صافي هاني ج 2

قالت بصوت مسموع وواضح: “اوعى تزعل.. أنا وإبننا هنبقى كويسين، أهم حاجة نجاحك وإن حقك رجعلك!”، الجملة دي نزلت على قلبي زي صاعقة، حسيت إن روحي بتتسحب مني وأنا باصص لوشها الباهت الدبلان اللي ضحت بعمرها وصحتها عشاني، صرخت باعلي صوتي وأنا بطلب من الدكاترة ينقذوها بكل ما أوتوا من قوة، وفعلاً انقضُّوا عليها بجهاز الصدمات الكهربائية وبدأوا يحاولوا يرجعوا نبض قلبها المنتظم، وفي اللحظة اللي الجهاز عمل صوت صفير متصل ومخيف بيعلن توقف النبض، باب الأوضة اتفتح بعنف ودخلت الممرضة وهي بتجري وبتصرخ بصوت عالي: “الحق يا دكتور… النبض رجع! بس البيبي…”
“بس البيبي… نبضه ضعيف جداً ولازم نعمل عملية قيصرية طارئة حالاً في خلال دقايق وإلا هنخسر الاتنين!”، الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير، لقيت نفسي برتجف بالكامل، مسكت كتف الدكتور وصرخت فيه بصوت مرعوب: “اعمل كل اللي يقدرك ربنا عليه، أنقذ مراتي وابني وخذ حياتي لو طلبت!”, الدكاترة ما استنوش ثانية واحدة، جابوا الترابيزة المتحركة ودخلوا بيها غرفة العمليات السرية بسرعة البرق، وأنا اتصممت أقف قدام الباب وأنا باصص للأرض ودموعي نازلة بغزارة، الممرضة خرجت تجري وهي ماسكة ملف وقالتلي بلهفة: “محتاجين توقيعك فوراً على إقرار المخاطر للعملية الجراحية الحرجة”، مسكت القلم وإيدي بتترعش جامد ومش قادرة تتثبت على الورقة، وفجأة النور بتاع المساعدات الطبية جوه العمليات طفى واشتغل لوحده على مولد الطوارئ، وجهاز الانذار جوه بدأ يعمل صوت مزعج، وفي اللحظة دي، الممرضة التانية طلعت من باب العمليات وهي مذهولة وبتنادي عليا بصوت مرعب وقالت: “يا فندم.. الحقنا جوه، المدام فاقت وقالت للدكتور جملة غريبة قبل ما تفقد الوعي تماماً، بتقول…”بتقول للدكتور: “سيبني.. اطمن على ابني الأول، طارق بره بيموت من الخوف عليه!”، الجملة دي نزلت على ودني زي الصاعقة وأنا واقف قدام باب العمليات الملعون اللي حابس جواها كل حياتي، حسيت إن جدران المستشفى بتضيق عليا وإن الهوا اتقطع من صدري، مفيش ثواني ولقيت مساعد الدكتور طالع وهو بيجري وبيصرخ في الممرضات عشان يجيبوا أكياس دم إضافية بشكل عاجل، جريت عليه ومسكت هدومه من فوق بقوة وأنا أعصابي منهارة وصرخت في وشه بكل اللي باقي فيا من طاقة: “مراتي عاملة إيه يا بني آدم! ابني عايش ولا لا! اتكلم!”, بلع ريقه بتوتر وقبل ما ينطق بحرف واحد سمعنا صوت صرخة طفل ضعيفة جداً ومكتومة بتشق صمت الممر وبتعلن وصول روح جديدة للدنيا، صرخة كانت أشبه بطوق نجاة مرمي لغريق في وسط بحر هائج، الدكتور بصلي بابتسامة متعبة وقال وهو بياخد نفسه بصعوبة: “الحمد لله.. ربنا لطف بينا، الولد اتولد بس حالته حرجة جداً ومحطة الحضانات هتاخده فوراً، ومدام سارة دخلت في غيبوبة إرهاق ونزيف قدرنا نسيطر عليه في اللحظة الأخيرة”، الكلام نزل عليا زي براد مية ساقعة طفى نار صدري بس الخوف لسه جواه بيلعب، استنيت واقف قدام الأوضة وساعات طويلة مرت عليا كأنها سنين، لحد ما الدكتور خرج تاني ووشه بيطمن وطلب مني أدخل أشوفها لحظات قبل ما تنقل للأوضة العادية، دخلت على الأقمشة البيضاء والريحة المطهرة، لقيتها نايمة على السرير ووشها أبيض زي الورق وشفايفها ناشفة، قربت منها وبست إيديها المبللة بالعرق ودموعي نزلت على كفها، فتحت عيونها ببطء شديد وبصتلي نظرة ضعيفة ومليانة حب لا ينتهي، وقالت بصوت بالكاد بيطلع: “شفته يا طارق؟ ابننا كويس؟”، هزيت رأسي وأنا ببتسم غصب عني وقولت بصوت متحشرج: “كويس يا قلبي، شبهك بالظبط، وربنا نجاه عشان خاطرنا”، نزلت دمعة من عينها وقالت: “الحمد لله.. كده أقدر أرتاح وأنا مطمنة عليك”، سكتت ثواني وقفلت عينها وهي مستغرقة في نوم عميق وراحت في سبات طويل من التعب، سيبتها ترتاح وخرجت عشان أتابع إجراءات نقلها وأطمن على ابني في الحضانة، ولقيت في نفس اللحظة الموبايل بتاعي بيرتعش في جيبي، طلعته ولقيت المتصل محامي الشركة وبينه وبين نفسه بيقول بصوت مندهش ومندهش تماماً: “يا باشمهندس.. البوليس قبض على أمك وأخوك وكريم وباقي العصابة، بس اللعبة لسه مخلصتش، في مستند خطير جداً ظهر في الحسابات الشخصية لأمك ومكتوب فيه اسم شخص رابع خالص مكنش على الهامش ولا في الحسبان، والشخص ده بيبعتلك رسالة تحدي واضحة وبيقول فيها…””أنا اللي حركت كل خيوط اللعبة دي من وراء الستار، والضربة الجاية مش على شركتك.. دي على ابنك اللي لسه مولود!”، الجملة دي نزلت على عقلي زي صاعقة رعد شقت السما في عز الليل، الدم وقف في عروقي وحسيت إن الدنيا بتلف بيا ومبقاش قادر أوقف على رجلي، المحامي كمل كلامه بصوت ملهوف ومرعوب: “يا باشمهندس.. الرسالة دي اتوكلت حالا على النيابة ومعاها تسجيل صوتي للمجهول ده وهو بيوعد بتنفيذ تهديده خلال ساعات، الحقنا بسرعة قبل ما الكارثة تحصل!”، قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق بحرف واحد، وجريت زي المجنون في ممرات المستشفى وعيني شرارة من الغضب والخوف، مستحيل أسمح لأي مخلوق يقرب من ابني اللي لسه شايف النور حالا ولا أخليه يلمس شعرة من سارة بعد كل اللي عانته عشاني، وصلت قدام غرفة الحضانة الزجاجية، لقيت الممرضات متجمعات جوه بلهفة ومبرقات عينهم من الخوف، وجهاز مراقبة نبضات طفلي الصغير بيعمل صوت صفير متقطع وعالي بينذر بخطر كبير، فتحت الباب بعنف ودخلت جوه زي الطوفان، لقيت الدكتور المسؤول ماسك جهاز التنفس الصناعي وبيحاول يسعف الرضيع اللي وشه اتحول للون الأزرق المختنق، صرخت باعلي صوتي وأنا مش مصدق اللي عيني شايفاه: “ابني فيه إيه! مين عمل فيه كده!”، الدكتور بصلي ووشه كله عرق ومرعوب وقال بصوت متهدج: “الحق يا باشمهندس.. الرضيع اتعرض لحالة تسمم حاد في أكسجين الحضانات، وفي حد قدر يخترق السيستم ويدخل يغير نسبة الغازات قبل ثواني معدودة!”، حسيت إن روحي بتتسحب من جسمي والعالم كله اتقفل في وشي، قربت من الحضانة ويدي بتترعش بشدة وباصص لابني الصغير وهو بيصارع الموت، وقبل ما أنطق بحرف، الموبايل في جيبي رن بصوت عالي كسر صمت الغرفة، طلعته بيدي المرتعشة ولقيت رقم مجهول ظاهر على الشاشة، رديت بسرعة وبصوت كله غضب وانهيار وصرخت فيه: “إنت مين وعاوز إيه من ابني! اخلص انطق!”, جاني صوت بارد وواطي ومستفز بيضحك بسخرية على الناحية التانية وبيقول: “لعبتك انتهت يا طارق، وعلشان تعرف إننا مش بنهزر.. بص وراك كده على باب الحضانة واعرف مين اللي بينفذ أمر النهاردة بنفسه!”، التفت برعشة بطيئة ومرعبة ناحية الباب، ولقيت شخص واقف هناك لابس كحلي ومقنع، وماسك في إيده مفتاح السيطرة الرئيسي، ورافض يبعد عنه، وبيبتسم بشر وشماتة وهو باصصلي وعارف إن الحركة الواحدة مني هتنهي حياة ابني في ثانية واحدة، وفي اللحظة دي اتفتحت عيون ابني الصغير ببطء شديد وهو بيبصلي كأنه بيستنجد بيا، بينما صوت الإنذار جوه الأجهزة بيعلى وبيعلن إن الوقت بينفد وبسرعة البرق، وقبل ما المجهول يضغط على زرار فصل الأجهزة النهائي، نطيت عليه بكل قوتي وضربته بقمة غضبي ووقعت بيه على الأرض، واتشاجرنا بعنف شديد لحد ما قدرت أكتفه وأنا بصرخ في الحرس والأمن اللي وصلوا في اللحظة الحاسمة دي، الممرضات جريت على الحضانة ورجعت أجهزة التنفس تشتغل بانتظام، ونفست الصعداء وأنا باصص لابني اللي نبضه بدأ ينتظم ويرجع لطبيعته، لكن وأنا بشد القناع من على وش الشخص المقنع عشان أعرف مين الواطي اللي تجرؤ يعمل كده، اتفاجأت بصدمة عمرني ما كنت أتخيلها أبدًا، وشخصيته ظهرت قدامي واضحة وصريحة وخليتني أقف متجمّد مكاني من كتر الهول والمفاجأة الرهيبة! لما شلت القناع عن وش المقنع، اتصدمت لما لقيته “دكتور نبيل”، مدير المستشفى وأعز أصدقائي وذراع اليمين لشركة الأجهزة الطبية من سنين طويلة، وهو بيبتسم بسخرية ودم نازل من جبينه، وقال بصوت هادئ: “افتكرت إنك وحدك اللي بتلعب الصح يا طارق؟ أمك وكريم كانوا مجرد ستارة، أنا اللي رسمت كل خطوة من يوم ما أسست الشركة عشان آخد كل حاجة وأخلص منكم كلكم دفعة واحدة!”، الشرطة دخلت في اللحظة دي وسحبت دكتور نبيل بالكلابشات وهو بيصرخ بجنون وسط ذهول الكل، بس قبل ما يخرج بصلي نظرة أخيرة وقال: “افتكر إنك كسبت الجولة دي، بس لسه في مفاجأة مستنياك برا المستشفى!”، جريت على الحضانة طمنت على ابني ولقيت حالته استقرت تماماً وبقى بيتنفس طبيعي، خرجت بسرعة على أوضة سارة اللي كانت لسه نايمة ومتغطية ببطانية بيضاء، وقبل ما اقرب من سريرها، لقيت الموبايل بيرن برقم غريب للمرة الأخيرة، رديت بهدوء وقوة، والصوت من الناحية التانية قال: “الملف الأخير وصل للنائب العام، وكل حقك وحق مراتك وابنك رجع كامل، ومفيش حد هيقدر يقرب منكم تاني طول العمر”، قفلت السكة ونفست الصعداء، بصيت لسارة وهي نايمة بهدوء وابني في حضني، وحلفت إن مفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تكسرنا بعد النهاردة، وبدأت صفحة جديدة ومشرقة في حياتنا، بعيدة عن الطمع والشر، ومرسومة بالحب والتعب اللي ما ضاعش.
#حكايات_صافي_هاني
#حصري
