سيد لبنة بقلم احمد محمود شرقاوي

سيد لبنة

كان فيه شاب جارنا من ذوي الاحتياجات الخاصة اسمه (سيد لبنة) بيقعد ٢٤ ساعة في البلكونة ويفضل يراقب اللي رايح واللي جاي، شاب شكله غريب ولسانه تقيل ولابس هدوم مقطعة، وكان وسيلة تسلية كبيرة للأطفال اللي كانوا بيفضلوا يضايقوه ويشتموه ويعصبوه لدرجة إنه كان بيقف على سور البلكونة ويبقا خلاص هيرمي نفسه عليهم من العصبية، ودايمًا أنا اللي كنت بطلع أزعق للعيال عشان يمشوا وأفضل اعتذرله عشان ميتضايقش..

وفعلًا كان بيهدى أول ما يشوفني ويقعد تاني في البلكونة، أبوه كان راجل كبير حابسه تقريبًا في المكان الوحيد اللي بيحب يقعد فيه لأنه لو خرج مش هيرجع، وكان بيخرج يشتغل أجير باليومية ويسيب ابنه سيد في البلكونة بالبطاطين عشان لو الجو سقعة يتدفى وينام.

وأنا كانت عندي عادة مختلفة شوية، كنت كل يوم قبل ما أروح شغلي كنت بطلع أنا وبنتي الصغيرة نشتري الفطار وجبلها سندويتشات المدرسة، وكنا بنشتري رغيف طعمية لسيد، ودايما كنت بخلي بنتي تنادي عليه بصوت عالي..

ـ يا سيد يا لبنة..

وكان يقوم يتنفض من الفرحة أول ما يسمع صوتها ويفضل ينادي بلسان تقيل ويقول:

ـ يا مريم يا مريم..

وكانت بتلف الرغيف في ورقة جورنال وتحدفه ناحيته وكان بياخده وياكله ويفضل يشاورلها، ونرجع نفطر وأنا أروح شغلي وهي تروح مدرستها..

وحتى لما كنا بنتأخر كانت هي بتروح المدرسة وكانت بتصمم تعدي على سيد تحدفله الأكل قبل ما تمشي حتى لو هتتأخر، وأنا كنت حابب أعلمها ده من صغرها وازرع فيها حاجة كويسة..

لحد ما بنتي مريم رجعت في مرة من المدرسة وكانت حرارتها عالية ودايخة أوي، أمها اتصلت بيا ورجعت أجري وروحنا على المستشفى والدكتور طمني وقال إن البنت كويسة ومحتاجة راحة وأكل خفيف مش أكتر..

وسمعت صوت سيد بينادي عليها لكني تجاهلته لأني كنت مخضوض على بنتي ومش قادر أتكلم حتى، ولما رجعت البيت بدأت تخرَّج كل الأكل اللي في بطنها بتعب شديد، لدرجة إني كنت حاسس إن روحها هتخرج..

ولما بدأت تتحسن أخيرًا قالتلي إنها شايفة خيالات غريبة في الصالة، حاولت أطمنها إن دي خيالات ودخلتها تنام، لكن في نفس الليلة بالليل صحيت مفزوع على صوت بنتي وهي بتصحيني، كانت خايفة وبتقولي إن فيه قطة سودة في أوضتها، روحت على الأوضة ملقتش أي حاجة، لكن شكل البنت وخوفها خلاني أحس بقلق شديد، بنتي صغيرة بس بنت سابقة عمرها وواعية ومش بتتوهم..

في الوقت ده وفي صمت الليل سمعت صوت سيد لبنة بينادي عليها بصوته التقيل المعروف

ـ يا مررريم.. يا مررريم..

بصتله من البلكونة عشان يسكت لكنه فضل ينادي عليها كتير أوي لحد ما عصبني..

تجاهلته في النهاية على أمل إن بنتي تبقا كويسة تاني يوم، لكن البنت حالتها كانت بتسوء أكتر وأكتر، والغريب إني بقيت أرجع من الشغل ألاقيها قاعدة في البلكونة في البرد وعمالة تشاور لسيد لبنة وهو يشاورلها..

كانت المسافة مش قريبة لكن كانت البيوت كاشفة بعضها وشايفها وشايفاه كويس، ولما حاولت أدخل بنتي جوة اتعصبت واتضايقت ومكنتش عايزة تدخل أبدًا، وبقت هي تنادي على سيد وهو ينادي عليها بطريقة خلت الأطفال يضحكوا على بنتي، ولقيت نفسي مضطر أضــ,,ـــــربها وأدخلها بالعافية..

وأول ما دخلت مراتي استلمتني، قالتلي إن البنت اتجننت زي سيد المجنون، ومش بعيد تكون اتلبست بسبب أعمالي، وإنها ياما حذرتني إني أخليها تتعامل معاه بس أنا اللي كنت برفض..

والمرة دي فعلًا مردتش عليها لأن كلامها كان فيه شيء من الصواب، ويمكن هو السبب فعلًا، وزادت حالة البنت سوء أكتر وأكتر، وبقت بتصرخ وتتخانق وتزعق، وطول الوقت عايزة تطلع في البلكونة، وكل شوية سيد ينادي عليها وتبقا هتتجنن وتخرج كأنه عامل زي النداهة اللي بتنادي عليها..

وفضل الحال أيام طويلة لحد ما فقدت أعصابي، ومبقتش قادر أتحمل، البنت بتضعف وحالتها بتسوء، دايمًا خايفة وبتشوف كوابيس كتير، وطول الوقت عايزة البلكونة عشان تشوف سيد ويشوفها..

لحد ما رجعت في مرة من شغلي وشوفت مشهد مرعب، بنتي ماشية على سور البلكونة، وسيد قصادها عمال ينادي عليها وينط بطريقة غريبة، كأنه بيشجعها تنط، جريت وأنا مفزوع وطلعت شقتي ولحقتها وهي واقفة على السور، وطبعًا البنت جتلها حالة صرع وكانت هترمي نفسها بالعافية..

ولما هديت ونامت نزلت وأنا سامع لوم مراتي كالعادة إن أنا السبب في كل اللي حصل للبنت، كنت ناوي أروح لسيد أخلص عليه، هو السبب، هو اللي رد المعروف بالأذى، وهو أكيد مش مجنون وفاهم كل حاجة بيعملها كويس..

وروحت تحت البلكونة، وعنيا بتطلع شرار، لكني اتفاجئت بمشهد عجيب، سيد وقف على سور البلكونة ونط من الدور التاني ناحيتي، شوفته بيقع وقعة صعبة أوي وشوفته بيتجرح جرح كبير في ركبه، لدرجة إن الدم بقا بينقط على الأرض، لكنه تحامل على نفسه وشدني بسنانه من هدومي زي الحيوان، وبقا يجرني عشان أمشي وراه..

وغصب عني مشيت وراه، مشينا ربع ساعة وسط الغيطان لحد ما وصلنا للمقابــ,,ـــــبر، ووقف قدام قبــ,,ـــــر وحفر بإيديه لحد ما طلع قماشة جواها صورة بنتي ودم وكلام مكتوب، وقتها ابتسم ووقع مكانه لأنه مبقاش قادر يمشي وقال:

ـ مررررريم..

وقعت جمبه من الصدمة، وبكيت زي العيل الصغير، خدته بسرعة على المستشفى وغيرتله على الجرح والدكتور اضطر يخيطه، كنت بسمع وجعه وببكي عليه، ولما رجعت كلمت شيخ أعرفه وشاف العمل وأبطله بحمد الله وقالي ده عمل بالمرض والمــ,,ـــــوت والحمد لله ربنا نجاكم منه يابني..

وفضلت طول اليوم فاقد النطق، مراتي عرفت اللي حصل وانزوت على جمب وفضلت تبكي..

ـ ظلــ,,ـــــمناك يا سيد، ظلــ,,ـــــمناك يا مسكــ,,ـــــين وأنت طول الوقت بتحذرنا وخايف على بنتنا، ربنا جعلك سبب ومعرفش عرفت ازاي مكان السحر لكنك اللي طلعته..

متكلمتش مع مراتي كلمة، لكن روحت أسجد لله وأبكي واستغفر، لأني ظنيت انغي هخلي بنتي تعمل الخير وإننا هنتأذي، سوء ظن مع الله كبير، رغم إن أبويا علمني أعمل الخير ليل نهار، لأنه هيرفع عني كتير حتى لو مكنش واضح، ربك اللي بيدبر، وربك بيختبرك هل بتعمل الخير لوجهه ولا لغرض تاني..

بنتي اتعافت الحمد لله، وأنا اتعلمت درس قاسي أوي، إننا نعمل الخير، وولادنا يتعلموا يعملوا الخير، ويعلموا ولادهم يعملوا الخير، لأن (صَنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ) صحيح الجامع..

بقلم: أحمد محمود شرقاوي 🍀

…………….

ولو عجبتك القصة متنساش لايك وتعليق برأيك وشير مع أصحابك..

بقلم: أحمد محمود شرقاوي 🍀

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *