طليقي واختي ج 2 حكـايات مني السيد حصري

على وشها يا فضيحتك يا نهى! يا سواد ليلك يا بنتي! الراجل اتحبس!
أبويا قعد على دكة خشب في الممر، حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مكتوم وكتفه بيتهز، دموع راجل فهم متأخر إنه ضيع بيته وكرامته عشان يرضي غرور كداب.
أنا مشيت في الممر، خطوتي كانت ثابتة، مفيهاش ذرة ندم. نهاد مشيت جنبي وطبطبت على ضهري خلاص يا مريم، القضية اتقفلت. الحجز القضائي هيضمنلك متجمد النفقة بالكامل من الحسابات دي، غير نصيب فريدة المحفوظ بحكم القانون، وشريف هيدفع تمن كدبه سنين في المحاكم.
شكراً يا نهاد.. شكراً إنك صدقتيني لما الكل قالي أنتي بتتوهمي. أنا مصدقتش كلامك.. أنا صدقت الأرقام، والأرقام عمرها ما بتكدب.
رجعت على بيتي في مدينة نصر. لما فتحت الباب، فريدة جرت عليا وحضنتني ماما! اتأخرتي ليه؟ شيلتها وضميتها لحضني جامد، شميت ريحة شعرها، وحسيت إن نبض قلبها بيهديني خلاص يا روح ماما، أنا رجعت، ومش هسيبك تاني أبداً، وكل حاجة هتبقى كويسة من هنا ورايح.
الشهور اللي بعد كده عدت بسرعة وببطء في نفس الوقت.
نهى مقدرتش تستحمل الفضيحة في المنطقة ولا وسط صحابها. الفرح اللي كان المفروض يبقى حديث الموسم اتقلب لكابوس، الخطوبة اتفسخت رسمياً في المحاكم، والشبكة الألماز اتحرزت ضمن ممتلكات شريف المحجوز عليها قانوناً، لأنها اتسددت من فلوس مهربة ومتحفظ عليها. سمعت بعدين إنها دخلت في حالة عزلة، مبقتش تخرج من البيت، وفقدت كل الشلل التافهة اللي كانت بتتباها قدامهم.
أمي وأبويا حاولوا يتواصلوا معايا أكتر من مرة، بعتوا رسايل، وأبويا جه وقف تحت العمارة عايز يشوف فريدة وطلب مني أسامحه. مقفلتش الباب في وشه تماماً عشان صلة الرحم وعشان هو في الأول والآخر جد بنتي، بس الحدود اترسمت بخرسانة مسلحة؛ مفيش عشم، مفيش تدخل في حياتي، ومفيش كلمة زيادة يقدروا يقولوها عليا. فهموا إن البنت الغلبانة اللي كانت بتقعد في ركن الضلمة وتاكل في نفسها عشان متزعلش حد، ماتت واندفنت في الليلة المشؤومة ورا عمود القاعة.
أما شريف، فالمحكمة أصدرت حكمها ضده بحبسه سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة التزوير واستعمال أوراق مزورة للنصب والتهرب من أحكام قضائية، وتغريمه مبالغ ضخمة، غير إن الحارس القضائي صفي جزء من الشركة وسدد كل متجمد نفقة فريدة بمبلغ محترم اتحط في حساب توفير مقفول باسمها في البنك تحت وصايتي أنا، وميفتحهوش غيرها لما تكمل سن الرشد.
بعد سنة كاملة من اليوم ده، كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة في المعادي. شقة واسعة، بتطل على حتة خضرة وشجر عالي، الشمس داخلة مالية الصالة من كل حتة. فريدة كانت قاعدة على سجادة الصالة بتلون في كراسة الرسم وتضحك مع صاحبتها في المدرسة.
مسكت الأجندة الخضراء الصغيرة اللي في إيدي. كانت مليانة أرقام وحسابات، وتواريخ، وملاحظات، وألم سنة ونص.
قربت من المطبخ، ولعت عين البوتاجاز الصغيرة، ومسكت أول طرف من الأجندة وقربته من النار. النار مسكت في الورق وبدأت تاكل الأرقام بهدوء. رميت الأجندة في طاسة قديمة، ووقفت أتفرج على الدخان وهو بيتصاعد، بيحرق كل ذكريات القهر، والظلم، وحسابات الماضي اللي اتسدت كلها بالمليم، قرش بينطح قرش.
الرماد طار في الهوا، والشمس ملّت وشي بنور دافي. بصيت لفريدة وابتسمت، وقولت لنفسي بصوت عالي سمعه قلبي بس الحساب خلص، والصفحة اتقفلت.. ودلوقتي بس، نقدر نبدأ نعيش.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *