مرتب الزوجه ج3

عصام فضل واقف مكانه مبرق، بيبصلي بذهول وهو مش مستوعب إن الست الهادية والمطيعة، اللي كانت بتشيل وتستحمل من سكات وتدفع من جيبها عشان المركب تسير، هي نفسها الست اللي واقفة قدامه دلوقتي وبتحاصره بقوانين جافة مبتدّيش فرصة للهروب.

كان لسه هيفتح بقه عشان يزعق ويقولي “انتي اتجننتي؟ عايزاني أنا اطبخ وأمسح وأغير حفاضات؟!”، لكن قبل ما ينطق بحرف واحد، جرس الباب رن رنتين ورا بعض بقوة واستعجال.

عصام اتنفض وبص للباب بغيظ، وكأنه كان مستني أي حاجة تخلصه من المواجهة دي. مشي بخطوات واسعة ورزع الباب وهو بيفتحه، وقال بنبرة عصبية: “مين على السير ده دلوقتي؟!”

لكن ملامح وشه اتغيرت تماماً أول ما شاف اللي واقف على الباب. مكانش دليفري، ولا كان حد من أهله أو أهلي.. اللي كان واقف ورا الباب كان “الحاج فوزي”، صاحب العمارة اللي احنا مأجرين فيها الشقة، ومعاه راجل تاني غريب لابس بدلة وباصص في الأرض.

الحاج فوزي دخل خطوتين جوه الصالة وعلامات الضيق والجدية باينة على وشه، وقال بصوت جهوري: “السلام عليكم يا أبو مروان.. معلش جينا في وقت متأخر، بس الموضوع ميتأجلش للصبح.”

عصام اتلخبط، وحاول يبتسم ويغير نبرة صوته وقال: “وعليكم السلام يا حاج فوزي.. اتفضل، اتفضل جوه.. خير في حاجة؟”

الحاج فوزي مبصش للصالون حتى، وفضل واقف عند الباب وشاور على الراجل اللي معاه وقال: “ده الأستاذ مدحت المحامي بتاعي.. يا عصام يا ابني، انت عارف إن عقد إيجار الشقة بتاعكم مدته خمس سنين، والمدة دي انتهت من شهرين، واحنا مشيناها بالحب والأصول عشان ظروف ولادة الدكتورة وقيامها بالسلامة.. بس أنا جالي مشتري عايز يشتري الشقة دي تمليك كاش، وعارض رقم ميرفضوش عاقل.. وأنا جيت أبلغك إن العقد مش هينفع يتجدد، ومعاكم مهلة شهر واحد بس من انهارده عشان تخلوا الشقة وتشوفوا مكان تاني!”

الكلمات نزلت فوق دماغ عصام زي الصاعقة اللي طيرت اللي باقي من عقلُه. وشّه اتقلب ألوان، وبص للحاج فوزي بقلة حيلة وذهول وقاله: “شهر إيه يا حاج فوزي؟ انت بتقول إيه؟ أنا لسه مراتي والدة والواد صغير، ومقدرش أنقل في شهر، وبعدين الأسعار بره بقت نار، والإيجارات والتأمينات الجديدة محتاجة مبالغ وقدرها!”

الحاج فوزي هز راسه بأسف وقال: “والله يا ابني ده حقي، والقانون معايا، والمهلة دي قانونية وزيادة.. الأستاذ مدحت جهز الإخطار الرسمي بالإخلاء عشان تمضي عليه بالعلم.. اتفضل امضي هنا يا أبو مروان عشان نخلص الأصول.”

عصام إيده كانت بترعش وهو بيمسك القلم، وبصلي نظرة كلها انكسار ورعب.. نظرة راجل فجأة لقى نفسه مهدد يترمي في الشارع هو وعياله، وهو معندوش السيولة الكافية في البنك عشان يدفع مقدم شقة جديدة وتأمين وعمولة ومصاريف نقل وعفش، خصوصاً بعد ما خسر مرتب مرأته الحكومي اللي كان ساند ضهره بيه وهو مش داري.

مضى عصام وهو مغمض عينيه من القهر، والحاج فوزي أخد الورقة ومشي وقفل الباب وراه.

البيت رجع هادي تاني.. بس المرة دي، الهدوء كان مرعب. عصام فضل واقف ضهره للباب، وراسه ساندة على الخشب، ونفسه عالي وخارج بـ حشرجة مكتومة.

لف وشه وبصلي.. كانت عينه مكسورة، وكل الغرور والتحدي اللي كان بيتنطط بيهم من شوية اتمسحوا تماماً. قرب مني بخطوات بطيئة، وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق وقريب من العياط: “خراب ديار.. خراب ديار يا رب.. هجيب منين مقدم شقة جديدة دلوقتي؟ الإيجارات الجديدة بره أقل شقة بـ 7 و 8 آلاف جنيه، وعايزين تلات شهور مقدم وتأمين.. أنا معنديش المبلغ ده جاهز في البنك يا دكتورة.. الشغل والعيشة هدت حيلي.. هنعمل إيه في المصيبة دي؟”

قعدت مكاني بكل برود، ورفعت كاس الأعشاب وشربت منه ببطء، وبصيتله وعيني مفيهاش أي ذرة تعاطف، وقولتله بنبرة هادية وقاتلة:

“مش انت اللي قولت يا أبو مروان إن من أول الشهر الجاي المصاريف بالنص؟ خلاص.. شوف الشقة اللي هتعجبك، وتمن المقدم والتأمين والنقل احسبه كام، واقسمه على اتنين.. أنا هدفع نصي من شقايا وشغلي الخاص في عيادتي.. وانت عليك تدبر نصك التاني من مالك الخاص.. وريني بقى يا بطل النص بتاعك هتدبره إزاي، ولا هتروح تطلب مساعدة من أختك اللي كنت عايزني أجيبلها تليفون جديد على حساب تعبي؟!”

عصام رفع راسه وبصلي بصدمة وكأنه مش مصدق إن دي مراته اللي واقفة قدامه، ولسه هيتكلم ويترجاني، لقيت تليفوني بيرن برقم والدتي.. فتحت الخط، ولقيت أمي بتقولي بصوت مرعوب: “الحقي يا بنتي.. أختك هنا تعبت فجأة ونقلناها المستشفى والدكاترة بيقولوا…”

“الحقي يا بنتي.. أختك هنا تعبت فجأة ونقلناها المستشفى والدكاترة بيقولوا لازم تدخل العمليات حالا.. الزايدة هتنفرجر في بطنها!”

صوت أمي كان بيرعش والدموع مغرقاه، والكلام نزل عليا خلاني أنسى برودي وجفافي مع عصام في ثانية. “هنا” دي مش مجرد أخت، دي حتة من قلبي، دي اللي سهرت تحت رجلي وأنا عاجزة، ومستحيل هسيبها في محنة زي دي. وقفت فجأة، التليفون كاد يقع من إيدي، وقولت لأمي بصوت سريع: “أنا جاية حالًا يا ماما.. مستشفى إيه؟” أول ما قالتلي اسم المستشفى، قفلت الخط وبصيت لعصام اللي كان قاعد مبرق وبيسمع المكالمة.

مقولتلوش ولا كلمة، دخلت الأوضة طيران، لبست عبايتي وطرحتي، وشيلت مروان في حضني وأخدت شنطتي. عصام وقف على باب الأوضة وقال بنبرة مكسورة ومستغربة: “أنا هاجي معاكي.. دي هنا برضه مهما كان، والوقت متأخر ومش هتعرفي تتحركي بالواد لوحدك.”

بصيتله نظرة سريعة وخاطفة، وقولتله: “يلا.”

نزلنا بسرعة الصاروخ، ركبنا عربية عصام اللي كان بيسوق وهو ساكت، وعينيه على الطريق وعيني على مروان اللي بدأ يعيط من الخضة. وصلنا المستشفى، جريت على الطوارئ، ولقيت أمي وأخويا واقفين قدام باب العمليات، وأمي بتبكي بحرقة. أول ما شافتني أخدتني في حضنها: “الدكاترة قالوا لو كنا تأخرنا ساعة كمان كانت هتبقى كارثة يا بنتي.. الحمد لله لحقناها، بس طالبين مصاريف المستشفى والعملية تحت الحساب دلوقتي عشان يكملوا الإجراءات، وأخوكي لسه ممعاهوش المبلغ كامل.”

