الصمت الأختياري

اتولدوا بفارق 11 دقيقة. هو جه الأول، وهي جت بعده. والممرضات كانوا بيحكوا إنها أول ما اتولدت مدت إيدها الصغيرة، كأنها بتدور عليه قبل حتى ما تفتح عينيها. عاشوا أول خمس سنين من عمرهم ما بيتفارقوش لحظة. يكملوا كلام بعض، وما يعرفوش يناموا إلا جنب بعض، وأوقات كانوا يبصوا لبعض بنظرة واحدة وكأنهم بيتكلموا بلغة محدش غيرهم بيفهمها.
كانوا زي روح واحدة مقسومة في جسدين؛ يضحكوا في نفس اللحظة، ولو حد فيهم اټعور أو تعب، التاني يحس بوجعه قبل ما يعرف السبب. لحد اليوم الشؤوم اللي أبوهم أخدهم فيه عند البحيرة المهجورة في أطراف المدينة… ورجع بابنه بس. قال إن البنت زلت رجلها على الصخور الزلقة، والتيار الشديد شدها للداخل، وإنه نزل وفضل يعوم وراها بكل قوته ويثارع الموج، لكنه ما لحقهاش لأن المية كانت غريقة وتيارها جارف. وجسمها عمره ما اتلاقى رغم بحث فرق الإنقاذ السطحي وقتها. الشرطة اعتبرت اللي حصل مجرد حاډث مأساوي ناتج عن إهمال غير مقصود، وافترضوا إن التيار سحب الچثة للمجرى المائي المفتوح. ومن يوم جنازتها الرمزية… الولد بطل يتكلم. مش واحدة واحدة، ولا صوته اختفى بالتدريج؛ لأ، وقف جنب قبر أخته، لابس بدلته السودة الصغيرة وماسك إيدي، ومن اللحظة دي، ما نطقش ولا حرف.
الدكاترة والاستشاريون قالوا إن دي حالة نفسية نادرة اسمها الصمت الاختياري Selective Mutism الشديد الناتج عن صدمة نفسية مفاجئة وغير محتملة لعقله الغض. جربت معاه كل حاجة على مدار السنين؛ جلسات علاج نفسي مع أكبر الأطباء، جلسات تفريغ بالرسم والموسيقى، وحتى جبتله كلب صغير وسميته باسم الشخصية الكرتونية اللي أخته كانت بتحبها وتتفرج عليها معاه. وكنت كل ليلة أقعد أقرأ له حكايات قبل النوم، وأمسك إيده، حتى وهو باصص للسقف بسرحان وغياب تام من غير أي رد فعل. كان بيتفاهم معانا بالإشارات المقتضبة وهزات الراس… وبس.
عدت 8 سنين كاملة. بقى عنده 13 سنة، كبر وطال، بقى شاب هادي، وسكوته كان مالي أركان البيت أكتر من أي كلام. مدرسينه في المدرسة كانوا بيقولوا إنه أذكى وأهدى طالب شافوه، بيفهم كل حاجة من نظرة وبيحقق أعلى الدرجات في الامتحانات التحريرية، بس عمره ما فتح بقه ولا شارك بنطق كلمة واحدة في الفصل. وكل سنة، في ذكرى ۏفاة أخته، كنت بجمع العيلة في البيت؛ صورتها محطوطة فوق الرف، والورد الوردي اللي كانت بتحبه مفرود على الترابيزة، وكل اللي كانوا بيحبوها يقعدوا سوا يفتكروها بدموع ودعاء.
وأبوه اللي انفصلت عنه بعد الحاډثة بسنتين بسب جفوده وشكوكي المبهمة اللي ما كانش ليها دليل وقتها كان بييجي كل سنة بنفس الطريقة. يقعد في آخر الترابيزة، عيونه متزغزغة وما يبصش ناحية ابنه أبداً، وياكل بسرعة ويمشي قبل التحلية وكأنه بيهرب من طيف أو ذنب مطارده. لكن السنة دي، اللحظة كانت مختلفة تماماً. الولد فضل مراقبه بنظرات حادة وثابتة من أول ما دخل من الباب. وفي نص العشا، والأكل في بؤ كل الحاضرين، حط يوسف الشوكة على الترابيزة ببطء أحدث صوتاً يرن في الصالة. وبص لكل اللي قاعدين… بص لي، وبص لجده وجدته… وفي الآخر ثبت عينه على أبوه بنظرة مرعبة.
ورفع صباعه ناحيته ببطء شديد، وفتح بقه لأول مرة من ثماني سنوات. وأول كلمات نطقها بعد كل ده خلّت كل اللي قاعدين على الترابيزة يتجمدوا في أماكنهم؛ صړخ بصوت بحوح، مړعوپ، مكسور، كأنه صدى طالع من قاع بئر عميق ومتروك أنت

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *