاطين لها ماسك أوكسجين خفيف. أول ما وصلنا المستشفى العسكري، الدكاترة استلموا مريم فوراً. أخدوها على غرفة الرعاية للتحاليل وتركيب المحاليل، وأنا وقفت بره ورا القزاز، شايفاها وهي محطوطة على السرير الأبيض، أرفع وأضعف من طفلة في سنها، بس عينيها كانت متعلقة بيا ومش قادرة تغمض. في اللحظة دي، موبايلي رن. كان أمين الشرطة كريم. رديت بسرعة وصوتي ناشف زي الحجر إيه الأخبار عندك يا كريم؟ جه صوته من الناحية التانية وفي الخلفية صراخ ودوشة حضرة الرائد، مكافحة المخدرات والأمن الوطني نزلو الشقة فوراً وتم التحفظ على كل الحرز. وفي نفس الوقت، قوة من مباحث البحر الأحمر كبست على اليخت في الغردقة. سكت ثانية ومسحت على وشي وجابوه؟ كريم رد بابتسامة ظهرت في نبرة صوته اتقبض عليه وهو قاعد على سطح اليخت ولابس نظارة شمسية وفي إيده المشروب، أمه وأخته كانوا جنبه. القوة قفلت الشاطئ ونزلت بالكلبشات. أمه صرخت ولطمت، وأخته حاولت تداري شنط المشتريات والدهب الجديد اللي اشتروه بفلوسك، بس المباحث تحفظت على كل حاجة، وسامح اتثبت في مكانه ووقع في شر أعماله. اتنفست بعمق وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة. العدالة بدأت تتحرك، بس النار اللي جوه قلبي على بنتي ماكانتش هتطفي بسهولة. بعد ساعتين، خرج الدكتور من عند مريم، وشه كان مطمن شوية حضرة الرائد، مريم كانت على وشك تدخل في شوك بسبب الجفاف وهبوط السكر الشديد. ربنا ستر إنك وصلتي في آخر لحظة. هي دلوقتي أسرع في الاستجابة والمحاليل بدأت ترجع لها حيوية جسمها، بس هتفضل معانا يومين تحت الملاحظة. دخلت لها الغرفة، ووطيت باست رأسها. مريم فتحت عينيها بشويش وبصت لي ماما هو بابا مش هيجي يزعق لك؟ الجملة نزلت عليا زي السكينة. فهمت إن سامح ماكانش بس مهمل، ده كان بيمارس عليهم إرهاب نفسي قبل ما يسيبها ويغادر. مسكت إيدها الصغيرة وقلت بصوت حنون بس ثابت محدش يقدر يزعق لماما، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يلمس شعرة منك تاني يا قلب ماما. بعد أيام كنت واقفة أمام سراي النيابة العسكرية ومجمع المحاكم. لابس رسمي، نجومي بتلمع على كتفي، وثباتي رجع لي مضاعف. سامح كان واصل في عربية الترحيلات، هدومه متبهدلة، وشة باهت، والدواير السودة تحت عينيه بتقول إنه مانامش من يومها. أمه وأخته كانوا واقفين بره المحكمة بيبكوا وبيترجوني. أم سامح جرت عليا ومسكت في إيدي وهي بتبكي يا نادين يا بنتي! ابني يروح فيها! ده طمع وشيطان دخل بينكم، ابوسي إيدك تنازلي، احنا مستعدين نرجع لك كل مليم! سحبت إيدي منها ببرود شديد وبصيت لها في عينها الفلوس تعوضها الملايين يا سعاد هانم بس تلات أيام بنت أربع سنين تتساب لوحدها تموت من الجوع والخوف عشان حضراتكم تتفسحوا بفلوسها في الغردقة؟ دي مالهاش تنازل. واللي عمله ابنك مش بس جريمة في حق بنته، ده خيانة واستغلال لبيتي في تجارة سموم وأنا على الجبهة. سامح وهو بيمشي بين عساكر الحراسة بصلي ونادى بصوت مكسور نادين سامحيني عشان خاطر مريم! بصيت له بمنتهى القسوة وقلت له كلمتين بس مريم ملهاش أب من النهاردة. الحكم صدر بعد تحقيقات مكثفة؛ السجن المشدد لسامح في قضايا حيازة السلاح بدون ترخيص، والاتجار في المواد المخدرة، واستغلال بيت ضابط في أعمال غير مشروعة، بالإضافة لقضية الإهمال الجسيم والتعريض لحياة طفل للخطر. وأمه وأخته اتوجهت لهم تهم التستر والاشتراك في تبديد أموال متحصلة من جريمة. خرجت من باب المحكمة، والشمس كانت طالعة ومشرقة على غير العادة. في العربية، كانت مريم قاعدة في الكرسي اللي جنبي، ماسكة لعبتها الجديدة وبتضحك وهي بتبص لي من الشباك، لون وشها ورجع لها أمل الحياة من تاني. أخدت نفس عميق وشغلت العربية، وأنا عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، بس المرة دي، أنا وبنتي ماشيين في الطريق الصح، وإيدي في إيدها للأبد. مرت سنة كاملة على اليوم اللي اتغيرت فيه حياتي للأبد. الشمس كانت داخلة من شباك شقتنا الجديدة في الإسماعيلية، ريحة الهواء كانت نضيفة ومفيش فيها أي أثر للماضي الأليم اللي عشناه. المكان هنا كان هادي، قريب من خدمتي العسكرية الجديدة، والبيت طاقته كلها دفا وأمان. كنت واقفة قدام المراية بلبس بدلتي العسكرية بعد ما اترقيت لرتبة مقدم، بظبط الياقة والنجوم على كتفي وأنا ببص على صورتي. الكسرة والتعب اللي كانوا في عيني يوم ما رجعت من مهمة سيناء اختفوا تماماً، وحل محلهم ثبات وقوة محدش في الدنيا يقدر يكسرهم تاني. وفجأة، سمعت صوت خطوات صغيرة بتجري على الخشب في الطرقة خطوات مالية البيت حيوية وضحك. خرجت مريم من أوضتها وهي لابسة يونيفورم المدرسة لأول مرة، ضفايرها متسرحة بربطات بيضاء، وحاضنة الشنطة الجديدة على ضهرها. جرت عليا وحضنتني وهي بتضحك من قلبها ماما! بصي أنا بقيت كبيرة وخلاص رايحة كي جي! نزلت على ركبتي ونفضت هدومها بشويش، حطيت إيدي على وشها اللي ردت فيه الصحة والجمال، وبقت حنيتها وضحكتها هما اللي مالين دنيتي. أجمل وأشطر بنوتة في الدنيا كلها مريم نادين محمود. مريم بصت لي بطفولة وبراءة وقالت بصوت هادي ماما إحنا خلاص مش هنرجع البيت القديم تاني صح؟ ولا بابا هييجي؟ مسكت إيدها الصغيرة وحطيتها على قلبي وقالت لها بثبات البيت القديم اتقفل يا مريم وبابا اختار طريقه وبقى بعيد خالص عننا. إحنا هنا في بيتنا الجديد، وعمر ما حد في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك أو يخوفك طول ما أنا بتنفس. في اللحظة دي موبايلي رن. كان المستشار القانوني بتاعي. رديت على التليفون صباح الخير يا سيادة المستشار. جه صوته مطمن وحاسم صباح الخير يا سيادة المقدم. حبيت أبلغك إن محكمة النقض رفضت الطعن المقدم من دفاع سامح، والحكم بقى نهائي وبات بالترديد في السجن المشدد. غير إن محكمة الأسرة أصدرت حكم نهائي بإسقاط الولاية التعليمية والحضانة عنه وعن أهله تماماً، والحضانة المطلقة ليكي بدون أي حق ليهم في التعرض. سكت ثانية وسألته وأهله؟ رد المحامي والدته وأخته صدر ضدهم أحكام مع إيقاف التنفيذ وغرامات مالية ضخمة ردًا للفلوس اللي اتصرفت من حسابك، وتم التحفظ على كل ممتلكاتهم لسداد باقي المبالغ المسروقة. سامح محامي بعت جواب منه بيكتبه من السجن بيترجاكي تسامحيه وتخليه يشوف مريم. رديت ببرود زي الجليد قطع الجواب ده يا متر إحنا مش بنقرا صفحات اتحرقت خلاص. قفلت المكالمة وأخدت نفس عميق. بصيت لمريم وهي ماسكة علبة ألوانها وبترسم وردة بيضاء صغيرة. يلا يا مريم عشان متتأخريش على مدرستك. مسكت إيدها وخرجنا من الشقة، ونزلنا السلم وصوت ضحكتها يرن في الشارع. أول ما فتحت باب العمارة، هواء الصبح ضرب في وشنا ونور الشمس جاب أمل جديد. مريم رفعت رأسها وبصت لي بابتسامة صافية يلا يا سيادة المقدم! ابتسمت من قلبي، وأخدت خطوة بثقة وجنبها بنتي سيبنا الخيانة والوجع ورا ضهرنا، ومشينا في طريق جديد أوله حق، وآخره حياة أمان أخيرًا قدرنا نكسبها. عدت سنتين كمان، والحياة بدأت تمشي بإيقاع جديد تماماً، هادي وواثق وزي ما تمنيته طول عمري. كنت واقفة في معسكر التدريب بالإسماعيلية، الشمس طالعة على كتيبتي، وصوتي بيرن في الميدان وأنا بدي التعليمات للضباط والعساكر الجداد. الهيبة والالتزام اللي في شغل كل يوم كان بالنسبة لي هو الملاذ اللي برجع بيه لنفسي وقوتي. وفجأة، العسكري شرفني وسلمني كارت تليفون الشغل سيادة المقدم، مديرية التربية والتعليم على التليفون طالبين سيادتك بخصوص الأنسة مريم. قلبي دق لمسة خفيفة، بس مش من الخوف زي زمان المرة دي كانت دقة ارتقاب. مسكت السماعة أفندم؟ مع حضراتكم المقدم نادين محمود. جالي صوت مديرة المدرسة بشوش ومبتهج سيادة المقدم، بنتك مريم فازت بالمركز الأول على مستوى المحافظة في مسابقة القراءة والرسم، والنهاردة حفل التكريم في مسرح القناة الكبير. هي رفضت تطلع تستلم الجائزة غير لما تضمن إنك هتكوني قاعدة في الصف الأول! ابتسمت من قلبي، ورديت فوراً مسافة السكة وأكون عندكم. بعد نص ساعة، كنت داخلة مسرح القناة ببدلتي العسكرية الكاملة. الأضواء كانت مالية المكان، وأولياء الأمور مالين الصالة. أول ما دخلت وقعدت في الصف الأول المخصص للضيوف، مريم كانت واقفة ورا الستارة، أول ما شافتني عينيها لمعت بشدة، ورفعت إيدها الصغيرة تسلم عليا من بعيد. المذيع نادى على اسمها والآن مع التلميذة مريم سامح المركز الأول! مريم طلعت على المسرح بثقة وثبات مايجوش أبداً من بنت عندها سبع سنين مرت بظروف زي اللي عاشتها. كانت لابسة فستان أبيض، وماسكة المايك بإيدها بثبات. المذيع سألها مريم، لوحتك الفائزة كان اسمها البطلة ممكن تقولي لنا رسمتي إيه ورسمتيه ليه؟ مريم لفت للوحة المعروضة على شاشة المسرح الكبيرة. اللوحة كانت مقسومة نصين؛ نص أسود وضلمة فيه باب مقفول، والنص التاني شمس طالعة وعمارة كبيرة وفيها ضابطة بالزي العسكري ماسكة إيد طفلة صغيرة ومعديين بيها البر الثاني. مسكت مريم المايك وبصت لي وسط القاعة كلها، وقالت بصوت نقي ورنان وصل لكل زاوية في المسرح أنا رسمت أمي عشان لما الدنيا كانت ضلمة وبابا سابني وخاف، أمي رجعت من الشدة وجبتلي الحياة من جديد. هي مش بس بتحمي البلد هي حمتني أنا الأول. المسرح كله انفجر بالتصفيق، والحاضرين وقوفاً بيسقفوا للبنت الصغار ولأمها الضابطة. أنا كنت واقفة ومرفوعة الرأس، والدمعة اللي اتجمعت في عيني المرة دي كانت دمعة فخر وانتصار كامل على كل لحظة ضعف ووجع عاشها بيتنا. نزلت مريم من على المسرح وجرت عليا، حضنتني بقوة أمام الناس كلها، والجائزة في إيدها. وأحنا خارجين من المسرح، التليفون رن كان رقم غريب. رديت بهدوء ألو؟ جه صوت محامي سامح، متوتر ومتردد سيادة المقدم نادين سامح حالته الصحية اتدهورت في السجن، وبيقدم طلب إفراج صحي، وبيترجاكي تصرحي لمريم بزيارة واحدة بس قبل ما يعمل العملية بيقولك هي تموت لو ما شافهاش. بصيت لمريم وهي ماسكة إيدي وبتبتسم للبحر وللسفن المارّة في قناة السويس أمامنا، نفسيتها متصالحة ومفهاش كره ولا عقد، لأنها كبرت في بيئة نضيفة مليانة حب وأمان. رديت على المحامي بكلمات محسوبة ومفيهاش أي تردد يا متر اللي ساب طفلة عندها أربع سنين تموت من الجوع عشان يروح يتفسح، ما يحقلوش يفتكر إن عنده بنت لما يقع. القانون هو اللي بيحكم في الإفراج الصحي، ومريم خط أحمر مستحيل أدخلها تاني في كوابيس اتعالجت منها بالعافية. قفلنا الصفحة دي للأبد. قفلت الخط، وما أدتش للموضوع أكتر من ثانية واحدة من تفكيري. مسكت إيد مريم ومشينا على كورنيش القناة، الهواء النضيف بيطير شعرها، والسفن العملاقة ماشية في المجرى الملاحي بشموخ وقوة زي حياتنا بالظبط اللي مشيت ومافيش أي قوة في الدنيا قادرة ترجعها للورا تاني. تمت حكايات انجى الخطيب