أخويا وقف محرج وباصص في الأرض وقال: “أنا معايا جزء يا دكتورة، بس الفيزا بتاعتي واقفة ومش عارف أسحب الباقي دلوقتي.”

قبل ما أنطق بحرف، وقبل ما أفتح شنطتي عشان أطلع دفتر الشيكات الجديد أو الفيزا الخاصة بعيادتي وشغلي، لقيت عصام بيتحرك من ورايا بخطوات سريعة. طلع محفظته، وطلع منها كارت الفيزا بتاعه، وتقدم لموظف الحسابات وقال بصوت جهوري وثابت: “احسب الحساب كله عندك يا فندم، واخصمه من الكارت ده.. وأي مصاريف تانية أو علاج أنا سادد فيه.. دي أختي الكبيرة قبل ما تكون أخت مراتي.”

أنا وقفت مذهولة، وبصيتله وعيني مش مصدقة اللي بيعمله. عصام دفع المبلغ كله، ومضى على الأوراق، ورجع وقف جنب أخويا وطبطب على كتفه وقاله: “جامد حيلك يا بطل، هنا هتقوم بالسلامة، واحنا أهل ومفيش بيننا الكلام ده.”

أمي بدأت تدعيله بدموع وفرحة: “ربنا يبارك فيك يا ابني، ويكبر بخاطرك ويزيدك من نعيمه.. أصيل وابن أصول طول عمرك.” وعصام كان بيبص للأرض ومحرج، وعينيه جت في عيني.. كانت نظرة اعتذار غير مشروطة، نظرة راجل فهم الدرس تالت ومتلت وعِرف إن الأهل والأصول هما السند الحقيقي لما الدنيا تضيق.

فضلنا واقفين تلات ساعات كاملين قدام باب العمليات. مروان نام على كتفي، وعصام جه براحة وأخده من حضني وقال بصوت دافي: “هاتي الواد ارتاحي انتي شوية، ضهرك لسه وجعك من الولادة.” ممانعتش، وسبته يشيله، وقعدت جنب أمي وأنا بدعي في سري.

أخيرًا، الدكتور خرج ووشه بيضحك: “الحمد لله يا جماعة، العملية نجحت ولحقنا الزايدة في أخر لحظة قبل ما تنفجر.. هي دلوقتي في الإفاقة، وساعة وتطلع أوضتها.”

الكل اتنفس الصعداء، وأمي وأخويا دخلوا يطمنوا عليها أول ما اتنقلت الأوضة. فضلت أنا وعصام واقفين في الممر لوحدنا. بصيتله وقولتله بنبرة هادية بس صافية: “شكرًا يا عصام.. اللي عملته ده مش هنساهولك.”

عصام اتنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من ضلوعه، وقرب مني وقال بصوت واطي ومليان ندم: “أنا اللي أسف يا دكتورة.. أسف على كل كلمة قولتها امبارح.. أنا لما لقى نفسي مهدد بالطرد من الشقة، ولما شوفت أختك بتموت بين إيدين ربنا، عرفت إني كنت غبي وأعمى.. الفلوس والمادة عمت عيني، ونسيت إنك شيلتيني وشيلتي بيتي سنين من غير ما تتكلمي.. أنا مش عايز نص بالنص، ولا عايز تقسيم خدمات.. أنا عايز مراتي حبيبتي اللي بتسندني وأسندها.. وموضوع الشقة الجديدة ده، أنا هصرف فيه وأتصرف لوحدي من تحت الأرض، ومش هطلب منك مليم واحد.”

لمست إيده بحنان، وحسيت إن الجبل الجليدي اللي كان بيننا بدأ يدوب.. بس وأنا لسه ببتسملة وهقوله “احنا واحد يا عصام”، لقيت أخويا خارج من الأوضة وش السهم، وباصص في تليفونه بذهول وبيقولنا بصوت مذهول:

“الحق يا عصام.. الحق يا دكتورة.. شوفوا صاحب العمارة الحاج فوزي نزّل إيه على صفحته دلوقتي حالا بخصوص الشقة بتاعتنا!!!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *