علبة اكل زهرة الربيع ٤
الفيديو اللي كان شغال لايف على الشاشة مكنش في مكان غريب.. ده كان تصوير حي ومباشر لصالة شقتي حالا!
برقت عيني برعب وأنا شايفه نفسي على الشاشة قاعدة قدام اللاب توب في نفس اللحظة بالثانية! لفيت راسي بسرعة وبصيت ورايا وعلى السقف وأنا بجري عيني في كل ركن.. كان فيه كاميرا مخفية وصغيرة جداً متثبتة جوة فتحة التكييف في الصالة، وبتبث كل حركة وكل نفس ب تنفسه في البيت.
نزلت عيني بسرعة على الفايلات التانية اللي موجودة على الفلاشة، ولقيت فولدرات متقسمة بالتواريخ والشهور، وجواها تسجيلات كاملة ليا وأنا نايمة، وأنا بشتغل، وأنا غايبة عن الوعي تحت تأثير المادة المخدرة اللي كان بيحطهالي في العصير.
فتحت الفايل الأخير اللي كان متسجل من يومين بس، ولقيت فيديو لسامح وهو قاعد في الصالة بالليل مع شخص غريب مكنتش شفته قبل كده.. شخص لابس بدلة شيك جداً وبيتكلم بنبرة حادة وصارمة:
“اسمع يا سامح.. اللعبة كبرت والشرطة بدأت تشم خبر عن حسابات غسيل الأموال اللي باسم مروة.. البضاعة الجديدة هتوصل المينا الأسبوع الجاي، ولازم مروة تمضي على إذن الاستلام والشحن بصفتها صاحبة الموقع والشركة الوهمية.. وبعد ما تمضي، جرعة السم لازم تزيد وتنتهي الحكاية تماماً.. لو مروة ماتت قبل ما تمضي، أو لو شكت في حاجة وبلغت، رقبتك ورقبة أمك قصاد رقبتها.. إحنا مبنرحمش يا سامح، والمفتاح اللي معاك ده بتاع الخزنة اللي فيها العقود الأصلية، لو ضاع منك، اعتبر نفسك ميت.”
الفيديو خلص، وجسمي كله بقى يتنفض وزي ما أكون مشلولة.. المفتاح الغريب اللي لقيتة مع الفلاشة هو مفتاح الخزنة دي! وسامح مكنش شغال لوحده، ده كان مجرد عسكري في إيد شبكة دولية مرعبة، الشبكة دي هي اللي بتمول وتخطط، وسامح وأمه كانوا بينفذوا عشان الفلوس والورث.
والأخطر من كل ده.. إن الفيديو اللايف اللي شغال قدامي يعني إن فيه حد تاني بره بيتفرج عليا حالا وعارف إني كشفت الفلاشة والمفتاح!
وفجأة.. تليفون البيت الأرضي رن..
صوت الرنة في وسط السكون المرعب ده كان زي ضربة رصاص. مشيت بخطوات تقيلة ومرعوبة ناحية التليفون، رفعت السماعة وإيدي بتترعش.. مجاش أي صوت، غير نفس عميق وهادي، وبعدها صوت راجل غريب، نفس الصوت الصارم اللي سمعته في الفيديو من شوية، وهو بيقولي ببرود يجمّد الدم في العروق:
“مبروك يا مدام مروة.. نادراً لما حد بيوصل للفلاشة دي وهو عايش.. سامح وأمه غاروا في داهية وخلاص كارت وحرقناه، بس المفتاح والفلاشة اللي في إيدك دول يخصونا إحنا.. قدامك بالثانية نص ساعة؛ تلمي حاجتك وتاخدي المفتاح والفلاشة وتنزلي تلاقبي عربية سودا مستنياكي تحت البيت.. لو فكرتي تطلبي الشرطة أو تتحركي من مكانك، اعرفي إن الكاميرا اللي شيفاكي دلوقتي، متوصلة بجهاز تفجير صغير تحت سريرك.. نص ساعة يا مروة، يا إما الشقة كلها هتبقى رماد وأنتِ جواها!”
السماعة اتقفلت.. والخط قطع.. وبصيت على الشاشة لقيت عداد تنازلي رقمي بدأ يظهر فوق الفيديو اللايف.. وبدأ العد من ٢٩ دقيقة و٥٩ ثانية!
العداد الرقمي على الشاشة كان بيتحرك بسرعة مرعبة، والثواني بتسرق مني روحي.. 29:58.. 29:57..
الدموع اتمست من عيني تماماً وحل مكانها رعب مخليني مش قادرة أخد نفسي. بصيت على الشاشة اللي عارضة صورتي لايف، وبقيت حاسة إن عين الشيطان باصة عليا من جوة فتحة التكييف. لو اتصرفت أي تصرف غلط، أو لو لفت راسي وبصيت للكاميرا، هيفهموا إني بخطط لحاجة وهيضغطوا على الزرار.
نزلت عيني على المفتاح الصغير والفلاشة اللي في إيدي. دول طوق النجاة الوحيد للشبكة دي، ودول كمان حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبتهم كلهم زي ما لف حوالين رقبة سامح.
عقلي اشتغل بسرعة الصاروخ.. أنا كاتب روائية، وبقالي سنين بألف قصص وحبكات وخطط، ومستحيل قصتي تنتهي هنا على إيد شوية مجرمين!
قمت من قدام اللاب توب بهدوء تام، وحاولت أرسم على وشي ملامح الانهيار والاستسلام عشان اللي بيراقبني يصدق إني خلاص انتهيت. دخلت أوضة النوم، ومبصيتش تحت السرير خالص عشان ميشكش إني عرفت مكان القنبلة. فتحت الدولاب وطلعت شنطة يد صغيرة، وحطيت فيها الفلاشة والمفتاح.
وأنا واقفة في ضهر الكاميرا، طلعت تليفوني المحمول وداريته بجسمي تماماً وفتحت شات أستاذ حازم، رئيس أمن الشركة. أنا مكنتش أقدر أطلب الشرطة مكالمة صوتية عشان الصوت هيطلع في الكاميرا، وأستاذ حازم هو الشخص الوحيد اللي لسه مكلم الشرطة وعنده تواصل مباشر مع ضابط المباحث اللي قبض على سامح!
كتبت له برسالة سريعة وإيديا بتترعش:
“أستاذ حازم، أنا في خطر الموت! شقتي متراقبة بكاميرات لايف حالا وفيها قنبلة تحت السرير.. شبكة غسيل الأموال بتهددني تفجر الشقة لو منزلتش ليهم كمان ٢٠ دقيقة ومعايا مفتاح وفلاشة أدلة. كلم ضابط المباحث فوراً! يبعت قوة خاصة من بره بره ومن غير سرينة تحت البيت، ويراقبوا العربية السودا اللي مستنياني.. أنا هضطر أنزل عشان أحمي نفسي وأبعد عن القنبلة!”
عملت إرسال، وفي ثانية شفت العلامة الزرقا.. أستاذ حازم قرأ الرسالة وكتب بسرعة: “أنا مع الضابط حالا وبنحرك قوة مكافحة الإرهاب والمتفجرات فوراً.. انزلي يا مروة واكسبي وقت ومتبينيش أي حاجة!”
حطيت التليفون في الشنطة، وأخدت نفس طويل. العداد على اللاب توب كان وصل لـ 15 دقيقة.
خرجت للصالة، وقفت قدام المراية، وعدلت طرحتي بـإيد بترتعش، وأخدت الشنطة في إيدي. مشيت ناحية باب الشقة، وفتحت القفل، وخرجت وقفت في الممر الفاضي.. وأول ما قفلت الباب ورايا، حسيت إن جبل انزاح من على صدري.. أنا بقيت بره نطاق الانفجار!
نزلت في الأسانسير وقلبي بيدق زي الطبل. وصلت لبوابة العمارة، وبصيت من الزجاج.. الشارع كان هادي جداً، بس على بعد أمتار، كانت واقفة عربية سودا ومفييم زجاجها بالكامل، وموتورها داير وصوتها واطي ومرعب.
خطواتي كانت تقيلة كأني ماشية على مسامير. قربت من العربية، وفجأة الزجاج الوراني نزل ببطء.. وظهر من وراه الوش الصارم، الراجل اللي كان في الفيديو والي كلمني في التليفون!
بصلي بنظرة حادة زي الموس، وقال بنبرة هادية ومخيفة: “برافو يا مروة.. جيتي في المعاد بالثانية.. اركبي هاتي الحاجة وخلينا نخلص.”
فتحت باب العربية وركبت ورا جمبه، وأنا كلي بترعش، وطلعت الفلاشة والمفتاح من الشنطة ومديت إيدي بيهم: “الحاجة اهي.. أرجوك سيبني في حالي، أنا ماليش دعوة بيكم ولا بسامح!”
الراجل مد إيده وأخد الفلاشة والمفتاح بابتسامة نصر مرعبة، وقال للسواق: “اطلع بينا يا جابر.. والغي أمر التفجير.. الهانم هتيجي معانا رحلة صغيرة لحد ما نأمن طريق المينا.”
العربية بدأت تتحرك بسرعة، وأنا حسيت إن روحي بتتسحب.. هما مش هيسيبوني، هما هياخدوني معاهم ويموتوني في مكان تاني!
وفجأة.. ومن غير أي مقدمات.. الشارع كله اتقلب!
عربيتين ميكروباص أبيض ظهروا من العدم وكسروا على عربيتنا وقفلو الطريق تماماً! ومن ورا الشجر، ظهرت قوات خاصة مقنعة ومسلحة بالآلي، وحاصروا العربية السودا في أقل من ثانية!
الراجل اللي جمبي صرخ برعب: “كمييييين! ارفع الس*لاح يا جابر!”
السواق لسه بيمد إيده، بس الباب بتاعه اتفتح بعنف وعسكري ضربه بظهر الدبشك في وشه وقعه مغمى عليه، والضابط هجم على الباب الوراني وفتح الس*لاح في وش الراجل اللي جمبي وصرخ: “اثبت مكانك يا مجرم! الشرطة المصرية! ارفع إيدك لفوق!”
الراجل رفع إيده وهو بيترعش ووشه جاب ألوان، والضابط سحبه لبره وكلبشه في ثانية.
أنا نزلت من العربية وأنا مش مصدقة نفسي، ارتميت في الأرض وأنا بعيط وبضحك في نفس الوقت من كتر الهستيريا. ضابط المباحث قرب مني وقال بحزم: “حمد الله على سلامتك يا مدام مروة.. القوة طوقت المكان، وقوة المتفجرات داخلة العمارة حالا تفكك العبوة.”
أخد مني الفلاشة والمفتاح من إيد المجرم، وقال: “كده الشبكة كلها وقعت.. بالدليل والمفتاح والراس الكبيرة.”
حسيت إن الدنيا لفت بيا من كتر الإرهاق والصدمات، وقبل ما عيني تقفل وأقع من طولي، لمحت تليفون الراجل المجرم وهو مرمي على أرضية العربية وبيـرن.. والاسم اللي ظهر على الشاشة، خلاني أفتح عيني بصدمة أخيرة ورعب عمري ما عشته قبل كده!
الاسم مكنش اسم حد من العصابة.. الاسم كان مفاجأة هتقلب كل اللي فات رأساً على عقب في الجزء الأخير!
الاسم اللي كان بينور على شاشة التليفون المرمي في الأرض مكنش غريب.. كان مكتوب: **”ندى شغل”**.
الصدمة دي كانت القشة اللي قطمت ضهري. ندى؟! ندى اللي لسه سايباها في مستشفى السموم بين الحيا والموت؟ ندى اللي عيطت وقالت إن سامح هددها؟
الضابط سحب التليفون بسرعة وفتح الخط وفتح الاسبيكر وهو بيشاور لكل القوات بالسكوت التام.
صوت ندى طلع من السماعة، بس مكنش فيه أي تعب ولا بحة الموت اللي ورتهالي من ساعة.. كان صوتها قوي، حاد، ومليان غل وثقة وهي بتقول:
“إيه يا باشا؟ كله تمام؟ مروة نزلت بالمفتاح والفلاشة؟ طمني عشان أخلع أنا كمان من المستشفى قبل ما حد من النيابة يرجعلي.. اللعبة اتقفلت بالملّي ومروة لبست قضية غسيل الأموال وخلصنا من سامح وأمه في سكة واحدة!”
الأوضة والشارع والدنيا كلها فجأة وقفت. الراجل المجرم المتكلبش بص للأرض ووشه أسود، وضابط المباحث بصلي بنظرة صدمة وأسف وهو بيقفل الخط من غير ما ينطق بكلمة.
ندى مكنتش ضحية.. ندى كانت هي الراس المدبرة للشبكة دي كلها في مصر!
الخيوط كلها اتجمعت في دماغي في ثانية واحدة وزي الإعصار. ندى هي اللي كانت بتمشي الشغل المشبوه والموقع الإلكتروني، وهي اللي جندت سامح المحاسب الضعيف وأمه الطماعة عشان يخلصوا مني بالسم البطيء وياخدوا الشقة، عشان لما أموت، ندى تاخد الفلاشة والمفتاح وتسيطر على حسابات غسيل الأموال لوحدها ولحساب الباشا الكبير!
ولما خطة السم فشلت بسببي إني كنت ببدل الأكل، والتحاليل الطبية كشفت الموضوع، ندى لقت نفسها هتتكشف.. فعملت فيلم التسمم وغسيل المعدة، وادعت إن سامح مهددها، ورمت سامح وأمه والمحامي في المحرقة عشان تطلع هي بريئة، وتوجهني أنا للفلاشة والمفتاح عشان الباشا يستلمهم مني تحت التهديد، وأموت أنا في تفجير الشقة أو الاختطاف، وتطلع ندى من القصة زي الشعرة من العجين ومعاها ملايين غسيل الأموال!
الضابط زعق في اللاسلكي فوراً: “قوة حراسة المستشفى! التحفظ على المدعوة ندى فوراً.. المتهمة دي هي الراس المدبرة وشريكة في شبكة غسيل الأموال ومحاولة القت*ل!”
بعد مرور شهرين كاملين..
كنت قاعدة في قاعة محكمة الجنايات، لابسة أسود وهادية تماماً، الهشاشة والخوف اللي كانوا فيا اتمسحوا وبقى مكاانهم قوة جبارة.
بصيت على قفص الاتهام.. كان زحمة..
سامح واقف وشه في الأرض ودموعه نازلة من الندم والخزي، جمبه أمه بتلطم وتصرخ، وطليق أخته المحامي منهار.. وفي أخر القفص، كانت واقفة ندى.. وشها أصفر، وعينيها في الأرض، والكلابشات في إيدها بعد ما اتقبض عليها وهي بتهرب من باب المستشفى الخلفي.
القاضي خبط بالشاكوش، وهزت جدران القاعة جملته الشهيرة: “باسم الشعب..”
وجاء الحكم كالحممة الحارقة لتطهر حياتي من كل الشياطين:
* **الإعدام شنقاً** لسامح وندى والباشا الكبير بتهمة الشروع في الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتأسيس شبكة دولية لغسيل الأموال وتخريب الاقتصاد.
* **السجن المؤبد** لحماتي والمحامي بتهمة الاشتراك في التزوير وتدليس العقود والمساعدة في الشروع في الق*تل.
* **براءة مروة** من كل التهم وبطلان جميع عقود التنازل ووصولات الأمانة المزورة.
خرجت من باب المحكمة، والنور كان قوي لدرجة إنه عمى عيني للحظات. أخدت نفس عميق جداً لأول مرة من ست شهور.. نفس حقيقي ومفيش فيه ريحة شطة ولا ريحة موت.
بصيت للسما وابتسمت، وعرفت إن طاجن البامية المشطشط وعِلَب الأكل اللي كنت برفضها عشان حامية على معدتي، مكنتش مجرد صدفة.. دي كانت تدبير ربنا ورحمته اللي نقذت حياتي، وخلت المجرمين يقعوا في شر أعمالهم بنفس الس*لاح اللي جهزوه ليا.
قفلت الصفحة دي من حياتي للأبد، ومشيت وسط زحمة القاهرة وأنا حاسة إني اتولدت من جديد.. قوية، صاحية، ومحدش هيقدر يكسرني تاني.
