كل يوم كنت برجع من شغلي ج3حكايات منــال عـلـي

كانت طالعة السلالم وهي بتنهج بشدة وساندة على الحيطة، ولما شافت أحمد واقف بين نادين وطارق، انهارت على الأرض عند عتبة الباب ومسكت رجل أحمد وهي بتصرخ بالدموع:
— اقتلني أنا يا أحمد! حاسبني أنا يا ابني.. متلمسش أخوك، أخوك مريض ومبيتحركش من مكانه ومستني الموت! أنا اللي عملت كل حاجة.. أنا اللي خبيت، وأنا اللي أخدت من أكلك وأكل مراتك.. اضربني أنا بس متسيبش الغل ياكل قلبك ضد أخوك العاجز!
أحمد بص لأمه المرمية عند رجليه، وبص لأخوه اللي قاعد على الأرض بيبكي بعجز ومرض، وبص لي وأنا واقفة بمسح دموعي.
الصمت نزل على المكان.. صمت ثقيل وموجع، صدمة كسرت كل الكبرياء والوجع.
أحمد نزل على ركبه قدام أمه، ومسك إيديها وقومها:
— ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش؟ كنتِ فاكرة إني لو شفته مريض ومتبهدل كده هسيبه يموت في الشارع؟! أنا كنت زعلان من اللي عمله زمان، لكن مكنتش هبقى وحش وأسيبه يضيع قدام عينك! ليه خليتيني أعيش في كدبة؟ وليه ظلمتي نادين وخليتيها تحس إنها غريبة ومحرومة في بيتها؟!
حماتي دفنت وشها في صدر أحمد وبكت بكاء هستيري:
— كنت خايفة.. خايفة تخيرني بينك وبينه، وخايفة على بيتك يتخرب.. سامحني يا ابني، وسامحيني يا نادين يا بنتي.. حقك فوق راسي.
في اللحظة دي، حسيت إن الغضب اتبخر، ومبقاش فاضل غير ألم الواقع وحتمية الحل.
مسحت دموعي وقربت من أحمد وحماتي وقلت بهدوء:
— الشقة دي يا أحمد مش هتتباع.. طارق محتاج رعاية ومحتاج علاج في مصحة أو مستشفى متخصصة.. وإحنا اللي هنتكفل بده برضا وسماح، من غير سرقة ومن غير ما حد فينا ينام محروم أو جعان.
أحمد رفع راسه وبص لي بنظرة امتنان عميقة عمري ما هنساها. . وطارق قعد يبوس إيد أخوه وهو مش مصدق إن العذاب والكابوس انتهوا بعد سنين من الهروب والألم.
بعد مرور ستة أشهر..
شقة إمبابة اتنضفت وتصلحت وبقت مكان آدمي وصحي.
طارق بدأ جلسات العلاج الطبيعي وبقى قادر يتحرك على عكاز وبدأ يشتغل شغل بسيط على قده من البيت.
حماتي رجعت بيتها في إمبابة جنب ابنها المريض ترعاه بعينينا ومساعدتنا، بس المرة دي كل حاجة في النور والعلن.
أما أنا وأحمد، فرجعنا لبيتنا في فيصل.. بيتنا اللي رجع فيه الدفء والوضوح.
بقيت لما أرجع من شغلي، ألاقي أحمد مستنيني على الباب.. ومعاه الأكل اللي بنقسمه سوا بالحب والرضا، ونتأكد إن مفيش حد بينام وهو جعان.. لا في بطنه، ولا في مشاعره.
اتعلمت إن السر مش في كمية الأكل اللي في الحلة.. السر الحقيقي هو الصدق، وإن مفيش حقيقة مهما كانت مرة ومستخبية، بتفضل مدفونة للأبد.


