كفاية استغفال ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز
بالمليم.
كل تحويلة كان ليها تاريخ، وكل تاريخ وراه قصة نور كانت بلعاها وسكتت عشان مركب الحياة تسير.
يوم ١٤ مارس تحويل إنستاباي بسبعة آلاف جنيه لكوافير في المعادي.. في نفس الأسبوع اللي طارق حلف لها بالطلاق إنه مش معاه ألفين جنيه يدفع بيهم قسط صيانة العمارة وقالها ادفعيهم إنتِ من مرتبك وهبقى أفك شهادة الشهر الجاي وارجعهم، وطبعاً الشهادة لا اتفكت ولا الفلوس رجعت.
يوم ٢ مايو تسعة آلاف جنيه شراء أونلاين من براند شنط حريمي لفريدة بمناسبة عيد ميلادها.. في نفس اليوم اللي نور طلبت فيه تغير نضارة النظر بتاعتها عشان المقاس اتغير وبقت تصدع، فقالها استحملي بس شوية يا نور، العين عليها لود والشركات كلها بتصفي ومش ضامنين بكرة فيه إيه.
جمعت الخانات. الأرقام على الشاشة بدت زي صفعة باردة وواعية. المبلغ اللي اتصرف من دخلها المباشر ومن فلوس الجمعيات اللي كانت بتقبضها وتدخلها في مصاريف البيت عشان سيادته يغطي مصاريف عيلته، كان كفيل يشتري شقة تمليك صغيرة في بدر أو حدائق أكتوبر، أو على الأقل يدفع مقدم محترم لشقة باسمها.
قَفلت الموبايل بهدوء، وحطته تحت المخدة، وبصت لسقف الأوضة. الحسبة مكانتش بس فلوس؛ الحسبة كانت استنزاف لروحها، طاقة بتتسحب يومياً عشان تلات ستات عايشين في دور الهوانم المستكفيات، وراجل فاكر إن الرجولة هي إنه ينهب مراته عشان يصنع وجاهة اجتماعية كدابة لأمه وإخواته.
السبت الصبح، الشمس كانت طالعة حامية. طارق صحي متأخر كعادته، لقى ريحة القهوة قالبه البيت، ونور قاعدة على ترابيزة السفرة، لابسة طقم الخروج، ولابسة نضارتها، وقدامها اللابتوب وفولدرات ورق كتير.
صباح الخير.. إيه يا بنتي النشاط ده؟ هو إنتِ وراكي شغل النهاردة برضه؟ قالها وهو بيمط جسمه ورايح ناحية المطبخ يدور على الفطار.
صباح النور. لا، مفيش شغل في الشركة. ورايا مشاوير تانية مهمة ردت بصوت هادي وراسي، مفيهوش النبرة المكسورة ولا العصبية بتاعة كل مرة.
طارق طلع من المطبخ ماسك مج النسكافيه، وبصلها باستغراب
مشاوير إيه؟ مش قايلين هنعدي على أمي النهاردة عشان فريدة عايزة تروح مول العرب تشتري حاجات، وعربيتهم في التوكيل ومستنيين أوديهم؟
نور رفعت عينيها من فوق النضارة، بصتله لثانية واحدة بنظرة باردة خلت الكلمة تقف في زوره
لا، مش هينفع. أنا محتاجة العربية النهاردة. ورايا كذا مشوار يخص حسابات قديمة ومحتاجة أتحرك بيها.
طارق كشّر، ونبرة التحكم المعتادة بدأت تطلع في صوته
يعني إيه محتاجة العربية؟ إنتِ عارفة إن إخواتي مبيعرفوش يركبوا مواصلات، وأوبر في المشاوير دي بيكلف أرقام عبثية، وبلاش عند على الصبح يا نور!
أوبر بيكلف أرقام عبثية، لكن صيانة الفرامل اللي هتموتنا بيها مش عبث؟ عموماً، ده اللي عندي. أنا نازلة.
قامت، لمت حاجتها في الشنطة، وخدت المفاتيح من على الجزامة ونزلت من غير ما تستنى رده. سمعت صوته وهو بيزعق وراها في الصالة ويقول لما ترجعي يا نور هنشوف حوار الطريقة الجديدة دي!، بس مقفلتش حتى ودانها، نزلت على السلم بخطوات ثابتة ومحسوبة.
أول محطة كانت ورشة ميكانيكا في صقر قريش، تابعة لقريب سارة صاحبتها. راجل عجوز بيفهم في الأصول والحديد.
يا بنتي دي مش فرامل، دي معجزة إنها مسكت معاكي كل ده! التيل متآكل خالص وواكل في الطنبورة، لو دوستي فرامل فجأة على سرعة ٨٠ على الدائري، كانت العربية لفت بيكي لا قدر الله!
نور وقفت تبص للراجل وهو بيطلع القطعة القديمة المتآكلة، سواد وحديد مهروس. طارق كان عارف ده كويس، وكان بيأجل تصليحه عشان نورهان تلحق تشتري البوت قبل ما يغلى. حياتها وحياته مكنتش تسوى عنده تمن جزمة جلد.
غير كل حاجة محتاجة تتغير يا أسطى، ونضفها وظبطها على الفرازة، واديني فاتورة مفصلة بكل مليم، ومختومة.
من عيني يا أستاذة، ساعتين وتستلميها زيرو.
الساعتين دول مكنوش وقت ضايع. نور مشيت على رجليها لحد فرع بنك كبير قريب. قعدت مع موظف خدمة العملاء، وطلبت حاجة كانت مأجلاها من سنين خوفاً من زعل طارق ومن خناقات إنتِ بتخوني العيش والملح.
لو سمحت، الحساب المشترك ده، أنا عايزة أسحب نصيبي القانوني والمثبت بتحويلات مرتبي بالكامل، واقفل الفيزا الإضافية اللي معمولة باسم طارق، وافتح حساب توفير منفصل تماماً باسمي، وألغي أي توكيلات أو صلاحيات سحب لأي حد غيري.
الموظف بصلها بمهنية وبدأ يراجع الحركات
تمام يا فندم، بس الإجراءات دي هتاخد شوية وقت عشان نأكد على التحويلات وتوقيعات الفصل، وكمان هنحتاج نلغي الكريدت كارد المربوط بيه.
خدو وقتكم، المهم يخلص النهاردة، ومفيش مليم يتحول برا الحساب ده من الدقيقة دي.
لما خرجت من البنك، كانت الساعة داخلة على اتنين الضهر. حست بتقل كبير اتشال من على كتافها، بس الخطة كانت لسه في أولها. الوجع اللي عاشته سنين، مش هيمحيه مجرد قفل حساب بنكي، ولا شوية كلام في قعدة عتاب ملهاش لازمة. الناس دي اتعودت تدوس عشان هي كانت بتوطي راسها وتعدي، واللي بيتعود يدوس مبيفوقش غير لما يدوس على لغم.
رجعت استلمت العربية، صوت الموتور كان ناعم، ودوسة الفرامل بقت حاضرة وثابتة تحت رجلها زي ما كانت قراراتها بتبدأ تثبت.


