بعد طلاق بنتي حكايات زهرة حصري

إيد البنت المفرودة وشدتها بكل قسوة، وطليقها بكل غل وقسوة قلبه زقها بعزم ما فيه لبرة عشان يقفل الباب في وشها وينهي الموضوع.
الزقة كانت قوية ومفاجأة.. البنت ما لحقتش تتوازن، رجُلها اتعكلت في حافة العتبة، وراحت راجعة بضهرها لورا بمدى الشارع والسلم، وراحت واقعة بكل قوتها على حافة درابزين السلم الرخام والدرجة الحجرية!
صوت التربدة والرزعة سَمّع في العمارة كلها.. “طَخ!”.
دماغها خبطت في زاوية الحجر الناشفة بأسفل الرقبة. الصوت يقطع القلب.. وفي ثانية، كل الصريخ والزعيق اتقطع.
الهدوء ساد المكان فجأة زي المقابر.
البنت وقعت ممدودة على ظهرها عند بسطة السلم، عينيها مفتوحة على وسعها بتبص للسقف، ومش بتتحرك. قطرة دم واحدة نزلت بشويش من تحت شعرها وبدأت تسيل على الرخام البارد.
أنا وصلت عندها، أترعشت وركبي خانتني ووقعت جنبها على الأرض. مسكت إيدها وصرخت: “يا زهرة! يا بنتي! قومي يا زهرة! قومي يا حبيبتي، أنا أسفة والله أسفة! قومي خدي ابنك وأنا مش هكلمك تاني! قومي يا ضنايا!”
لكن إيدها كانت نازلة مرخية، وعينيها مثبتة، ما فيش نفس طالع ولا داخل. طليقها وأمه وقفوا على الباب وشهم أبيض زي الملاية، الرعب أكلهم، والولد جوة بيعيط بصوت مكتوم.
الجيران اتلموا في ثواني، ودوشة وصرخات مالية المكان: “البت ماتت! اطلبوا الإسعاف بسرعة! اطلبوا البوليس!”
شالوها الناس وأنا ماشية وراهم بصرخ وبطم على وشي زي المجنونة، أدموعي نازلة زي النافورة وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. حملوها في عربية نقلت بسرعة على المستشفى، وأنا ماسكة إيدها الباردة وأبوس فيها وأترجاها: “ردي عليا يا زهرة.. ردي على أمك يا بنتي.. ما تحرميش ابنك منك يا حبيبتي!”
وصلنا المستشفى، دكاترة وممرضين جروا بيها على أوضة الطوارئ، ودخلوني برة. فضلت واقفة ورا الباب، بصلي وبدعي ربنا، بتوسل له بكل آية حفظتها في حياتي إنها تتنفس، إنها تفتح عينها بس وتقول “يا أمي”.
بعد أقل من ربع ساعة، خرج الدكتور. كان باصص في الأرض، وشه ما يتبشرش بخير خالص. قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بصوت حزين: “البقاء لله يا حاجة.. الخبطة جات في قاع الجمجمة وعملت نزيف حاد وكسر في الفقرات العنقودية.. البقية في حياتك، كانت ميتة قبل ما توصل المستشفى.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. الدنيا اسودت في وشي، حست إن قلبي اتقسم نصين واتفحم. وقفت أصرخ بصوت مش صوتي، ألطم وأقطع في هدومي وأترمي على الأرض: “قتلتها! أنا اللي قتلتها! يا رب خدني، يا رب خذ روحي بدالها! يا بنتي يا زهرة!”
البوليس جه بسرعة للمستشفى، وأنا من كتر الحرقة والذنب، صرخت في وش الظابط بكل حاجة. حكيت على كل حاجة بتحصل، وعلى الزقة وعلى الحماة وطليقها. الظابط تحرك في ساعتها، وجابوا قوة ونزلوا على بيت طليقها.
قبضوا على الأب وعلى أمه (الحماة)، وطلعوهم من البيت والكلابشات في إيديهم بتهمة القتل والتسبب في وفاة البنت. الناس في الشارع كانوا بيرموهم بالزبالة والحجارة وبيصرخوا فيهم، وهم ماشيين موطيين رؤوسهم من الخزي والرعب.
أما الولد.. “محمد”.. فالبوليس جابهولي في المستشفى.
جابهولي الظابط وهو شايله، الولد كان خايف، ووشه مليان دموع، وأول ما شافني جرى عليا ومسك في جلابيتي واستخبى في أحضاني وهو بيترعش ويقول: “فين ماما يا تيتة؟ فين ماما؟ العمة والأب طردوا ماما ونزلت على السلم.. فين ماما؟”
أنا ضميت الولد لصدري وقعدت في الأرض أصرخ وأبكي.. مسكت العيل اللي كنت مستتقلة مصاريفه، العيل اللي بسببه بعت بنتي للموت بإيديا.
الولد اللي ما كنتش عايزاه ولا طايقة حسّه في البيت، بقى هو الحبيبة والوحيد اللي فاضلي من ريحة زهرة. بقيت أحضنه وأبوس في إيديه وراسه وأنا بقوله بدموع : “ماما راحت عند ربنا يا حبيبي.. ماما سابتك معايا أنا.. مع جدتك القاسية اللي قتلت أطهر حاجة في حياتها.”
عدت الأيام والشهور، والقضية مشيت وشفت طليقها وأمه لبسوا البدلة الزرقاء ولبسوا الأحكام اللي تستاهل رقابهم. بس إيه الفايدة؟ إيه الفايدة والأحكام مش هترجعلي زهرة؟
دلوقتي أنا عايشة في البيت الفاضي ده، البيت اللي كان مليان بحركتها وضحكتها وصوتها المكسور وهي بتقولي: “ربنا هيوسعها علينا يا أمي”.
بقيت أدور على اللقمة للولد من تحت الأرض، بقيت أشتغل وأعمل أي حاجة عشان أصرف عليه وأجيبله كل اللي نفسه فيه، بس قلبي ميت. الولد كبر شوية، وكل ما يبصلي بعيون أمه، بحس بسكينة مسبوقة بنار بتتحط في قلبي.
أنا بقيت أتمنى الموت في كل ثانية بمر بيها. كل ليلة بمسك هدوم بنتي، وأشم ريحتها، وأبكي لحد ما الفجر يطلع، وأدعي ربنا يسامحني على حرقة القلب والندم اللي عايشة فيه.. الندم اللي هيفضل ياكل في جسدي لحد ما أنزل جنبها تحت التراب.

