اللحظه الأخير 2

## الجزء الثالث: صفعة من القاع
أغلقتُ باب الشقة الاستئجارية الصغيرة التي اختبأتُ فيها بأحد أحياء القاهرة القديمة. شقة متواضعة لا يعرف مكانها أحد، جدرانها متآكلة لكنها كانت تتنفس حرية لم أذقها منذ عشرين عاماً. وضعتُ الحقيبة السوداء فوق الطاولة الخشبية، وأخرجتُ منها هاتفاً جديداً بشرائح مسجلة باسم آخر، ثم قمت بتشغيله لأول مرة.
على الجانب الآخر من العالم، كان طارق يستعد لمغادرة منتجعه الفاخر.
ترجل من الطائرة الخاصة في مطار القاهرة الدولي وهو يرتدي نظارته الشمسية الثمينة، بابتسامة متكبرة لا تفارق وجهه، يتبعه مساعده الخاص يحمل حقائبه. كان يظن أن جولته السياحية قد انتهت، وأن أقصى ما ينتظره في المنزل هو زوجة مسبحة بالمغفرة، تبكي وتستجديه اعتذاراً كعادتها دائماً، وأمٌّ مريضة سيعطيها بضع كلمات استعطاف لتسامحه على غيابه.
وصل إلى الباب الخارجي للفيلا. أخرج مفاتيحه وفتح الباب.
ساد السكون. سكونٌ غريب ينبض برائحة الورد المجفف والموت.
دعا بلسان مستخف:
ـ «مريم! أمي! لقد عدت… ألم يسمع أحد دقات الباب؟»
لم يجبه سوى صدى صوته. مشى خطوات إلى الداخل، يرفع حاجباً باستنكاراته المعتادة. دخل غرفة والدته فلم يجدها. الفراش مرتب بعناية خالية من الحياة. اتجه إلى الصالة الرئيسية، وهنا… تجمدت خطاه.
على الطاولة الخشبية الكبيرة في المنتصف، لم يكن هناك طعام مجهز لاستقباله.
كان هناك ثلاثة أشياء فقط:
خاتم زواجي الذهبي يلمع تحت ضوء الثريا…
وفوقه أوراق رسمية تحمل إشعاراً بالطلاق وحكماً بغيابي…
وبجانبهما الصورة الوحيدة لأمه في غرفة العناية المركزة، المكتوب على ظهرها تلك السطور التي خططتُها بيدي:
**«لقد ماتت أمك وهي تدعو لك بالهداية… وأنا حييتُ اليوم لأسترد حق أبي. نلتقي في المحكمة يا طارق.»**
ارتعشت يداه وهو يمسك الصورة. سقطت النظارة الشمسية من وجهه.
ـ «ماتت؟… أمي ماتت؟»
همس بها بنبرة ذهول صادم. حاول الاستيعاب، تتخبط في عقله صور مكالماتي الثلاثين التي رفضها واستعلى عليها وهو يقرع الكؤوس على الشاطئ. حاول الاتصال برقمي القديم، فوجده مغلقاً إلى الأبد. اتصل بالمستشفى، فتلقى الصدمة الرسمية: *”الحاجة أمينة توفيت منذ أربعة أيام، واستلم ج*ثمانها زوجة ابنها السيدة مريم، وتمت إجراءات الدفن والعزاء بالكامل.”*


