صاحبي استأمني على عرضه ج 4 والاخير
وقفت قدامها متجمد، مش قادر أستوعب. دي مراتي؟ الست اللي شاركتني لقمة العيش، اللي كانت بتدعيلي كل يوم وأنا نازل المحل؟ ملامحها اللي كنت بشوف فيها الأمان، اتحولت فجأة لوش بارد، غريب، مفيهوش ذرة رحمة.
قلت بصوت متهدج: “إنتي؟ إنتي اللي كنتِ بتحركي كل الخيوط دي؟ طب ليه؟ إحنا كان ناقصنا إيه؟”
ضحكت ضحكة قصيرة، خالية من أي إحساس، وقالت وهي بتقرب مني خطوة: “ناقصنا إيه؟ كان ناقصنا نعيش عيشة الناس اللي فوق، مش نفضل طول عمرنا في محلات الصيانة والديون. إبراهيم كان مجرد أداة، نهلة كانت واجهة، وأنا.. أنا كنت العقل اللي بيرتب الخطوات. إنت كنت ‘الكنز’ بتاعي يا أحمد، كنت بتقدر توصل لأي داتا، لأي حساب، لأي سر، وأنا كنت بستخدم ثقتك فيا عشان أوجهك من غير ما تحس.”
بصيت لها بذهول: “يعني كل ده كان تمثيلية؟ حتى حبك ليا؟”
قالت ببرود وهي بتطلع موبايلها وبتبص فيه: “الحب رفاهية يا أحمد، وأنا مكنتش بشتري رفاهية، كنت بشتري مستقبل. إنت اللي كنت غشيم، فاكر الدنيا بالبساطة اللي إنت عايش فيها دي. كان لازم تخلص اللعبة لما إبراهيم بدأ يغلط، بس إنت كنت لازم تتدخل وتكشف المستور.”
حاولت أتحرك ناحية الباب، بس هي كانت سابقة بخطوة، سحبت مسدس صغير من درج الكومودينو، وصوبته ناحيتي. “لا يا حبيبي، اللعبة مخلصتش، إحنا لسه في مرحلة ‘التصفية’. إبراهيم راح، والشركة اللي كنت شغال معاهم مفيش حد منهم هيفلت، وأنا محتاجة ‘كبش فداء’ جديد عشان أخرج من الحكاية دي نضيفة. ولقيت مين أحسن منك؟ جوزها اللي كان بيحاول يحل قضية وطلع هو اللي ورا كل حاجة.”
كنت بسمع كلامها وأنا حاسس بقلبي بيتقطع. مش من الخوف من الموت، لكن من خيانة أغلى إنسانة في حياتي. “إنتي شيطانة.. إنتي مش بشر.”
ردت بهدوء: “أنا مجرد ناجية.”
فجأة، نور الأوضة بدأ يرمش، وسمعت صوت عربيات شرطة بعيد بتقرب. وشها اتغير، بدأت تتوتر. “ده إيه ده؟ إنت بلغتهم؟”
قلت لها بابتسامة باهتة: “أنا مش بس كنت بصلح الموبايلات يا سارة.. أنا كنت عارف إن في حاجة غلط من فترة. كنت مسجل كل مكالماتك، ومبرمج موبايلي يبعت نسخة احتياطية لكل ملفاتي للضابط اللي كان متابع قضية إبراهيم، تلقائي، أول ما أفتح ملفاتك.”
بدأت تتوتر أكتر، وبدأت تخبط على الباب بعصبية: “إنت كداب! إنت مكنش عندك وقت تعمل كدة!”
سمعت صوت كسر الباب بره، وصوت صراخ الشرطة: “الشرطة! ارمي السلاح!”
سارة بصتلي نظرة غل، وصوبت المسدس ناحية صدري. “لو أنا ضعت، إنت مش هتعيش عشان تشمت فيا.”
في اللحظة اللي ضغطت فيها على الزناد، رميت نفسي على الأرض، الرصاصة عدت فوق راسي وكسرت إزاز الشباك. هجمت عليها، المسدس وقع من إيديها، وبدأنا نتصارع. كانت بتصرخ، بتخربش، بتحاول توصل لأي حاجة تدافع بيها عن نفسها.
قوات الشرطة دخلت الأوضة، وشفت الضابط اللي عرفته في قضية إبراهيم، نزلوا علينا وخلصوني من إيديها. سارة كانت بتصرخ: “إنتوا فاهمين غلط! هو اللي عمل كل ده! هو اللي كان بيخطط!”
الضابط بصلها ببرود، وطلع موبايل من جيبه: “اسكتي يا سارة.. كل حاجة متسجلة.”
سحبوها من الأوضة، وهي بتصرخ وتلعن فيا. وقفت مكاني، حاسس بإن كل طاقتي خلصت. كنت لسه ماسك هدومي المقطعة، وبصيت للأوضة اللي كانت يوم من الأيام “بيتنا”، لقيتها دلوقتي مسرح ج*ريمة.
الضابط قرب مني: “إنت كويس يا أحمد؟”
هزيت راسي بـ “لأ”. “مش كويس خالص يا فندم. بس الحقيقة.. الحقيقة طلعت أبشع مما كنت أتخيل.”
خرجت من البيت، وقفت في الشارع، والجو كان فجر. الدنيا كانت بتبدأ تصحى، ناس رايحة شغلها، عيال رايحة مدارسها، حياة ماشية عادي خالص، وكأن مفيش جحيم حصل جوه الأوضة دي.
إبراهيم في السجن، نهلة بتبدأ حياة تانية، وسارة.. سارة هتقضي عمرها ورا القضبان. وأنا؟ أنا طلعت من الحكاية دي ومعايا أكتر حاجة كنت بخاف منها.. “الحقيقة”.
مشيت في الشارع من غير هدف. المحل بتاعي؟ مكنتش عايز أشوفه تاني. الموبايلات؟ بقيت أكره حتى فكرة إن حد يطلب مني أصلحه. كنت محتاج أبعد، محتاج أنسى.
بعد كام ساعة، لقيت نفسي واقف قدام المحل. كان مقفول، والشريط الأحمر لسه عليه من آثار التحقيق. بصيت لللافتة “صفحة روايات واقتباسات”.. كانت مجرد كلام، خيال. بس اللي عيشته كان واقع أقسى من أي رواية.
طلع موبايلي من جيبي، رنة غريبة. رسالة تانية من رقم مجهول.
“مبروك يا أحمد.. طلعت ذكي، بس لسه فيه حلقة أخيرة ناقصة.”
بصيت للرسالة، وبصيت للمحل. يعني إيه حلقة أخيرة؟ مين لسه ناقص في الحكاية؟ إبراهيم، نهلة، سارة.. الكل اتمسك. مين الشخص اللي ممكن يكون ورا الرسالة دي؟
رجعت البيت تاني بعد ما خلصت أقوالي في القسم. كان البيت هادي بشكل موحش. دخلت أوضتي، وفتحت اللابتوب للمرة الأخيرة. دخلت على “سيرفر” المحل، وبدأت أدور في ملفات تانية، ملفات قديمة، حاجات مكنتش ركزت فيها.
لقيت ملف بعنوان “الأرشيف”. فتحته، لقيت صور.. صور ليا أنا، وصور لكل الناس اللي اتعاملت معاهم، صور في المحل، في الشارع، حتى في بيتي. وتاريخ الصور دي بيرجع لـ 10 سنين ورا!
يعني أنا كنت مراقب قبل ما إبراهيم يدخل حياتي أصلاً؟
لقيت ملف مكتوب عليه “مشروع المراقبة”. فتحته، ولقيت فيه تقرير كامل عن حياتي، عن شغلي، عن عيلتي، حتى عن ذكرياتي اللي كنت فاكرها سرية.
والتقرير ده.. كان ممضي باسم “صاحب العمل”.
مين “صاحب العمل”؟ قلبت في الملفات، لحد ما وصلت لصورة.. صورة راجل عجوز، كان بيجي المحل كل فترة، بيطلب مني حاجات بسيطة، كان بيبان عليه الطيبة والهدوء.
صاحب المحل اللي كنت بشتري منه القطع الغيار؟ الراجل اللي كان بيمدني بكل الأدوات اللي بستخدمها؟
الراجل ده مكنش مجرد تاجر.. كان هو اللي بيحرك “صاحب العمل” الحقيقي.
مسكت الموبايل، وبدأت أكتب كل ده في تقرير مفصل للضابط. كنت لازم أخلص من اللعبة دي نهائياً. بس قبل ما أدوس على زرار “إرسال”، الباب خبط خبطتين.. خبطتين ورا بعض.
صوت من بره قال: “أحمد.. افتح. أنا عارف إنك اكتشفت كل حاجة.”
تجمدت في مكاني. الصوت ده.. أنا عارفه كويس. ده صوت الراجل العجوز.
قربت من الباب، وبصيت من العين السحرية. كان واقف، وماسك عصاية، وواقف وراه اتنين لابسين لبس أسود.
“افتح يا أحمد.. إحنا مش جايين نأذيك، إحنا جايين ننهي الحكاية.”
أنا عارف إني في وش المدفع، وعارف إن المرة دي مفيش شرطة، مفيش نهلة، مفيش إبراهيم. المرة دي.. أنا لوحدي.
مسكت الموبايل، وبصيت لزرار “إرسال”. ضغطت عليه، ورميت الموبايل في الأرض وكسرته.
بدأت أجهز نفسي للمواجهة الأخيرة. فتحت درج المكتب وطلعت العدة اللي بستخدمها في الشغل، مفك، سلك كهرباء.. أي حاجة ممكن تكون سلاح.
“الحلقة الأخيرة هتبدأ دلوقت يا أحمد..” سمعت صوته من بره تاني وهو بيضحك ضحكة هادية، ضحكة إنسان واثق إنه متحكم في كل خيط.
فتحت الباب، ووقفت قدامه، بصه في عينه من غير خوف. “خلصنا.”
وقفت قدامه، والباب مفتوح على آخره. الراجل العجوز – “عم منصور” زي ما كنت بسميه – كان واقف بهدوء مريب، ملامحه اللي كانت دايما بتديني إحساس بالأمان، دلوقتي بقت زي قناع لوش مرعب ما وراهوش غير سواد. الاتنين اللي واقفين وراه كانوا زي تماثيل، عيونهم في الأرض، بس إيديهم كانت مخبية حاجات تحت جواكتهم.
عم منصور بص لي بابتسامة خفيفة، وكأنه داخل يزورني في البيت مش جاي ينهي حياتي. قال بصوت هادي كأنه صوت حد بيقرأ كتاب: “برافو عليك يا أحمد. كنت أذكى من إبراهيم، وأذكى من نهلة، وأذكى بكتير من سارة. الحقيقة إننا كنا بنراقبك عشان نشوف مين فيكم اللي يقدر يوصل للنهاية.”
قلت له وأنا ضاغط على المفك في إيدي لحد ما عقل صوابعي وجعني: “تراقبوني ليه؟ أنا مالي ومال كل ده؟ أنا كنت مجرد واحد فاتح محل صيانة، ماليش في سكة التجسس والابتزاز بتاعتكم دي!”
عم منصور دخل خطوة جوه البيت، والاتنين اللي وراه دخلوا وراه وقفلوا الباب. قال وهو بيشاور بعصايته على الأوضة: “إنت مكنتش مجرد فني صيانة يا بني. إنت كنت ‘الخوارزمية’ البشرية اللي بنحتاجها. إنت اللي طورت أدوات استرجاع بيانات مكنش حد يقدر يوصلها غيرك. إحنا كنا بنستخدمك عشان نختبر كفاءة البرمجيات اللي بنطورها في مراقبة الناس. إبراهيم، نهلة، سارة.. كل دول كانوا مجرد ‘حقول تجارب’. وإنت كنت الشخص اللي بيجمع النتائج.”
حسيت بمرارة في حلقي. “يعني أنا كنت شغال عندكم من غير ما أعرف؟ كنت بتدوني قطع غيار، وتسهيلات، وتخلوني أصلح تليفونات الناس عشان… عشان إيه؟”
“عشان نكشف المستور يا أحمد.” قالها وقعد على الكرسي اللي كان في الصالة وكأنه في بيته. “الناس اللي في المنطقة دي، الناس اللي بيتعاملوا معاك، كان فيهم رؤوس كبيرة. إحنا كنا محتاجين نبتزهم، نسيطر عليهم، نلوي دراعهم. وإنت كنت المفتاح.”
بصيت له بغل: “أنا مش هكمل معاكم. أنا بلغت البوليس بكل حاجة، والرسالة اللي بعتها قبل ما أكسر الموبايل فيها كل الأدلة اللي تدينكم.”
عم منصور ضحك، ضحكة خلت شعري يقف. “الرسالة اللي بعتها يا أحمد؟ الرسالة اللي كانت موجهة لضابط مباحث إنت فاكر إنه أمين؟ الضابط ده أول واحد في ‘كشف الرواتب’ بتاعي. الرسالة دي دلوقتي في إيدي أنا.”
طلع الموبايل بتاعي من جيبه – الموبايل اللي كنت فاكره في درج مكتبي – وفتحه قدامي. كانت رسالتي للضابط قدامه.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. كان بيضحك عليا، بيوجهني زي اللعبة، من أول ما دخلت في دوامة إبراهيم لحد اللحظة دي. “إنتوا مين؟ وعايزين مني إيه دلوقتي؟”
“عايزين ننهي ‘البرنامج’ يا أحمد. والبرنامج عشان يخلص، لازم يمسح كل الـ ‘داتا’ اللي فيه.. وأنت أغلى داتا عندنا.”
واحد من الرجالة اللي وراه بدأ يقرب مني، إيده بتتحرك ناحية جيبه. في اللحظة دي، مكنش قدامي غير حل واحد. مفيش بوليس جاي، مفيش نهلة هتدخل، مفيش حد هينقذني غيري أنا.
بصيت لعم منصور وقولت بصوت واثق ومفاجئ: “إنت فاكر إني كنت غبي للدرجة دي؟ إنت فاكر إن كل اللي عملته كان مجرد تجارب؟”
عم منصور بصلّي باستغراب: “تقصد إيه؟”
“أنا كنت عارف من أول يوم إنت مين. كنت عارف إنك بتراقبني، وعشان كدة، كل ‘أداة’ استرجاع بيانات صممتها، كان فيها ‘كود’ مخفي. كود بيبعت كل اللي بتعملوه، كل اللي بتسرقوه، وكل اللي بتراقبوه، على سحابة مشفّرة، لا أنت ولا كل رجالتك تقدروا توصلوا لها. والنهارده، في اللحظة اللي دخلتوا فيها بيتي، السحابة دي بدأت تبعت كل الملفات دي لوكالات الأنباء، ولمواقع الصحافة الاستقصائية، ولأكبر جهات أمنية في البلد. دلوقتي، اسمك وصورك وكل جرايمك بقت عند الكل.”
وجه عم منصور اتخطف. قام من مكانه بسرعة: “أنت كداب! السحابة دي مستحيل…”
“جرب تفتح اللابتوب بتاعك.” قولت له بتحدي.
الراجل اللي كان بيقرب مني وقف، وبص لعم منصور بتوتر. عم منصور طلع تابلت من جيبه، بدأ يكتب بسرعة، وشه بدأ يعرق، ويده بدأت ترتعش. “لا.. لا مش ممكن! ده بيحذف كل حاجة!”
“اتأخرت يا عم منصور.” قلت له وأنا ببتسم لأول مرة من سنين. “الداتا بقت عند الكل. دلوقت، مين اللي في وش المدفع؟”
في اللحظة دي، سمعت صوت “سيرينا” حقيقية. مش صوت سيرينة بوليس فاسد، دي أصوات عربيات تانية خالص، أصوات قوات مكافحة الإرهاب والجرائم السيبرانية اللي كانت مستنية إشارة واحدة عشان تقتحم المكان.
البيت اتملى بضرب نار في الهواء، وصراخ العساكر. عم منصور حاول يهرب، بس كان محاصر. الرجالة اللي كانوا معاه اترموا على الأرض وسلموا نفسهم. أنا وقفت مكاني، بتفرج عليهم وهما بيتكبلوا بالكلابشات، نفس المنظر اللي شفته لإبراهيم وسارة.
الضابط اللي دخل، كان وجهه غريب، مش الضابط اللي كنت أعرفه. قرب مني وقال: “أحمد؟ إحنا بقالنا شهور بنحاول نوقع الراجل ده في غلطة، ومفيش حد عرف يوصل له غيرك.”
بصيت لعم منصور وهو بيتسحب لبره، كان بيبص لي بنظرة حقد وذهول، كانه مش قادر يصدق إن ‘فني الصيانة الغلبان’ هو اللي خلص عليه.
بعد ما المكان هدي، والشرطة خدت الكل، قعدت على كرسي في الصالة. كنت لوحدي تماماً. المحل، الشغل، الأصحاب، الجواز، كل ده اتبخر.
وقفت قدام المراية في الصالة. بصيت لوشي.. كنت شايف إنسان تاني خالص. إنسان مش بس بيصلح تليفونات، إنسان كسر دايرة من الكذب والخيانة والتجسس كان ممكن تدمر ناس كتير.
فتحت شباك الأوضة، بصيت للسما. الشمس كانت بتبدأ تطلع، نور جديد، يوم جديد. خدت نفس طويل، وطلعت بره البيت. مشيت في الشوارع اللي كنت بخاف أمشي فيها، بس المرة دي، كنت ماشي وأنا حاسس إن الحِمل اللي كان على صدري اتشال.
مش عارف هروح فين، ولا هشتغل إيه، ولا مين اللي هثق فيه تاني. بس عارف حاجة واحدة.. إني مهما حصل، هفضل أحمد، اللي بيعرف يصلح اللي انكسر، بس المرة دي، مش تليفونات.. المرة دي، صلحت نفسي.
مشيت بعيد، وسبت البيت ورايا. الحكاية خلصت، بس الذكرى… الذكرى هي الحقيقة الوحيدة اللي مفيش حد يقدر يمسحها، ولا يعمل لها “فورمات”.
نهاية الحكاية.. كانت بداية لحياتي الحقيقية.



