حكايات اماني السيد 3

الرسالة نزلت عليا للحظات زي صدمة جديدة، بس المرة دي مكنش فيها خوف، كان فيها كمية غل واستفزاز مش طبيعية. بصيت في الصور كويس؛ كانوا قاعدين والتكشيرة والغل باينين على وشوشهم، والورق اللي قدامهم مكنش باين منه غير إنه ترويسة مكتب محاماة.

مسكت نفسي ومردتش على الرسالة بكلمة واحدة، وعملت للرقم “سكرين شوت” وبعته فوراً للمحامي بتاعي، واتصلت بيه وأنا بحكي له بنبرة سريعة:

— “يا أستاذ، الست دي بعتتلي صور دلوقتي هما وأبوها ومحامي وبيمضوا على ورق، وبتهددني إن الجلسة الجاية فيها مفاجأة هتخليني أطلع من المولد بلا حمص. تفتكر بيخططوا لإيه؟ ممكن يكون بيبيع لها الشقة أو المحل عشان يهرب من الأحكام؟”

المحامي رد عليا بصوت هادي وواثق ضحك فيه وقال:

— “يا مدام، خليهم يكتبوا ويمضوا زي ما هما عايزين. لو كتب لها الشقة أو المحل في التوقيت ده بالذات وبعد رفع القضايا، ده قانوناً اسمه ‘تصرف كيدي لقصد حرمان الزوجة والأولاد من حقوقهم’، والمحكمة مبتعترفش بيه وبتحكم ببطلان العقد فوراً. خبي الرسالة دي والصور ومتسجليش أي رد فعل، لأن دي هتبقى دليل إدانة جديد ضدهم في المحكمة بيثبت سوء النية.”

كلام المحامي رجع السكينة لقلبي. قفلت معاه وبصيت للبنات اللي كانوا بيذاكروا في الصالة، وحلفت في سري إني مش هسيب حقهم مهما حصل، وإن الوش الخشب والبخل اللي عشته سنين هيتحول لعز وأمان ليهم.

مرت الأيام اللي باقية على الجلسة التانية بطيئة وثقيلة. جوزي مظهرش خالص، ولا حتى جه الشقة يشوف بناته أو يسأل عنهم، وكأنه انسلخ من الأبوة تماماً وبقى كل همه إزاي ينتصر في معركة العناد دي.

وجيه يوم الجلسة المرتقبة.

دخلت قاعة المحكمة وأنا شادة ضهري، ومعايا أخويا والمحامي. وبعد دقايق، دخل هو ومعاه المحامي بتاعه، ووراهم كانت واقفة مراته الجديدة وأبوها، باصينلي بنظرات انتصار وثقة عمياء، وكأنهم خلاص ملكوا الدنيا في إيديهم.

وقفنا قدام منصة القاضي، وبدأ محامي جوزي يتكلم بكل ثقة وفرد دراعه وهو بيقول:

— “سيادة القاضي، إحنا بنقدم لسيادتك حافظة مستندات جديدة تقلب موازين الدعوى تماماً. موكلي ميسور الحال نعم، ولكنه قام ببيع الشقة السكنية ومسكن الزوجية بموجب عقد بيع ابتدائي موثق وتاريخه سابق لرفع هذه الدعوى لزوجته الثانية بموجب مؤخر صداقها وحقوقها الشرعية، كما أنه قام ببيع حصته في المحل التجاري ل شريكه لتسديد ديون متراكمة عليه، وبالتالي هو الآن لا يملك سوى مرتبه الوظيفي الحكومي الذي لا يتعدى بضعة آلاف، ونطلب تخفيض النفقة للحد الأدنى، كما نطلب رفض دعوى التمكين من الشقة لأنها لم تعد ملكه!”

في اللحظة دي، مراته لفت وشها ناحيتي وابتسمت ابتسامة صفرا شماتة، وأبوها هز رأسه كأنه بيقولي “شربتي المقالب”. حسيت بضربات قلبي سريعة، بس المحامي بتاعي وقف بكل ثبات وقدم خطوة للمنصة وقال بصوت جهوري:

— “سيادة القاضي.. نطلب الآتي: أولاً، التحقيق في كيدية هذه العقود. ونقدم لسيادتك حافظة مستندات تحتوي على رسائل وصور أرسلتها الزوجة الثانية لموكلتي قبل الجلسة بأيام قليلة، تتوعدها فيها بمفاجأة في المحكمة وتظهرهم وهم يوقعون على هذه العقود في مكتب محامٍ، مما يثبت بالدليل القاطع أن العقود حُررت بتاريخ رجعي وتواطؤ مفضوح للهروب من أحكام النفقة وحرمان الطفلتين من مسكن الحضانة!”

القاضي رفع عينه وبص لجوزي ومحاميه بنظرة حادة، وأخد حافظة الصور والرسائل وبدأ يقلب فيها. المحامي بتاعي كمل كلامه وضغط بكل قوة:

— “كما نقدم لسيادتك شهادة تحركات بنكية رسمية تثبت سحب الزوج لمبالغ مالية ضخمة قبل أسبوع واحد، وشهادة من السجل التجاري تثبت أن الأرباح السنوية للمحل تم توزيعها بالكامل قبل الجلسة بإجراء صوري. نطلب إحالة العقود للطب الشرعي لبيان العمر الحقيقي للحبر والورق، وتوجيه تهمة التزوير وسوء النية للزوج والزوجة الثانية!”

ملامح القاضي اتغيرت تماماً، وبص للمحامي بتاع جوزي وقال بنبرة صارمة:

— “الورق ده هينضم لملف القضية، والجلسة مؤجلة لورود تقرير الخبير والتحريات النهائية من مباحث الأموال العامة.”

أول ما القاضي قال كده، وش جوزي اتقلب وبقى لونه أصفر زي الليمونة، وبص لمراته الجديدة بغضب مكتوم، وهي الثقة اختفت من وشها تماماً وبدأت تفرك في إيديها بتوتر.

خرجنا من القاعة، وأول ما بقينا في الممر بره، جوزي ملقاش طريقة يفرغ فيها غضبه غير إنه قرب مني وعروق رقبة ناطة وهو بيزعق:

— “انتي إيه مبتهمديش؟ جايبالي صور ورسايل منين؟ انتي عايزة تخربي بيتي وتوديني في داهية؟”

أخويا وقف في وشه ومنعه يقرب، بس أنا بصيت له بكل برود وقلت له:

— “أنا مابخربش بيوت، مراتها المصونة هي اللي حبّت تتشاطر وتبعتلي وتتباهى، فقدمتلها أحلى رد. والداهية اللي بتتكلم عنها دي إنت اللي رايح لها برجليك بالتزوير واللف والدوران. جهز نفسك بقى للنفقة اللي هتقسم ضهرك، وجهز الشقة عشان تفضيها لي أنا وبناتي.”

مراته الجديدة قربت وهي بتصرخ بصوت عالي:

— “شقة إيه دي اللي تفضيها؟ دي شقتي وأنا دافعة ثمنها وممعيش ورق رسمي!”

أبوها شدها بغضب وقال لها: “اسكتي خالص دلوقتي ودتconsumer في داهية بالرسايل الغبية بتاعتك!”

سابونا ومشيوا وهما بيتخانقوا مع بعض في وسط الممر وصوتهم جايب آخر الطرقات.

رجعت بيتي وأنا حاسة بنشوة انتصار مبدئي، بس كنت عارفة إن الراجل ده مش هيسكت، وإن الحرب معاه لسه طويلة ومش هتنتهي بسهولة.

بعد الجلسة دي بأربع أيام، وأنا نايمة في أمان الله بالليل، صحيت على صوت خبط ورزع جنوني على الباب.. خبط مش طبيعي كأن حد بيكسر البيت. قمت مخضوضة وبناتي جريوا عليا وهما بيعيطوا من الخوف. روحت ورا الباب وبصيت من العين السحرية، ولقيت المفاجأة اللي مش متوقعة..

لقيت ورا الباب جوزي، بس منظره كان يصدم؛ هدومه مبهدلة، وشه مقلوب وعيونه حمرا من الغل والعصبية، وكان معاه اتنين رجالة غُرب شايلين في إيديهم شواكيش وعدة حديد!

بناتي صرخوا واستخبوا ورا ضهري وهما بيترعشوا، وصوته بره طلع وهو بيزعق بكل قوته وبيرزع على الخشب:

— “افتحي الباب ده فوراً يا فوزية! افتحي بدل ما أكسره فوق دماغك ودماغ اللي جابوكِ! الشقة دي شقتي والملك ملكي، وإنتي ملِكيش قعاد هنا من النجمة!”

حسيت بركبي بتخبط في بعضها من الخوف المفاجئ، خصوصاً إن أخويا مش معايا والوقت متأخر، بس افتكرت كلام المحامي وإن أي غلطة دلوقتي هضيع حقي وحق بناتي. تمسكت بكل شجاعتي وزعقت من ورا الباب المقفول بقفلين وحديد:

— “امشي من هنا يا حسن! أقسم بالله لو ما خدت الرجالة اللي معاك ونزلت فوراً لأكون مكلمة النجدة، والمنطقة كلها هتتفرج عليك وإنت مقبوض عليك بتهمة التهجم!”

— “كلمي اللي تلميّه! الشقة دي متباعة رسمي والورق في جيبي، والرجالة دول جايين يغيروا الكوالين ويستلموا حاجتهم، افتحي بدل ما أهد الباب!” الرجالة اللي معاه بدأوا يدقوا بالشاكوش على مفصلات الباب وعملوا صوت هز العمارة كلها.

في اللحظة دي، الخوف اتمحى وحل محله ثبات رهيب. مسكت تليفوني وبإيد بتترعش طلبت رقم النجدة، وبلغت عن تهجم ببلطجية ورجالة بالعدة على ست وبناتها في نص الليل، وأديتهم العنوان بالتفصيل. وعل طول بعدها اتصلت بأخويا وبالمحامي بتاعي اللي صحي على صوتي وأنا بحكي له اللي بيحصل.

المحامي قالي فوراً: “شغلي كاميرا الموبايل وصوري من ورا الباب ومن العين السحرية، وسجلي كل كلمة وصوت الرزع.. ده قرار تمكين رسمي بنعمله على الجاهز، ودي قضية جنحة تهجم وترويع هتحبسه!”

عملت زي ما قال بالظبط، فتحت الكاميرا وبدأت أسجل صوت الرزع وصراخه وتهديده للبنات، لحد ما الجيران في العمارة بدأوا يصحوا على الصوت وسمعت صوت بواب العمارة والجيران وهما طالعين على السلم وبيقولوا له: “في إيه يا أستاذ حسن؟ ميصحش كده دي بيوت ناس وست قاعدة لوحدها مع البنات!”

وهو يزعق فيهم: “محدش يدخل! دي مراتي وده بيتي وأنا حر فيه، والست دي ملهاش قعاد هنا!”

الحرب والكلام بره استمروا حوالي ثلث ساعة، لحد ما فجأة سمعت صوت سرينة بوكس الشرطة وهي بتقف تحت العمارة، وصوت خطوات جري سريعة على السلم. الجيران فتحوا الطريق، وفجأة الصوت اتقلب تماماً بره الباب.

سمعت صوت أمين الشرطة وهو بيقول بحزم: “في إيه هنا؟ ومين الرجالة اللي معاهم عدة دول؟ بطاقتك أنت وهو، وفي نص الليل بتعملوا إيه هنا؟”

حسن بدأ يتلعثم وصوته الحاد اتقلب لنبرة هادية ومبررة: “يا باشا دي مراتي ودول صنايعية جايين يعملوا تصليحات، وهي قافلة الباب ومش عايزة تفتح.”

أمين الشرطة زعق فيه: “تصليحات بشواكيش الساعة ٢ بالليل؟! وفي حد بيعمل تصليحات في ملك غيره وقضايا المحاكم دايرة؟ افتحي يا مدام متخافيش، الشرطة معاكي.”

فتحت الباب بالراحة وأنا ماسكة بناتي في حضني والدموع في عيونهم، وبصيت للظابط اللي طلع ورا الأمين وقلت له: “يا فندم الراجل ده جاي ببلطجية يطردني أنا وبناتي في نص الليل، ومعايا تسجيلات وصور لكل اللي حصل، وقضايا النفقة والتمكين منظورة في المحكمة والجلسة كانت من ٤ أيام بس!”

الظابط بص لحسن وللرجالة اللي معاه وقال للعساكر: “هاتولي التلاتة دول على البوكس، والعدة دي تتحرز، والمدام تحصلنا على القسم لعمل المحضر.”

حسن وشه جاب مية لون وبصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال: “يا فندم دي مراتي والله وولادي…” بس العساكر شدوه هو والرجالة ونزلوا بيهم.

أخويا وصل في نفس اللحظة ودخل خد البنات في حضنه وطمنهم، وأنا نزلت معاه على القسم. قعدنا لحد الصبح، المحامي بتاعي جيه وقدم الفيديوهات والتسجيلات وصور محضر الجلسة اللي فاتت اللي بتثبت كيدية التصرف. النيابة أمرت بحبس حسن والرجالة اللي معاه ٤ أيام على ذمة التحقيق بتهمة الترويع والتهجم ومحاولة الاستيلاء على مسكن بالقوة.

خرجت من القسم الصبح والشمس بتطلع، تعبانة ومهدودة بس حاسة بقوة عمري ما حسيتها في حياتي.

بعد يومين من حبسه، لقيت والدته (حماتي) جاية لي البيت ومعاها أخوه الكبير، وداخلين منكسرين تماماً، حماتي قعدت على الكنبة وبدأت تبكي بحرقة وتقول:

— “بوس إيدك يا فوزية، الواد هيضيع ومستقبله في الشغل هيروح لو اتحبس أكتر من كده، مراته الجديدة وأبوها أول ما عرفوا إنه اتقبض عليه خافوا من قضية التزوير وسحبوا العقد الابتدائي وفسخوا الجوازة وخدت الذهب وهربت عند أهلها! هو دلوقتي ملوش حد غيرك وغير بناته، اتنازلي عن المحضر الله يسترك ويرضى عليكي!”

بصيت لحماتي ولأخوه، واكلاني نيران الذكريات البخيلة والقاسية، والتفتت ورايا لقيت بناتي واقفين بيبصوا مستنيين قراري..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *