الطمع روماني مكرم ٥

### الجزء التاسع: نبض الأصالة

مرت الأيام سريعة كأنها تسابق الزمن، وبفضل الله وحسم “مدحت”، تم عقد القران وسط فرحة صامتة ومباركة من بناته و”نورا” التي شعرت لأول مرة أن لها ظهراً يستند إليه في هذه الدنيا. لم ينتظر مدحت يوماً واحداً في الحارة؛ بل نفذ وعده فوراً، ونقل “صباح” والبنات إلى الشقة الجديدة الواسعة في منطقة هادئة وبعيدة تماماً عن العيون وعن نيران حقد “سعاد”.

في هذه الشقة الشرح التي تشرح القلب، عاشت صباح وبناتها في سلام وأمان لم تذقه منذ سنوات. نورا تفرغت لدروس الثانوية العامة براحة بال، ومنة كانت تنام في حضن خالتها وهي تشعر بالأمان الذي افتقدته طويلًا. أما مدحت، فكان يقضي أيامه الأخيرة في مصر ينهي أوراق السفر والإقامة لأستراليا، والابتسامة لا تفارق وجهه وهو يرى بيته الجديد ممتلئاً بالبركة والنظافة.

وفي ليلة هادئة، سبقت سفر مدحت بأيام قليلة، كان الجميع يجلسون في الصالة يتناولون العشاء في أجواء يملأها الهدوء والسكينة. وبعد أن نامت البنات، جلست صباح بجانب مدحت، ونظرت إليه بنظرة ممتنة، ثم قالت بنبرة هادئة تملأها طيبة القلب المصرية الأصيلة:

* “بقولك إيه يا مدحت يا خويا.. ربنا يعلم إن الشقة دي والعيشة اللي أنا فيها دلوقتي كتير عليا، والفضل ليك بعد ربنا في صون كرامتي وكرامة بنتي.”

مدحت ابتسم وطبطب على إيدها:

* “ده حقك يا أم نورا، أنتي مراتي وصاينة بيتي وعيالي، والخير اللي إحنا فيه ده ببركة نيتك النظيفة.”

صباح أخذت نفساً عميقاً وقالت بتردد وصوت حنون:

* “عشان نيتي تفضل نظيفة يا ابن الأصول.. وعشان ربنا يبارك لنا في خطوتنا الجاية وسفرنا لأستراليا، أنا كان ليا عندك رجاء.. وعارفة إن قلبك كبير ومش هيردني.”

مدحت نظر إليها بانتباه:

* “قولي يا صباح، رقبتي ليكي، في إيه؟”

وقعت الكلمات من فم صباح كبلسم يداوي جراح الماضي، وقالت:

* “سعاد يا مدحت.. مهما عملت فيا ومهما حقدت، هي أختي الكبيرة، من دمي ولحمي، وبنت أبويا وأمي. هي دلوقتي قاعدة في بيت أهلها مطلقة، مكسورة الجناح ومفيش معاها مليم من الدهب والفلوس اللي اتأخدت منها. أنا قلبي مش مطاوعني أسافر وأسيبها لظروف الزمن.. إيه رأيك يا مدحت، لو نطلع ليها كل أول شهر 5000 جنيه مساعدة؟ نفس المبلغ اللي أنت كنت بتبعتهولي زمان وهي كانت بتاكله.. نديهولها عشان تستر نفسها ومتحتاجش لحد، والخير كتير والـ 2000 دولار فيهم البركة.”

### صدمة ابن الأصول

مدحت صدم من رجاء صباح، ونظر إليها بذهول ممزوج بالإكبار والاجلال. الست اللي أختها عايرتها بفقرها، وطردتها، وأكلت حقها وحق بنتها اليتيمة.. هي نفس الست اللي النهاردة في عز نصرها وعزها، بتطلب تمد إيدها بالخير وتساعدها وتديها 5000 جنيه كاملين!

مدحت تنهد وقال بصوت مليان إعجاب:

* “يااااه يا صباح! أنتي إيه يا شيخة؟ كل السواد والغل اللي شفتيه منها، ولسه بتفكري في سترها وتطلبي لها مساعدة؟ دي كانت ناوية تخرب بيتنا!”

صباح ابتسمت والدموع في عينيها:

* “الشر مبيتمحيش بالشر يا مدحت، الشر بيتمحي بالخير. ربنا يسامحها ويهديها لنفسها، وإحنا مش هننقص حاجة.. القرش اللي هيروح لها هيدفع عننا وعن البنات بلاوي كتير في بلاد الغربة.. وافق يا مدحت عشان خاطري.”

مدحت قبل يدها وقال بحب واحترام:

* “موافق يا أصيلة.. مادام ده هيريح قلبك النظيف، الـ 5000 جنيه هيوصلوا لبيت أهلها كل أول شهر من وراها ومن غير ما تعرف إنهم منك، عشان كرامتها.. ربنا يباركلي فيكي يا بنت الأصول.”

### في الجانب الآخر: حيرة الحقد

وفي نفس اللحظة، في بيت أهل سعاد.. كانت سعاد قاعدة في أوضتها المظلمة، الغل لسه بياكل في قلبها، لكن جواها كان فيه حيرة غريبة. كانت مستنية أي خبر عن جواز مدحت وصباح عشان تنفذ تهديدها وتحرق فرحتهم، لكنها تفاجأت إنهم اختفوا تماماً ومحدش في الحارة يعرف مكانهم الجديد.

وفجأة، الباب خبط، وأخوها دخل الأوضة ومعاه مغلف مقفول، رماه في حجرها وقال باستغراب:

* “خدي يا سعاد.. في واحد غريب خبط على الباب وساب الجواب ده ومشي، وقال إن ده مبلغ 5000 جنيه هيوصلك كل أول شهر مساعدة لظروفك، ومألوش مين المرسل!”

سعاد فتحت الجواب ولقت الفلوس، وبقت باصة ليهم بذهول وصدمة.. مكنتش تعرف إن الفلوس دي جاية من إيد أختها صباح اللي استكترت عليها الـ 750 جنيه!

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى سعاد لما تعرف إن الفلوس دي من صباح ومدحت، هتقبلها وندمها يصحى؟ ولا حقدها هيعميها أكتر وتعتبرها إهانة وتدور على مكانهم عشان تنتقم؟ ومدحت وصباح هيسافروا أستراليا في سلام؟

الخيوط بتقترب من النهاية، والنفوس بتتحط في أصعب اختبار.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم والأخير!

### الجزء العاشر: تذاكر الخلاص

مرت الأسابيع سريعة ومحملة بالخير، وجاء اليوم الموعود الذي انتظرته العائلة طويلاً. في الشقة الجديدة الهادئة، كانت الحقائب الكبيرة مرصوصة في الصالة، وجوازات السفر وتذاكر الطيران المتجهة إلى سيدني بأستراليا موضوعة على الطاولة، تلمع تحت ضوء الصالة وكأنها صكوك الخلاص والأمان.

أنهى “مدحت” كافة إجراءات السفر والإقامة لزوجته “صباح” وابنتها “نورا” وجميع أولاده، بما فيهم “منة” التي كانت تطير من الفرحة وهي ترى حلم العيش في سلام مع والدها وخالتها يتحقق. نورا كانت تحتضن كتبها وملازم الثانوية العامة، بعد أن رتب لها مدحت كل شيء لتكمل دراستها هناك في أرقى المدارس، وتستعد لتحقيق حلمها بأن تصبح دكتورة.

وقفت صباح وسط الصالة، نظرت للشقة التي شهدت أيام زواجها الهادئة، ثم نظرت لمدحت وقالت والدموع تترقرق في عينيها:

* “مش مصدقة يا مدحت يا خويا.. رجل برة ورجل جوة، والطيارة فاضل عليها ساعات.. سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال! كنا فين وبقينا فين!”

مدحت ابتسم واقترب منها، مسك إيدها بحنان وقال:

* “ربنا مب يضيعش حق حد يا بنت الأصول. أنتي صنتي الأمانة ورضيتي بالقليل، فربنا عوضك بالخير كله. أستراليا مستنيانا، وهناك هنبدأ حياتنا من جديد، عيلة واحدة في ضهر بعض، والـ 2000 دولار اللي كانوا هنا بيعملوا مشاكل، هناك هيربوا العيال في أحسن عيشة.”

منة ونورا جريوا عليهم واحتضنوهم، والضحكة صافية وطالعة من القلوب لأول مرة من سنين.

### المواجهة الأخيرة على عتبة السفر

نزل الجميع إلى الشارع، حيث كانت سيارة الأجرة الكبيرة تنتظرهم لتنقلهم إلى مطار القاهرة الدولي. وضع السائق الحقائب في الحقيبة الخلفية، وركبت البنات وهما ينظران من النافذة بشوق للمستقبل.

وقبل أن تركب صباح بجانب مدحت، لمحت من بعيد سيدة تقف على أول الشارع، ترتدي عباءة سوداء دبلانة، ووجهها شاحب وعيناها مليئتان بكسرة غريبة مخلوطة بالذهول.. لقد كانت “سعاد”!

سعاد عرفت بطريقتها موعد السفر، وجاءت لتلقي النظرة الأخيرة. لم تأتِ هذه المرة بالشر أو النار، بل جاءت مكسورة بعد أن علمت بالصدفة من أخوها أن الـ 5000 جنيه التي تصلها كل أول شهر وتستر بيتها، ليست من فاعل خير مجهول، بل هي من عرق جبين مدحت وبأمر وتنازل من أختها صباح!

الدموع نزلت من عيني سعاد وهي تشوف أختها صباح بتركب العربية في طريقها للمطار وللعز، والدهب والـ 2000 دولار اللي اتقاتلت عليهم وطردت أختها بسببهم، بقوا من نصيب الست الطيبة اللي صانت الأمانة.

صباح وقفت، وبصت لأختها سعاد نظرة طويلة.. مكنش فيها شماتة، ولا كان فيها غل، كانت نظرة عتاب حنينة ودعوة بالهداية. أشارت لها بيدها وكأنها تودعها وتسامحها على كل ما فات.

سعاد غطت وشها بإيديها وانفجرت في العياط من الندم والقهر، وحست إن الحقد اللي كان مالي قلبها اتحول لنار أكلت نفسها بس، وضيعت منها جوزها وبنتها وعزها.

### في أعالي السماء

تحركت السيارة نحو المطار، وفي الموعد المحدد، صعدت العائلة إلى الطائرة. ومع إقلاع الطائرة في السماء، نظرت صباح من النافذة إلى بيوت مصر التي تصغر شيئاً فشيئاً، وقالت في سرها: “الحمد لله.. يغني الله من فضله”.

مدحت كان يجلس بجانبها، وبناتهم نائمات في المقاعد الخلفية بسلام، والطائرة تشق السحاب نحو بلاد الغربة، حاملةً معها قلوباً تطهرت من الظلم، ونفوساً انتصرت بالخير والأصالة.

#الكاتب_رومانى_مكرم

تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم القصص كامله

### الجزء الحادي عشر والأخير: حصاد النفوس

دارت الأيام دورتها الكاملة، ومرت سنة كاملة على ذلك اليوم الذي أقلعت فيه الطائرة محلقة في السماء، تاركة خلفها نيران الحقد والظلم، وحاملة قلوباً بيضاء لا تعرف سوى الرضا والأصالة.

في مدينة سيدني بأستراليا، وتحديداً في منزل جميل يطل على مساحات خضراء واسعة تشرح القلب، كانت “صباح” تقف في مطبخها النظيف، تعد الطعام برائحة مصرية أصيلة تملأ الأرجاء. تبدلت ملامحها؛ اختفت آثار الشقاء والكسرة من وجهها، وحلت مكانها نضرة الرضا والراحة والوقار.

فُتح الباب الخارجي، ودخلت “نورا” وهي ترتدي المريلة البيضاء الخاصة بطلاب كلية الطب، وعيناها تلمعان بالفرحة، وبجانبها “منة” التي أصبحت متفوقة في دراستها الثانوية وتعتبر صباح أمها الحقيقية. نورا جرت على أمها واحتضنتها:

* “باركيلي يا أمي! طلعت الأولى في امتحانات الترم الأول، والعميد كرمني النهاردة.”

دموع الفرحة نزلت من عين صباح، وفي نفس اللحظة دخل “مدحت” وباقي الأولاد، وعلت الزغاريد والفرحة في البيت. مدحت نظر لصباح وقال بحب وفخر أمام الجميع:

* “مبروك لينا كلنا يا أم نورا.. الخير والبركة والنجاح اللي في البيت ده كله بسبب دعواتك وبسبب قلبك النظيف اللي دخل حياتنا فملاها ستر وأمان.”

في هذا البيت، لم تكن الـ 2,000 دولار مجرد أرقام تُكنز للزمن بل كانت سبباً في إسعاد العائلة، وبناء مستقبل البنات، وإطعام المساكين، فبارك الله فيها وضاعفها لمدحت في غربته.

### في الجانب الآخر: انكسار وبداية توبة

أما في مصر، وفي حارة أشد ضيقاً من حارتها القديمة، كانت “سعاد” تجلس على سجادة الصلاة في غرفتها ببيت أهلها. لم تعد سعاد تلك المرأة المتبخترة التي تشخلل الغوايش الذهبية في يديها وتنظر للناس بعين التعالي. لقد ذهب الذهب، وطارت الأموال، وخلت يداها من كل زينة الدنيا، لكن قلبها لأول مرة بدأ يتطهر.

كل أول شهر، كان يطرق بابها منديل الأمانة ومعه الـ 5,000 جنيه. في البداية، كانت تأكلها الحسرة والندم وتعتبرها سوطاً يجلد كرامتها، ولكن مع مرور الأيام، كانت هذه الأموال هي السند الوحيد الذي يسترها ويطعمها في كبرها بعد أن تبرأ منها الجميع.

نظرت سعاد إلى جدار الغرفة، وبكت بحرقة، رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوت متهدج:

* “سامحني يا رب.. واغفر لي جشعي وعمايا. وسامحيني يا صباح يا بنت أبويا.. أنا اللي استكترت عليكي الفتات، وأنتي اللي صنتي كرامتي في غيبتك ووكلتيني من خيرك. لولا قلبك النظيف كنت ضعت في الدنيا.”

سعاد عرفت في النهاية أن القيمة مش في كام غويشة دهب في الإيد، لكن القيمة في كام دقة قلب رحيمة بتعرف تسامح وتصون صلة الرحم.

### الحكمة (ختام القصة)

وهنا تنتهي خيوط حكايتنا، وتنكشف المعادن الحقيقية للبشر. إن الدنيا دوارة، ويوم لك ويوم عليك، وما زرعته يداك اليوم تحصده غداً لا محالة.

> **حكمة القصة:**

> “المال لا يصنع المقامات، والذهب لا يستر النفوس العارية من الرحمة. القرش الحرام أو المأخوذ بكسرة قلب يتيم وأرملة يكون ناراً تحرق العش الهادئ وتزلزل العروش ولو بلغت آلاف الدولارات. أما القرش الحلال، المبني على الستر والرضا وجبر الخواطر، فيطرح الله فيه البركة ويفتح له أبواب السماء.”

> لقد ظنت سعاد أن مال زوجها ملكها وحدها، فخسرت المال والزوج والابنة والكرامة. وظنت صباح أن كرامتها وعفة نفسها ستجعلها تموت فقيرة، فرزقها الله من حيث لا تحتسب، ورفع قدرها وصان ابنتها اليتيمة.

> “الشر لا يُمحى بالشر، بل يُمحى بالخير والأصالة.. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.”

>

انتهت الخيوط، وتطهرت النفوس، وعاش من صان الأمانة في سلام.

**تمت الحكاية بفضل الله..**

#الكاتب_رومانى_مكرم

تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم القصص كامله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *