رجعت البيت وفي جيبي ورقة قيمتها مية مليون جنيه

رجعت البيت وفي جيبي ورقة قيمتها مية مليون جنيه، وكنت داخلة أفرّح أهلي وأقولهم إن أيام الفقر خلصت لكن قبل ما أنطق بكلمة واحدة، أمي حرمتني من ورث أبويا، وجوزي رمى ورق الطلاق في وشي، وساعتها قررت أخبي السر وأسيبهم يكملوا كشف حقيقتهم بنفسهم
كانت الدنيا كحلت خالص لما الأتوبيس وقف عند مدخل الشارع
نزلت وأنا بجر شنطة السفر بتاعتي وبمشي على الطريق الأسفلت المكسر اللي ملوش ملامح، ويدي عمالة تروح وتيجي على جيبي، بلمس ورقة اللوتاري اليانصيب كل شوية عشان أطمن إنها لسه مكانها.
مية مليون !
يعني حتى بعد ما يخصموا الضرائب، هيصفالي أكتر من تمانين مليون.
طول السكة وأنا في القطر والاتوبيس، دماغي مكنتش بتفصل تفكير هقولهم إزاي؟ هفاجئهم بالخبر ده اللي هيشقلب حياتنا كلنا إزاي؟
قلت لنفسي الأول هقول ل راجح جوزي، ما إحنا في الآخر مالناش غير بعض.
طول السنين اللي فاتت كان دايماً بيعايرني بقلة حيلتي ومرتبي الضعيف، وكان ديماً يقولي إني مليش لزمة وإني معطلاه ومأخرة مستقبله. أكيد لما يشوف الفلوس دي، طريقته هتتغير والتقدير والاحترام هيرجعوا.
وبعدين هقول لأمي.. أمي اللي طول عمرها شايفة إن جوازتي وحياتي أقل بكتير من المستقبل اللي مستني إخواتي الصبيان، خصوصاً إن خطيباتهم بنات من عائلات كبيرة ومعاهم شهادات عالية من كليات قمة.
ضغطت على ورقة اللوتاري في جيبي وأنا حاسة برعشة غريبة في إيدي.. حياتي خلاص بتتغير، وكلهم هيبصولي بصة تانية خالص دلوقتي.
سرعت خطوتي، ومن على بعد لمحت عربيتين زيرو واقفين قدام بوابة بيتنا، واحدة بي إم والتانية أودي، والاتنين بيلمعوا تحت النور.
البيت كله كان قايد نور، وأصوات الضحك والهزار مسموعة لآخر الشارع.
فتحت البوابة ودخلت.
الصالة

كانت زحمة، وأمي قاعدة في النص زي الملكة، والضحكة واصلة لودانها من الفرحة.
على يمينها وشمالها قاعدين إخواتي، أحمد وكريم، وجنبهم خطيباتهم، باين عليهم العز والشياكة. أما راجح جوزي، فكان قاعد لوحده في ركن الصالة، ووشه في الأرض، وأول ما دخلت يدوب رفع عينه وبصلي ببرود.
أحمد بصل وهو قاعد مكانه، ومكلفش نفسه حتى يقف يسلم عليا إيه ده، أنتي جيتي؟
هزيت راسي وقلت آه، جيت.. وكنت لسه هفتح بوقي وأقولهم على المفاجأة اللي هتقلب الترابيزة، بس أمي قطعتني وتكلمت هي الأول.
بصت لراجح بابتسامة عريضة وقالتله تعال يا راجح يا حبيبي اقعد جنبي.
راجح قام وراح وقف جنبها، فأم مسكت إيده وقالت والفرحة مش سيعاها البيت القديم بتاع أبوكم الله يرحمه دخل نزع ملكية للحكومة عشان المنفعة العامة، وصرفولنا تعويض اتنين مليون جنيه.
قلبي دق بسرعة.. البيت ده بتاع أبويا، ويعني بالحق والشرع، التعويض ده يتقسم علينا احنا التلاتة بالتساوي.
بس أمي كملت كلامها وكأنها بتدبحني أحمد هياخد مليون، وكريم هياخد مليون.
وبعدين سكتت وبصتلي في عيني، نظرة باردة تخوف، كأنها بتبص لواحدة شحاتة من الشارع.
يا فريدة.. أنتي ملكيش ولا مليم في الفلوس دي.
اتسمرت في مكاني من الصدمة بس يا أمي…
قاطعتني بنبرة حادة ومفيش فيها نقاش متقوليش يا أمي! البنت لما بتتجوز بتبقى على ذمة راجل وتبع بيت جوزها، وفلوس ورث أهلها ملهاش دعوة بيها.
بقيت واقفة بقدم رجل وأخر رجل ومش عارفة أنطق، فالتفتت لراجح وقالتله يا راجح، خد بالك من فريدة، ولو وراكم أقساط شقة ولا عربية خليها تدفع معاك وتساعدك من مرتبها، متخليهاش تبقى حمل تقيل على إخواتها وتعطلهم عن مستقبلهم.
راجح فضل ساكت ومفتحش بوقه.
كنت واقفة عند الباب، وصوابعي لسه بتلمس تذكرة المية مليون في جيبي، وكنت لسه هرد وأتكلم.. بس راجح وقف فجأة.
بصلي بعينين زي الموس، وقال بنبرة ناشفة ومن غير أي مقدمات يا حماتي، بمناسبة الكلام ده، أنا كمان في كلمتين عايز أقولهم.
قرب مني وبصلي من فوق لتحت بقرف وقال أنا عايز نطلق.. أنا خلاص زهقت من العيشة دي وجبت آخري. الشقة بتاعتي، وأنتي هتطلعي من هنا بشنطة هدومك وملكيش عندي أي حاجة.
وداني صفرت، وبصت لأمي وأنا كلي أمل إنها تصرخ فيه وتجيبلي حقي.
لكنها تنهدت وقالت بكل برود والله يا بني الطلاق هو الصح والأنسب ليكي وله.
وبصتلي وقالت أنتي متخرجة من كلية كويسة بس في الآخر قاعدة في وظيفة عادية بمرتب تعبان، ودلوقتي كمان ملوكيش نصيب في فلوس التعويض، يعني بصراحة مبقتيش تليق بمقام راجح ولا تناسبيه.
وتابعت إخواتك رجالة يشرفوا، ومتخرجين من كليات قمة وهما أمل العيلة دي. بلاش تشبطي في الراجل وتعمليلنا مشاكل، اطلعي بالمعروف وبلاش تفضحي عيلة الشريف.
وراجح دخل في الكلام على طول وقال بقسوة سمعتي كلام أمك؟ امضي على ورق الطلاق واخلصي ومضيعيش وقتي، خليني أشوف مستقبلي وأتجوز واحدة تليق بيا.
أنا قفشت على ورقة اللوتاري في جيبي لدرجة إن صوابعي نملت. بصيت في وجوههم واحد واحد؛ أمي اللي بتتكلم وكأن ظلمها ده هو الأصول، وجوزي اللي وشه مليان احتقار واستعجال، وإخواتي الاثنين اللي باصين في تليفوناتهم وكأن اللي بتتطلق دي غريبة عنهم، وخطيباتهم اللي مداريين ضحكتهم ورا إيديهم.
فجأة، لقيت نفسي عايزة أضحك من قلبي.
قلت ببطء وصوت واضح يعني في نظركم كلكم.. أنا مستاهلش أخد قرش من ورث أبويا، ومستاهلش أكون زوجة للبيه؟
محدش رد، وسكوتهم كان هو الرد.
هزيت راسي وقلت تمام.. يبقى من اللحظة دي، فلوسى وحياتي ملهاش أي علاقة بأي حد فيكم، صح؟
راجح ضحك بسخرية وقال فلوسك؟ هو أنتي حيلتك فلوس أصلاً يا فقرية؟
ومد إيده في الشنطة بتاعته وطلع ورق ورماه على التربيزة بعنف.. ورق الطلاق، كان مجهز كل حاجة من قبل ما آجي.
قاللي امضي هنا، وبلاش تعطلي الناس.
مشيت بخطوات ثابتة وأخدت الورق، وقريت الشقة ليه،، والتحويشة تتقسم بالنص.. وفي الحقيقة مكنش فيه تحويشة أصلاً، ده هما عشرين ألف جنيه اللي كنت حارمة نفسي منهم طول السنين اللي فاتت وبحوشهم قرش على قرش، وكان عايز ياخد نصهم كمان.
رفعت عيني وبصتله أنت فاكر نفسك هتعرف تربي ابننا وتصرف عليه؟
رد بثقة ولؤم لو معرفتش، أمي موجودة وهتخدمه، وفي كل الأحوال مش هسيبك تربيه، واحدة مطلقة زيك مش هتعرف تصرف على نفسها أصلاً عشان تصرف على عيل.
أمي هزت رأسها وقالت فعلاً، الولد مع أبوه هيكون ليه مستقبل، إنما أنتي هتقدري تديله إيه بشهادتك ووظيفتك دي؟
مسكت القلم وإيدي بتترعش بس من كتر القوة ولو رفضت أمضي؟
راجح ضحك ومال بضهره لورا وقال يبقى هنقضيها محاكم ونقعد بالسنين، أنا راجل ومش خسران حاجة، أنتي اللي المفروض تخافي؛ واحدة مطلقة وداخلة على الثلاثين ومعاها عيل، مين اللي هيبصلك ولا هيفكر يتجوزك تاني؟
أحمد رفع عينه من التليفون وقال بزهق يا فريدة امضي واخلصي بقا، بلاش نكد وتعملي حوارات وإحنا في العيد.
وكريم كمل وراه فعلاً يا فريدة، أنتي من الأول مكنتيش لايقة على راجح، الراجل دلوقتي بقى مدير كبير في شركته وأنتي موظفة غلبانة على قدك، بلاش تقفي في طريق مستقبله.
بصيت لإخواتي.. الإخوات اللي أمي طول عمرها كانت بتفضلهم عليا؛ اللقمة الحلوة ليهم، واللبس الغالي ليهم. لما كنت بدرس، كنت بشتغل في الإجازات عشان أدفع مصاريف كليتي بنفسي، وهي كانت بتبيع دهبها عشان تديهم هما. لما طلعت عيني

لمحة نيوز

ودخلت كلية محترمة، قالتلي والبنت هتعمل إيه بالشهادة؟ آخرها بيت جوزها، ولما هما نجحوا، عملت ليلاتي وعزمت البلد كلها عشانهم.
طول حياتي كنت فاكرة إن العيب فيا أنا، إني مقصرة ومش شاطرة زيهم، بس دلوقتي.. كل حاجة بانت.
ضحكت بصوت واطي وقلت تمام.
أخدت القلم ومضيت على ورق الطلاق من غير ما أتردد ثانية واحدة.
راجح اتصدم ومبقاش مصدق نفسه، مكنش متوقع إني هوافق بالسهولة دي ومن غير عياط ومناهدة.
قلت وأنا بزق الورق ناحيته خلاص، مضيت.. نتقابل بعد بكرة عند المأذون عشان نخلص كل حاجة رسمي.
راجح ارتبك وقال بكرة لا، عندي مشاوير وشغل، خليها بعد بكرة.
ماشي، بعد بكرة.
شلت شنطتي ومشيت ناحية الباب عشان أخرج.
أمي زعقت وقالت فريدة! أنتي رايحة فين في نص الليل كده؟
رديت من غير ما أبص ورايا ماشية.
كشرت وقالت ماشية فين؟ هو أنتي ليكي بيت هنا أصلاً؟ ومش هتلحقي مواصلات تسافري بيها مصر القاهرة في وقت متأخر كده.
منفضتلها تماماً وكملت مشي، فأحمد جِري ورايا ولحقني عند البوابة الخارجية، وبصلي وهو مكسوف وعينه في الأرض يا فريدة، أمي بتقولك خليكي وباتي الليلة دي هنا، واقعدي مع راجح واتكلموا واصلحوا اللي بينكم…
قاطعته وأنا كلي ثقة مفيش كلام يتقال تاني يا أحمد، أنا مضيت وكل حاجة انتهت.
بس…
بس إيه؟
فتح بوقه عشان يتكلم ومعرفش يقول إيه. بصيت له.. الابن المدلل اللي اتعامل كأنه حتة دهب طول عمره، خريج هندسة اللي راكب عربية بي إم وخاطب بنت باشوات، واللي حياته كلها كانت مفروشة ورد.. عمره ما هيفهم أنا عشت إإاي وشوفت إيه.
قلتله بصوت هادي وبوجع يا أحمد، أنت أخدت مليون جنيه من التعويض، صح؟
هز رأسه وهو ساكت.
كملت لما جيت أتجوز، أمي مجهزتنيش بمليم وقالتلي معيش

فلوس ويادوب دخلت بشنطة هدومي، ولما جيت اشتري شقتي وطلبت منها خمسين ألف جنيه بس سلف، قالتلي العين بصيرة والإيد قصيرة، وبعدها بشهر واحد راحت اشترتلك العربية اللي واقفة برة دي بمئات الآلاف.
نزل رأسه في الأرض ومطقش.
ولما ولدت ابني، أمي جاتلي تلات أيام بس وسابتني تعبانة ومش قادرة أقف على رجلي ومشيت، عشان خطيبتك كان عندها امتحانات ومحتاجة أمي تقف معاها في البيت.
وشه جاب ألوان من الكسوف، فقلتله جملتي الأخيرة يا أحمد.. أنتم مديونين ليا بحاجات كتير أوي، والدَّيْن ده عمركم ما هتعرفوا تدفعوه طول حياتكم.
لفيت ضهري ومشيت في ضلمة الليل، وخطوتي كانت سريعة وقوية، وصوت أمي كان جاي من بعيد وهي بتصرخ بغل سيبها تغور في داهية! لو هي شاطرة وقادرة كده، متورناش وشها تاني هنا!
مبصيتش ورايا ولا حتى فكرت.
وصلت لأول البلد، وكان دكان البقالة الصغير بتاع الست أم محمد لسه فاتح، دخلت وكانت قاعدة بتتفرج على تليفونها.
بصتلي باستغراب وقالت فريدة؟ إيه اللي ممشيكي لوحدك في وقت متأخر كده يا بنتي؟ في حاجة؟
ابتسمت ببرود وقلت لها أهلاً يا طنط، معلش ممكن أخد التليفون أعمل منه مكالمة مهمة؟
أديتني التليفون، كتبت الرقم اللي حافظاه صم في دماغي، وفضل التليفون يرن يرن.. لحد ما الخط فتح وجالي الصوت
ألو؟
صوت مستر مدحت مدير الشركة في التليفون كان باين عليه النعاس والتقل..
سندت ضهري على قفص خشب جنب تلاجة البيبسي في دكان الست أم محمد، وغمضت عيني بتعب وقلت يا مستر مدحت.. أنا فريدة.
الخط سكت تماماً لثواني، وبعدين سمعت كركبة حركة وصوت السرير وكأنه اتعدل وقعد على حيله فريدة؟ بتكلميني في وقت زي ده؟ خير يا بنتي في حاجة حصلت؟
خير؟ لا مفيش أي خير خالص!
جوزي لسه مطلقني حالا قدام العيلة كلها، وأمي تبرت مني وطردتني من غير ما تقول الكلمة صريحة، وإخواتي واقفين يتفرجوا عليا..
قلتله والنبرة طالعة من بوقي من غير ما أفكر أو أرتبها هو حضرتك لسه محتاج مدير لمشروع إسكندرية الجديد؟
مستر مدحت سكت ثواني ومستغرب أكيد طبعاً.. ده أنا بقالي ست شهور بحايل فيكي عشان توافقي.
أنا موافقة، وهستلم من بكرة.
الخط سكت تاني.. سكوت طويل أوي المرة دي، لحد ما قال هادي بس يا فريدة.. المشروع ده محتاج نقل وإقامة هناك.
عارفة.
إقامة دايمة يا بنتي.
عارفة.
طيب وجوزك والبيت؟
احنا بنطلق.
المرة دي السكوت طول أكتر وأكتر، لحد ما قال بنبرة فيها تقدير واحترام تبدأي من إمتى؟
من حالا.
قفلت السكة ووقفت مكاني باصة على الطريق الضلمة اللي برة الدكان.. الغريب في وجع القلب إنه مش ديماً بيجي بصريخ وزيطة، ساعات بيجي هادي أوي، زي قميص كنت بتلبسه سنين وفجأة صِغر عليك ومبقتش قادرك تطيقه ولا ينفع تقعد جواه ثانية واحدة.
أجرت أوضة في لوكاندة صغيرة على الطريق السريع ليلتها.. الأوضة كانت ريحتها مسحوق غسيل وبوية قديمة. الساعة جت تلاتة الفجر وأنا عيني مغمضتش، ورقة اللوتاري كانت محطوطة قدامي على الكومودينو.
مية مليون .
أبص لها.. وأدور وشي الناحية التانية.. وبعدين أرجع أبص لها تاني. مش عشان شاكة إنها حقيقة، لأ.. عشان بدأت أفهم حاجة تانية مرعبة أوي ومخيفة؛ لو كنت فتحت بوقي وقلتلهم على الفلوس دي أول ما دخلت البيت.. كان كل حاجة هتتشقلب.
راجح كان هيضحك ويشيلني من على الأرض شيل، وأمي كانت هتاخدني في حضنها وتطبطب عليا، وإخواتي كانوا هيقولوا دي أختنا الحبيبة الغالية!
بطني وجعتني وعصريتني لما الفكرة دي جت في بالي.. اللوتاري مغيرش الناس دي، اللوتاري كشفهم على حقيقتهم بس!
تاني يوم على الضهر، تليفوني مكنش بيبطل رن وزي ما يكون هينفجر؛ اتنين وتلاتين مكالمة فايتة.. تمن رسائل من راجح، وأربعتاشر رسالة من أمي، وأرقام تانية غريبة كتير. منفضت لكل ده ومرديتش على مخلوق.
على المغرب، جالي اتصال من أحمد أخويا، فتحت السكة.. مش عشان عايزة أكلمه، بس فضول، عايزة أشوف آراء الناس دي وصلت لإيه.
قال عل طول أول ما فتحت أنتي فين يا فريدة؟
عايز إيه؟
أمي قلقانة عليكي وبتموت من القلق.
بصيت لسقف الأوضة.. طول تسعة وعشرين سنة من عمري، الجملة دي كان ليها معنى واحد بس في قاموس أمي أمي عايزة منك مصلحة.
قلتله قولها متقلقش، أنا كويسة.
فريدة…
كانت أول مرة من سنين يقول اسامي من غير ما يقول يا أختي أو يتكلم من فوق لتحت، وده خلاني أبتسم بسخرية.. الخوف ديماً بيغير طريقة كلام الناس بسرعة.
كمل أحمد أنتي سبتي ورق البنك بتاعك هنا في الصالة.
ميخصنيش، مش عايزاه.
وفي ورق كمان بتاع شركة التأمين.
ولا ده كمان يلزمني في حاجة.
الخط سكت شوية، وبعدين رمى السؤال اللي هو رانن عشانه أصلاً.. بس طبعاً مش بشكل مباشر، الناس اللي زي دي عمرها ما بتواجه.
هو.. هو الشغل عندك عامل إيه الأيام دي؟
أهو بدأ يرمي سنارة ويجس النبض، ويدور على طرف خيط.. وبصراحة عجبني ذكاءه اللئيم.
ماشى، عادي.
أنتي مش كنتي بتقولي إن فيه ترقية جايلك قريب؟
لأ، مفيش.
آه.. تمام.
سكت تاني، وبعدين قال أمي بتقول إنك كنتي غريبة ومخطوفة امبارح وأنتي داخلة البيت.
ضحكت من قلبي.. ضحكة بجد طلعت رغماً عني يا أحمد، أنا كنت بتتطلق!.. ورحت قافلة السكة في وشه.
بعدها بتلات أيام، اتقابلت أنا وراجح عند المأذون عشان نخلص كل حاجة.. كان جاي لابس قميص جديد براند غالي، وساعة شيك، والضحكة مالية وشه؛ ضحكة الراجل اللي حاسس إنه

انتصر وكسرني.
أمه كانت جاية معاه، وأمي أنا كمان كانت جاية.. قال إيه عشان تساندني، أو يمكن عشان تتفرج على كسرتي وخراب بيتي، مكنتش قادرة أحدد نيتها بصراحة.
الإجراءات مأخدتش أكتر من تلت ساعة.. تلت ساعة كانت كفيلة تمسح تمن سنين جواز من الدفاتر والقانون.
المأذون بص في ورقنا وقال الطرفين موافقين على الطلاق بكامل إرادتهم ومن غير إجبار؟
راجح رد بسرعة والغل باين في صوته أيوا يا مولانا، موافق طبعاً.
أنا هزيت راسي وبس.
المأذون ختم الورق.. صوت الختم وهو بينزل على الورق كان عادي أوي، ملوش أي صدى، زي باب بيتقفل براحة.. خلاص، كل حاجة خلصت، مفيش مزيكا حزينة، مفيش عياط ودموع.. يدوب حبر على ورق وخلاص.
برة المكتب، راجح حط قسيمة الطلاق في الفايل بتاعه وبصلي وهو بيتبسم بشماتة يلا.. خدي بالك من نفسك.
أمي كانت واقفة جنبه، باصة لي بشفقة مصطنعة وقالت يا بنتي اطلعي بالمعروف، وراجح مش مقصر في حاجة، ده أنتي اللي مكنتيش ماليّة عينه.
أنا وقفت، نفضت هدومي بهدوء، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت راجح يستغرب ويقف مكانه.
قلت بصوت عالي وواضح، والهدوء بيملأ كل ركن في المكتب عندك حق يا راجح.. أنا فعلاً مكنتش مالية عينك، لأني كنت دايماً بحاول أعيش على قدك، عشان مكسرش عينك بفلوسي.
راجح ضحك بسخرية فلوسك؟ مرتبك اللي يدوب بيجيب خضار البيت؟
طلعت ورقة اللوتاري من شنطتي، ووريتها لهم ببطء. الورقة دي قيمتها مية مليون . كسبتها قبل ما أوصل البيت بليلة واحدة.
السكوت حل على المكان.. راجح كان عينه هتنط من مكانه، وأمي وشها بقى أصفر فجأة.
كملت كلامي وأنا ببص في عينيهم واحد واحد كنت ناوية أشارككم الخبر، وكنت فاكرة إنكم عيلتي اللي هتفرح لي.. بس ليلة ما وصلت،

وأنا واقفة عند الباب، سمعتكم بتوزعوا التعويض عليّ وعلى إخواتي، وسمعت أمي وهي بتبيعني، وسمعتك يا راجح وأنت بتطردني من بيتي.. فقلت لنفسي ليه أضيع نعمة ربنا على ناس باعتني بمليون ولا اتنين؟
راجح خطى خطوة ناحيتي، صوته كان بيرجف فريدة.. إحنا.. إحنا كنا بنهزر، إيه اللي بتقوليه ده؟
أمي قربت وهي بتمد إيدها عايزة تلمس كتفي يا بنتي، إحنا أهلك، إحنا مكنش قصدنا، ده كان اختبار ليكي يا حبيبتي..
بعدت عنهم خطوة، وضحكت ضحكة عالية، ضحكة مليانة حرية اختبار؟ تمام، أنا نجحت في الاختبار واكتشفت إنكم أفقر بكتير من إنكم تشتروا ضفري بفلوسكم دي. الورقة دي في جيبي دلوقتي، ومية مليون هيبدأوا رحلة جديدة من بكرة.. بس من غيركم.
أحمد وكريم، إخواتي اللي كانوا واقفين وراهم، بصلهم بصة احتقار.
بصيت لراجح للمرة الأخيرة وقلت الورقة اللي في إيدك دي يا راجح.. دي أغلى قسيمة طلاق اتعملت في تاريخ البلد، لأنها حررتني من جوز طماع، ومن عيلة باعت بنتها عشان قرشين و اعمل حسابك أن اول قضيه هرفعها هى حضانة ابنى
طلعت من المكتب، وسبتهم ورايا في حالة من الذهول والانهيار. خرجت للشارع، الهواء كان طعمه مختلف، طعم الحرية اللي ملوش تمن.
ركبت عربية أجرة، وبصيت من الإزاز على الناس، ولقيتني بقول للسواق طلعني على المطار.. عايزة أروح مكان ما يعرفنيش فيه حد.
الحياة بدأت دلوقتي بس.
تلات شهور عدوا.. وإسكندرية بقت هي بيتي ومكاني، الشغل كان واكل يومي كله ومخليني مش بفضى. فلوس اللوتاري ملمستش منها مليم، كلها حطيتها في استثمارات مشغلاها شركة إدارة أموال خاصة وكبيرة، مشريتش قصر، ولا عربية فارهة، ولا شنط براندات.. الفلوس كانت قاعدة في البنك وبتزيد وبتكبر.
وفي يوم بالليل، جالي تليفون من كريم أخويا الصغير.. كنت هقفل ومردش، بس قلت أشوف وراه إيه.
فريدة.. صوته كان متغير ومخنوق.
في إيه يا كريم؟ خير؟
أخد نفس طويل وراحت كل حاجة متبخرة ومنفجرة؛ شركته الناشئة اللي كان عاملها فلست وقفت، وفلوس التعويض بتاعة البيت اللي أخدها كلها طارت في الهوا بعد ما دخل بيها بورصة واستثمارات غلط واستلف عليها كمان، العربية الأودي البنك سحبها منه عشان الأقساط، وخطيبته سابته وفستخت الخطوبة لما عرفت إنه فلس.
فضلت ساكتة كذا ثانية ومش بنطق.. مش شماتة ولا فرحانة في مصيبته، بس افتكرت لما كان عيل صغير وبيجري ورايا في البيت، واليوم اللي عيط فيه عشان عيل في المدرسة سرق الساندوتش بتاعي أنا مش بتاعه هو.. الدنيا بتغير الناس، وترجع الأيام تلف وتغيرهم تاني.
سألته وعايزني أعملك إيه يا كريم؟
ولا حاجة يا فريدة.. أنا بس كان نفسي اسمع صوتك.
الكلمة دي هزتني وصدمتني أكتر من خبر إفلاسه وضياع فلوسه.. جملة بسيطة بس طلعت بجد.
وبعدها بشهر، أحمد كلمني.. حاله مكنش أحسن من كريم؛ استثماراته في العقارات وقعت في الأرض وعلاقته بخطيبته كانت بتموت وهو نفس اتهد وبقى باين عليه الكبر والتعب.
الغريبة إن مفيش حد فيهم طلب مني قرش واحد، ولا حتى تلميح.. يمكن لسه فيهم حتة كبرياء، أو يمكن حاسين بالذنب والكسوف مني.. جايز الاتنين مع بعض.
لحد ما جالي التليفون اللي كنت عارفة إنه هيجي عاجلاً أو آجلاً.. أمي.
فتحت الخط، وأول كام ثانية مكنش فيه غير صوت نفسها وهي بتنهج، وبعدين قالت أنتي طيبة وبخير يا فريدة؟
مسألتنيش أنتي فين؟، ولا هتيجي إمتى؟، ولا حتى مشيتي ليه؟.. سألت بس أنتي بخير؟
كنت قاعدة في مكتبي وبصة على أضواء العربيات في الشارع من ورا الإزاز، سؤال بسيط بس جه متأخر عشر سنين كاملين..
أنا كويسة يا أمي وبخير.
سمعت صوت شهقة وعياط.. أمي كانت بتعيط، الست القوية اللي عمرها ما نزلت دمعة، حتى يوم جنازة أبويا مدمعتش!
قالت وهي بتشهق إخواتك حالهم واقف وتعبانين أوي يا بنتي…
غمضت عيني.. أهي رجعت تاني لعادتها القديمة، لسه مخلصتش؛ كل حاجة في الكون لازم تلف وتدور حوالين الصبيان وبس! فضلت ساكتة ومرديتش عليها.
فضلت مستنية ومستنية.. لحد ما سمعتها بتهمس بصوت مبحوح أنا كنت غلطانة يا فريدة.. أنا ظلمتك.
الكلمة كانت طالعة منها بصعوبة وكأنها بتدبحها.. وفضلت أنا برضه ساكتة، مش قسوة مني، بس فيه حقايق في الدنيا محتاجة مساحة وسكوت عشان تبان، والناس بتغلط لما بتجري تملا الفراغ بالكلام وخلاص.
أمي فضلت تتكلم وتفضفض.. سنين من الندم والذكريات والأعذار والاعترافات؛ كلام نصو يتفهم ونصو ملخبط، البني آدم لما بيقرر يقول الحقيقة فجأة بيبقى مكركب ومشوش.
ولما خلصت كلامها خالص، كل اللي قلتهولها أنا عارفة يا أمي.. ومزدتش كلمة تانية.
مرت شهور، وداخلين على سنة كاملة.. حياتي بقت مستقرة وهادية جداً. وفي يوم العصر، السكرتيرة خبطت على مكتبى وقالتلي يا فندم، في ناس برة عايزين يقابلوا حضرتك.
رفعت عيني وبصيت من الإزاز.. كانوا تلاتة واقفين برة أمي، وأحمد، وكريم.
محدش فيهم تحرك من مكانه لأول وهلة، وأمي عينيها كانت بتلف في المكتب؛ الحوائط الإزاز، لوجو الشركة الكبير، الموظفين اللي بيعدوا عليا ويسلموا باحترام.. الدور الإداري كله بتاعى.
ملامح الفهم والذهول بدأت ترتسم على وشها بالبطء؛ مش عشان شافت عز ولا غنى، عشان فهمت أخيراً إني قدرت أبني كيان واسم لوحدي.. من غيرهم، ومن غير ما أستنى إذن من حد، أو موافقة من مخلوق، ومن غير ما أقعد في الركن أستنى حد يختارني.
بصتلي

وبصت للمكتب وتاني بصتلي وقالت أنتي اللي عملتي كل ده يا فريدة؟
ابتسمت وقلت مش بالظبط كدا.
يعني إيه؟
يعني تعبت واشتغلت.
محدش نطق.. ونزلنا قعدنا في كافيه نشرب شاي؛ شاي بس، مش غدا ولا عشا، الشاي كان أأمن وأخف عليهم وعليا.
لما الشيك بتاع الحساب جه، أحمد مد إيده عشان يدفع، وكريم برضه مد إيده.. جالي ضحكة مكتومة؛ الحركة كانت مكسوفة ومتأخرة أوي.. بس كانت حقيقية وطالعة من قلبهم.
خرجنا من الكافيه والشمس كانت بتغيب ورا العمارات، وأمي كانت ماشية جنبي.. مش قدامي، ولا ورايا.. جنبي بالظبط. حاجة صغيرة وتفصيلة تافهة ممكن ملمحهاش، بس الحياة الحقيقية ديماً بتستخبى في التفاصيل الصغيرة دي.
وعند العربيات في البارك، راحت ماسكة إيدي فجأة.. نفس المسكة

اللي كانت بتمسكهالي وأنا عيلة صغيرة، وسكتنا احنا الاتنين لثواني، وبعدين سألتني بصوت واطي هتقدري تسامحيني يا فريدة؟
بصيت في عينيها أوي.. شعرها الأبيض، وعينيها التعبانة، والندم اللي شايلاه فوق كتافها زي شنطة تقيلة ملهاش آخر..
التسامح ده شيء غريب أوي؛ الناس فاكرة إنه بيجي فجأة كأنك فتحت كبس النور، بس هو مش كدا.. ساعات التسامح بيكون مجرد إنك تاخد قرار بإنك مش عايز تفضل شايل السكينة اللي جرحتك في إيدك وتوجع نفسك بيها أكتر.
رديت عليها بكل صراحة مش عارفة يا أمي.. بس أنا عندي استعداد أحاول.
عينيها دمعت في ثواني وقالت وده كفاية أوي يا بنتي.. كفاية وزيادة.
أما بالنسبة ل راجح.. فكنت بسمع أخبار عنه طشاش كل فين وفين؛ الدنيا م مشيتش معاه زي ما كان متخيل خالص. الست اللي سابني عشانها وطلقني سابته هي كمان بعد فترة، والترقية اللي كان فرحان بيها طارت في الهيكلة الجديدة بتاعة الشركة، والشقة اللي حارب وعمل المستحيل عشان ياخدها ويطردني منها باعها بعد سنتين عشان يسد ديونه.
آخر حاجة عرفتها إنه ساب البلد كلها وراح يبدأ من جديد في محافظة تانية..
مبقتش حاسة بأي حاجة ناحيته؛ لا شماتة، ولا غل، ولا رغبة في الانتقام.. مفيش، أبيض.. وده في حد ذاته هو منتهى الحرية، لأن عكس الحب مش الكره.. عكس الحب هو اللامبالاة والنسيان.
بعد كذا سنة من ليلة العيد دي.. كنت برتب شوية ورق وقدامي قسيمة الطلاق القديمة، الورقة كانت اصفرت شوية ودبلت. قعدت على مكتبي وبصيت لها.. وبعدين ضحكت من قلبي.
مش ضحك على راجح، ولا على أمي، ولا حتى على الفلوس.. ضحكت لأني فهمت أخيراً إيه هي أكبر وأعظم هدية كانت مستخبية جوة ورقة اللوتاري دي.
الهدية مكنتش المية مليون، ولا الأمان المادي، ولا النجاح الشغل.. الهدية كانت التوقيت.
لو الأرقام دي كانت طلعت قبل ليلة العيد بيوم واحد بس.. كان كلهم كدبوا عليا ولبسوا الوشوش الطيبة.
لكن القدر استنى ودبر كل حاجة.. أخرها يوم واحد بس، يوم واحد كان كفيل يخلي كل الأقنعة تقع وتتكشف الوجوه على حقيقتها من غير تجميل قبل ما الفلوس تيجي.
وعشان اليوم ده.. أنا شفت كل الناس على حقيقتها، وشفت نفسي أنا كمان وعرفت قيمتها.
طويت الورقة نصين، وحطيتها في مفرمة الورق.. وفضلت واقفة اسمع صوت المكنة وهي بتحول آخر حتة من حياتي القديمة.. لتراب ملوش أي أثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *