حكايات شيمو 3

دخلت أوضت الرعاية المركزة. ريحة المطهرات والأجهزة اللي بتطاطي بصوت رتيب كانت ترعب. أبويا كان راقد، الأجهزة متوصلة بكل جسمه، وشه كان دبلان وأصفر زي الشمع. أول ما شافني، عينيه دمعت وبدأ يحرك شفايفه بصعوبة شديدة وهو بيمد إيده المرتعشة ناحيتي.
قربت منه، مسكت إيده اللي كانت ساقعة زي الثلج، وقلت بصوت مكسور:
“ليه يا بابا؟ ليه عملت فينا كدة؟ ليه ذبحتني أنا وولادي وأنا اللي كنت تحت جزماتكم بأكلكم من عرقي؟”
أبويا بدأ يبكي بصوت مهدود، وقال بفتات صوت طالع بالعافية:
“سامحيني يا مريم… الشيطان عماني… كنت عاوز أأمن أختك وعيالها بعد ما جوزها يتسجن… افتكرت إن الفلوس هتسترنا… أثرها عرتنا وفضحتنا في آخر أيامنا… سامحيني يا بنتي، إنتي الوحيدة اللي طلعتي بنظافة قلبك وشقاكي الحلال…”
الدموع غلبتني، ورغم كل اللي عمله، ده في النهاية أبويا اللي رباني. مسكت إيده بقوة وقلت له:
“ربنا يسامحك يا بابا… ربنا يسامحكم كلكم.”
فجأة، جهاز نبضات القلب بدأ يصدر أصوات إنذار متسارعة، وأبويا مسك في إيدي بضغط شديد وهو بيبص لسقف الأوضة بعيون مفتوحة على آخرها، وصرخ بصوت طالع من أعمق نقطة في روحه:
“السر في الأرض يا مريم! الورقة… الورقة اللي تحت بلاطة الفرن في البلد… ما تخليش حد يأخدها… دي فيها…”
قبل ما يكمل الكلمة، إيده ارتخت فجأة، والجهاز أطلق صفارة مستمرة بطويلة تتعلن توقف القلب!
الدكاترة جيروا على الأوضة وزقوني لبرا وهم بيحاولوا يعملوا له إنعاش قلبي، وأنا واقفة ورا الزجاج مشايفة غير جهاز القلب اللي خطه بقى مستقيم… أبويا مات، ومات معاه السر!
لكن الكارثة ما انتهتش هنا…
وأنا طالعة من المستشفى في حالة ذهول وتعب مش قادرة أوصفه، تليفوني رن… كان رقم أم أمل اللي أنا قاعدة عندها فوق السطوح.
رديت وأنا بصوت ميت: “أيوه يا خالتي…”
أم أمل كانت بتتكلم وهي بتلهث وبتبكي بهستيريا وصوت صريخ العيال طالع في الخلفية:
“الحقي يا مريم! الحقيني يا بنتي! فيه ناس غريبة ومسلحين طالعين على السطوح عندك… ماسكين العيال وبيسألوا عن شنطة أبوكي القديمة، وبيقولوا لو مريم ما جابتش الورقة خلال ساعة… مش هتشوفي ولادك تاني!”

