حكايات اماني السيد 4
بصيت لحماتي وهي بتبكي ومنكسرة، وبصيت لأخوه اللي كان دايماً بيقف معاه ويقول له “الستات ملهمش أمان وميتضمنوش”. للحظة واحدة، افتكرت “فوزية” القديمة، الست اللي كانت ممكن تعيط وتضعف وتتنازل عشان شكلها قدام الناس وعشان بناتها ميبقاش أبوهم محبوس.
لكن لما لفيت وشي وبصيت للبنات، وشفت الخوف اللي لسه معلم في عيونهم من ليلة الرزع والشاكيش، والكسرة اللي عاشوها يوم العزومة وهو بيذلهم عشان يرضي مراته الجديدة، قلبي اتقلب حجر. الست اللي هربت بالدهب دي متهمنيش في شيء، هي دخلت طمعانة وخرجت لما لقت المركب بتغرق، لكن اللي يهمني هو الراجل اللي كان مستعد يرمي لحمه ودمه في الشارع في نص الليل عشان يرضي كبريائه.
أخدت نفس عميق، ووقفت بكل ثبات وقلت لحماتي بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف:
— “يا طنط، دموعك دي غالية عليا عشان سنك، بس ابنك محدش ضيعه غير نفسه وأفعاله. هو اللي جاب بلطجية ورجالة بشواكيش في نص الليل يروع بنات صغار. هو اللي استكتر علينا اللقمة والمصروف وكان بيبعزق الألوفات بره. مستقبل إيه اللي خايفة عليه؟ هو خاف على مستقبلي أنا وبناته وهو عايز يرمينا في الشارع؟”
أخوه اتدخل وصوته كان واطي ومكسور وقال:
— “يا أم البنات، احنا عارفين إنه غلط، والكلب اللي كان سايق فيها ومقويه (يقصد حماه الثاني) سابه وفص ملح وداب أول ما السيرة دخلت في تزوير وطب شرعي. حسن اتربى في اليومين دول وشاف الموت بعينيه في الحجز، وبيمضي دلوقتي على ورق تنازل عن أي عقد صوري، ومستعد يكتب الشقة دي باسم البنات بيع وشراء بس تطلعي تعملي التنازل في النيابة قبل ما القضية تتحول للجنايات.”
في اللحظة دي، دخل أخويا الصالة وكان سامع الكلام من أوله، بص لأخو حسن وقال له:
— “التنازل مش بالسهولة دي يا وائل. أختي مش هتروح النيابة وتضيع حقها وحق عيالها بكلمتين في الهواء. الشقة تتكتب باسم البنات بيع وشراء نهائي وبحيازتها هي كحاضنة، ويوثق الكلام ده في الشهر العقاري، والنفقة والمؤخر ومصاريف المدارس يتفق عليها المحامين وتتثبت في المحكمة، وساعتها بس أختي تفكر تتنازل عن الشق الجنائي في قضية التهجم.. غير كده، سيبوه ياخد عقابه.”
حماتي بدأت تدعي وتتحايل وتقول: “موافقين، موافقين على كل اللي تقولوه، بس الحقوا الواد قبل ما يتجدد له حبس بكرة!”
خرجوا من عندي وهما منكسرين تماماً، واتفقوا إن المحامين هيتقابلوا الصبح عشان يخلصوا إجراءات نقل ملكية الشقة للبنات ويوثقوا كل الشروط المادية اللي تضمن حياة كريمة لبناتي من غير ما نضطر نقف على باب المحكمة لسنين.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعي اتصل بيا وقالي:
— “مبروك يا مدام، محامي حسن جاب العقود كلها ممضية ومتوثقة، وحسن مضى في السجن على التنازل عن أي ادعاء بالملكية للشقة، وبقت الشقة رسمياً وبموجب القانون ملك للبنات وإنتي الحاضنة والوصية عليها. ودلوقتي نقدر نروح النيابة نقدم طلب التنازل عشان يخرج.”
روحت مع أخويا والمحامي وقدمنا التنازل، وبعدها بكام ساعة حسن خرج.
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى لحد هنا، وإن كل واحد هيروح لحاله.. بس حسن مكنش من النوع اللي بيستسلم بسهولة، وخروجه من الحجز مكنش معناه إنه بقى ملاك، بالعكس، الغل والخسارة اللي خسرها (شقته، ومراته الجديدة، وهيبته قدام عيلته) كانوا مخلينه زي الذئب الجريح اللي بيدور على أي طريقة ينتقم بيها.
بعد أسبوع من خروجه، وأنا في الشغل، جالي تليفون من مديرة مدرسة البنات، وصوتها كان قلقان جداً وهي بتقولي:
— “أهلاً يا مدام.. أنا بكلمك عشان والد البنات، الأستاذ حسن، جه المدرسة دلوقتي ومعاه قوة من الشرطة وورق بيقول إنه واخد حكم قضائي بإسقاط الحضانة عنك، وعايز يستلم البنات فوراً من المدرسة!”
الدنيا اسودت في عيني للحظة، والتليفون كان هيقع من إيدي. إسقاط حضانة؟ وحكم قضائي وقوة شرطة؟ إزاي وبأمارة إيه؟ أنا ست موظفة وبراعي بناتي ومليش في أي طريق غلط، وهو لسه خارج من الحجز من أسبوع!
حسيت بنار قايدة في صدري، وصرخت في المديرة بصوت بترعش من الغضب والخوف:
— “يا أستاذة، محدش يسلم الزفت ده البنات! أنا جاية حالاً في الطريق، الراجل ده بيتبلى عليا ودجال، أرجوكي قفلي على البنات في مكتبك ومخليهوش يلمس شعرة منهم لحد ما أوصل!”
قفلت السكة وأنا بنهج، واتصلت بالمحامي بتاعي وأنا بجري بره الشركة زي المجنونة وبصيح في التليفون:
— “الحقني يا أستاذ! حسن في المدرسة ومعاه بوليس وعايز ياخد البنات، بيقول معاه حكم بإسقاط الحضانة! إزاي ده حصل وإحنا مخلصين كل حاجة؟!”
المحامي صوت اتغير تماماً وبقى حاد وقالي:
— “إسقاط حضانة إزاي؟ ده مفيش أي قضايا من النوع ده ارفعت، ولو رفع كان لازم يجيلنا إعلان! ده تلاقيه حكم غيابي قديم أو عامل لعبة قذرة ومزور إعلانات المحكمة على عنوان قديم أو وهمي عشان يصدر الحكم من وراكي! اركبي بسرعة وروحي، وأنا هحصلك على المدرسة فوراً ومعايا صورة محضر الصلح ونقل الملكية اللي يثبت سوء نيته!”
ركبت تاكسي وطول الطريق كنت بدعي ربنا وببكي، بفتكر ملامح بناتي والكسرة اللي عاشوها، وتخيلت منظرهم دلوقتي وهما شايفينه جاي ياخدهم بالقوة. الراجل ده مكنش عايز البنات عشان بيحبهم، هو كان عايز يكسرني بيهم وياخد الشقة تاني بعد ما اتكتبت باسمهم، لأن الحاضنة لو سقطت حضانتها، الشقة بترجع للزوج! تاري اللؤم والخباثة كانوا شغالين في دماغه حتى وهو في الحجز!
وصلت المدرسة، ونزلت من التاكسي بجري زي المجنونة. دخلت من البوابة ولقيت العمال والمدرسين واقفين بيتفرجوا، وأول ما دخلت مبنى الإدارة، لقيت حسن واقف في وسط الطرق الإدارية، شادد ضهره ورجعت له الغطرسة القديمة، وجنبه أمين شرطة وعسكري، ومديرة المدرسة واقفة وشها أصفر ومرعوبة.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة خبيثة مليانة شماتة وقال بصوت عالي:
— “أهلاً يا هانم.. أهو المحضر المحترم جيه بنفسه عشان يشهد على طردك من جنة الحضانة. القانون قالي كلمته يا فوزية، والبنات من هنا ورايح معايا أنا، وإنتي ملكيش أي صفة عليهم بعد ما ثبت بالدليل إنك ست مش أمينة عليهم وبتسيبي الشغل وتسيبيهم لوحدهم في البيت!”
صرخت فيه وأنا بقرب منه وعيني شرار:
— “أنا مش أمينة؟ يا مزور يا غشاش! يا اللي كنت هترميهم في الشارع عشان ترضي الست اللي هربت بذهبك! بناتي مش هيتحركوا من هنا، ولو فكرت تلمسهم هموتك وهموت نفسي!”
أمين الشرطة اتدخل ووقف بيننا وقال بحسم:
— “يا مدام لو سمحتي، إحنا هنا بنفذ حكم قضائي رسمي صادر من محكمة الأسرة بإسقاط الحضانة المؤقت لوالدة الأطفال لعدم الأمانة، ومعانا أمر تنفيذ. إحنا جهة تنفيذ وملناش دعوة بالمشاكل اللي بينكم، اتفضلي هاتي البنات بالذوق عشان متعمليش مشكلة لنفسك.”
— “تنفيذ إيه وحكم إيه يا فندم؟! الورق ده باطل ومزور!”
الصوت ده جيه من ورايا.. لفت وشي ولقيت المحامي بتاعي داخل وهو بينهج وفي إيده شنطة أوراقه، ودخل وراه أخويا الكبير وشه زي الرعد.
المحامي قرب من أمين الشرطة وطلع ورق رسمي مختوم بختم النسر وقدمه له وقال:
— “اتفضل يا فندم.. ده إشكال في التنفيذ أنا لسه مقدمه من ساعة في المحكمة أول ما المدام بلغتني، وبموجب القانون الإشكال يوقف التنفيذ فوراً لحين الفصل في كيدية الحكم. والأهم من كده يا فندم، اتفضل شوف الورقة دي.. ده إقرار موثق في الشهر العقاري من أسبوع واحد بس من الزوج نفسه، بيقر فيه بصلاحية الزوجة للحضانة وبيتخلى عن أي دعاوى ملكية للشقة لصالح البنات! يعني الحكم الغيابي اللي معاه ده صادر بناءً على إعلانات مزورة على عنوان والدتها القديم اللي ملوش وجود، وده تزوير في أوراق رسمية وجنحة مباشرة هنرفعها عليه حالاً!”
أمين الشرطة أخد الورق وقعد يقلب فيه، وملامحه بدأت تتغير وبص لحسن بنظرة شك وضيق. حسن وشه اتقلب تاني وبدأ يتلعثم ويقول:
— “يا باشا ده حكم محكمة.. الإقرار ده ملوش دعوة بالحكم، الحكم ساري ولازم يتنفذ!”
المحامي زعق فيه: “الحكم غيابي يا أستاذ حسن! والإشكال بيوقفه بقوة القانون! اتفضل يا سيادة الأمين، الإشكال أهو ومثبت فيه رقم الدعوى الكيدية والتزوير في العنوان.”
أمين الشرطة بص لحسن وقال له بجفاء:
— “الورق ده سليم يا أستاذ، وطالما فيه إشكال يوقف التنفيذ وموثق، إحنا مش هنقدر نسلمك الأطفال. إحنا هنثبت الحالة في المحضر ونرجع المحكمة، والطرفين يروحوا يفصلوا في الإشكال هناك.”
حسن حس إن الأرض بتهرب من تحت رجليه للمرة المليون، وإن الخطة القذرة اللي رتب لها عشان يرجع الشقة ويكسرني فشلت في آخر لحظة. بصلي بغل وحقد وقال بصوت واطي ومسموم وهو بيمشي:
— “ماشي يا فوزية.. افتكري إن الحرب دي إنتي اللي بدأتيها، والحكم ده لو وقف النهاردة مش هيقف بكرة، وهوريكي إزاي هحرق قلبك على العيال دول!”
مشى حسن ومعه القوة، وأنا جريت على مكتب المديرة، أول ما فتحت الباب لقيت البنتين قاعدين بيعيطوا وميتين من الرعب، ارتميت في حضنهم وأنا بضمهم بكل قوتي وببكي بدموع حارقة، وبحلف ليهم إن مفيش مخلوق في الدنيا هيقدر يبعدهم عني.
أخويا طبطب عليا وقال: “خلاص يا فوزية، إحنا قفلنا في وشه كل السكك، وهو دلوقتي بيلعب في الوقت الضايع وبيرفس رفسة الموت.”
المحامي بصلي بنظرة جادة وقال:
— “مدام فوزية، حسن مبقاش عنده حاجة يخسرها، وتصرفه النهاردة ده معناه إنه ناوي على شر كبير ومستعد يعمل أي حاجة مجنونة. الإشكال هيقعدنا أسبوعين مستقرين، بس لازم نجهز للخطوة الأخيرة والقاضية اللي هتقطم رقبته تماماً وتخليه يبعد عنكم طول العمر.. لأن اللي جاي هو اللي هيحدد مصيركم النهائي.”
مر الأسبوعين كأنهم دهر كامل، عشتهم وأنا حاطة بناتي تحت باطي، مبيتحركوش خطوة بره البيت من غيري أو من غير أخويا. كنت عارفة إن حسن زي الذئب الجريح، والذئب الجريح لما بيحس بنهايته بيبقى مستعد يعض أي حد.
وجيه يوم الجلسة الفاصلة.. الجلسة اللي فيها الفصل في الإشكال، وفي نفس الوقت كانت الجلسة المؤجلة من قضية النفقة والطب الشرعي الخاصة بالعقود المزورة اللي كان كاتبها لمراته الثانية.
دخلت قاعة المحكمة، المرة دي مكنش معايا بس أخويا والمحامي، المرة دي كان معايا يقين في عدالة ربنا إنه مش هيسيبني أنا وبناتي. حسن حضر وكان معاه محاميه، وشه كان شاحب والغل اللي في عينه اتبدل بنظرة ترقب وخوف، لأن تقرير خبير الطب الشرعي وتقرير مباحث الأموال العامة كانوا وصلوا للمحكمة خلاص.
وقفنا كلنا قدام منصة القاضي، القاعة كانت سكتت تماماً، وصوت ضربة شاكوش القاضي هزت القلوب.
بدأ المحامي بتاعي يتكلم بكل فخر وثبات:
> “سيادة القاضي، اليوم لا نتحدث فقط عن نفقة أو تمكين، اليوم نتحدث عن مؤامرة مكتملة الأركان من أب تخلت الإنسانية عن قلبه، تآمر وزور عقوداً بتاريخ رجعي لحرمان طفلتين من مأواهما، ثم تماد في غيه وقام بتزوير إعلانات قضائية على عنوان وهمي ليحصل على حكم كيدي بإسقاط حضانة الأم الحاضنة والأمينة. ونقدم لسيادتكم تقرير الطب الشرعي النهائي الذي أثبت أن عقد البيع لزوجته الثانية حُرر بحبر حديث لم يمر عليه أسابيع، وتقرير الأموال العامة الذي يثبت أصوله وممتلكاته المخفاة.”
>
القاضي بص في الورق، وملامحه كانت صارمة وعادلة. التفت لحسن ولمحاميه اللي ملقاش كلمة واحدة يدافع بيها عن التزوير الواضح والمثبت علمياً وقانونياً.
نطق القاضي بالحكم اللي رجع روحي ليا ولبناتي:
* **أولاً:** قبول الإشكال شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم الغيابي الصادر بإسقاط الحضانة كلياً، واستمرار الأم في حضانة طفلتيها.
* **ثانياً:** إلزام المشكو في حقه بدفع نفقة شهرية ملوكية للطفلتين تشمل المأكل والملبس ومصاريف المدارس الدولية بأثر رجعي، بناءً على دخله الحقيقي الثابت من واقع تقرير الأموال العامة.
* **ثالثاً:** إحالة أوراق عقد البيع المزور للنيابة العامة لتحريك الدعوى الجنائية ضد الزوج بتهمة التزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور.
أول ما القاضي نطق بكلمة “إحالة للنيابة العامة بتهمة التزوير”، حسن ركبه خانته وقعد على الكرسي ورا وشه خالي من أي دم، ومحاميه طبطب عليه وهو بيقوله: “خربت بيتك بإيدك وعنادك.”
خرجت من القاعة وأنا مش شايفة قدامي من دموع الفرحة. أخويا خدني في حضنه والمحامي قالي: “خلاص يا مدام فوزية، الراجل ده دلوقتي هيدور على واسطة عشان يترجاكِ تتنازلي عن الشق الجنائي عشان ميتسجنش، وشروطه الجاية هتبقى تحت جزمتك.”
وفعلاً، حسن مبقاش يملك غير الاستسلام؛ دفع كل المبالغ المتأخرة، ومضى على شيكات بنكية للنفقة المستقبلية، وبقى يجي يشوف بناته في النادي ساعة واحدة في الأسبوع تحت إشراف أخويا، وهو باص في الأرض مبيقدرش يرفع عينه في عيني.
### 💡 الحكمة من القصة
البيوت مبيخربهاش دخول ست تانية بقدر ما بيخربها **”بخل المشاعر والأصل”**.
1. **الرضا بالواقع مش معناه القبول بالذل:** صبري في الأول كان عشان المركب تمشي، بس اكتشفت إن بعض البشر لما بتديهم مساحة من التسامح، بيفتكروك ضعيف وبيتجرأوا عليك أكتر.
2. **الخير اللي بره بيتك كذب وعقابه سريع:** الراجل اللي يستخسر في بيته ولحمه ودمه ويبخل عليهم بلقمتهم وبابتسامته عشان يروح يبعزق فلوسه وممشاعره بره، ربنا بيسلط عليه اللي ياخد ماله ويهرب (زي ما مراته التانية عملت)، وبيسيبوه في النهاية وحيد ومكسور.
3. **المرأة القوية بالحق لا تُقهر:** لما وقفت عشان كرامة بناتي واستعنت بالقانون وحافظت على هدوئي وجمعت أدلتي، ربنا سخر لي كل الظروف عشان أنتصر. المحاكم مش خراب بيوت، المحاكم اتعملت عشان تردع الظالم وتجيب حق المظلوم.
رجعت لبيتي وأنا وبناتي، عايشين في أمان وعز، بفلوسه ورغماً عن أنفه، وبناتي كبروا وهما عارفين إن مامتهم مكنتش ضعيفة، بل كانت جبل سندهم لما الزمن خذلهم من أقرب الناس ليهم.

