بعد وفاه اخويا حكايات روماني مكرم 4
**الجزء السابع**
ساد الغرفة صمت مرعب، صمت تشم فيه ريحة الموت والخيانة. الكلمة التي خرجت من فم مدحت كانت كأنها خنجر مسموم اتغرس في قلوبنا كلنا. “نخلص من سيد”؟! أخويا سيد الله يرحمه ما ماتش بسكتة قلبية زي ما كنا فاكرين والأطباء قالوا لنا؟!
أبويا اتنطز من مكانه كأنه أخد ضربة بسيف في صدره، وهجم على مدحت بالرغم من كبر سنه وتعدي جسمه، ومسكه من طوق قميصه وهو بيصرخ بصوت يشق الجدران والدموع نازلة من عينيه زي المطر:
– “ق*تلتوا ابني؟! ق*تلتوا سيد يا مجرمين؟! دا كان بياكلك في بيته وبيعتبرك أخوه الصغير! ق*تلتوه إزاي ويا فجركم إزاي مشيتوا في جنازته وأكلتم عيشنا?!”
رجال الشرطة أسرعوا وحجزوا أبويا بالعافية وقعدوه على الكرسي وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة وبيترعش، وأنا وقفت أرضي بتلف بيا، ورجلايا مش شايلاكي.. حسيت إن الدنيا أظلمت في عيني. عبير وخيانتها كانت كابوس، بس إنها تكون قاتلة أخويا بالاتفاق مع صاحبه.. دا كان جحيم ما يتحملوش عقل بشر!
وكيل النيابة اتعدل في قعدته، وعينيه برقت بغضب شديد وحزم، وضرب بكل قوة على المكتب:
– “المتهم مدحت! أنت عارف الكلام اللي بتقوله دا معناه إيه؟! دا اعتراف صريح بج/ريمة ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد! اتكلم بالتفصيل فوراً.. عملتم إيه في المرحوم سيد؟!”
مدحت كان بيبكي بكاء هستيري، وجسمه كله بيرتعش، ووجهه تحول للون الأسود من شدة الرعب. بص لعبير اللي كانت واقفة زي الصنم، عينيها مبلمة وشفايفها بيضا زي اللبن، وقال بصوت جاف ويهتز:
– “يا باشا أنا ما كنتش عايز أق*تله!.. هي اللي وزتني وسحرتلي بدماغها! عبير كانت بتكره سيد وعيلته كلها، وكانت عايزه تخلص منه عشان تاخد الشقة والبيت وتورث فلوسه في البنك، وفي نفس الوقت كانت خايفة إنه يكشف شقاوة عينها وغدرها. جاتلي الورشة قبل موته بشهر، وقالتلي إن سيد معاه مبلغ كبير شايله في البيت، وإنها مستعدة تديني النص وتجوزني سر لو ساعدتها نخلص منه من غير ما حد يحس!”
عصام جوزي اللي كان واقف متكلبش في الناحية الثانية، بص لمدحت وعبير بذهول ورعب، ورجليه اتسحبت منه وسقط على الأرض وهو بيلطم على وشه وبيصرخ:
– “يا نهار أسود! يا نهار أسود! أنا كنت رايح أتجوز قاتلة؟! أنا كنت ببيع أختي وبيتي علشان ست قاتلة جوزها وحامل من صاحبه الحرام?!”
كمل مدحت كلامه وهو بينتحب وبيعترف بكل القذارة:
– “عبير جابتلي مادة سمية بيضا ملهاش طعم ولا ريحة من واحد بتاع عطارة وشعوذة.. وقالتلي دا سم بطيء بيبان في الجسم كأنه هبوط حاد في الدورة الدموية وسكتة قلبية. اتفقت معايا نحط منه قطرات صغيرة كل يوم في الشاي والقهوة اللي بياكلهم سيد في الورشة وفي البيت.. وفضلنا نسقيه منه لمدة أسبوعين، لحد ما جسمه اتصفى وعضمه هزل.. وفي الليلة إياها، جاله التعب الأخير ومات وهو بيتألم على سريره، والدكتور كتب شهادة الوفاة إنها وفاة طبيعية بسكتة قلبية لأن مفيش أي آثار ضرب أو جروح!”
عبير أول ما سمعت كلام مدحت، اتجننت! الصدمة طيرت برج من عقلها، وهجمت على مدحت بأظافرها زي الضبع الجريح، وصرخت بصوت مرعب هز القسم كله:
– “كداب! كداب يا ابن الكلب! أنت اللي كنت بتجر ورايا وأنت اللي اقترحت عليّ السّم عشان تاخد فلوس سيد وتفتح ورشتك! أنت اللي ق*تلتوه يا مجرم وأنا ما حطيتش حاجة!”
الضباط مسكوا عبير بالعافية وهي بتتخبط وتصوت وتدعي بالباطل، والغرفة تحولت لساحة من الجحيم!
وكيل النيابة وقف فوراً، وأصدر قرارات حاسمة وسريعة كأنها الصواعق:
– “أولاً: استخراج ج*ثة المرحوم سيد عبد الصمد فوراً من المقابر وإحالتها للطب الشرعي لتشريحها وأخذ عينات من العظام والأنسجة للبحث عن آثار السموم والجرعات السامة!
ثانياً: ضبط وإحضار عطار الشعوذة المذكور في أقوال المتهم.
ثالثاً: توجيه تهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمتهمة عبير والمتهم مدحت، وحبسهما على ذمة التحقيق!
رابعاً: استمرار حبس المتهم عصام بتهم التزوير والتستر والمشاركة في اقتحام ونهب الشقة!”
خرجنا من مقر النيابة والقسم.. بس المرة دي السير ما كانش على الأرض، إحنا كنا بنمشي زي الأشباح. الشارع كان هادي، بس جرحنا كان بينزف بطريقة ما يداويهاش زمن.
أبويا مسك إيدي وقالي بصوت مكسور ودموعه نازلة على لحيته البيضا:
– “سيد ابني مات مقتول يا سمر.. ق*تلوه بالسم وهو فاكرهم أهله وصحابه! يا حسرتي عليك يا ابني.. يا حسرتي على الشباب اللي راح غدر!”
حضنت أبويا في نص الشارع وبكينا بكاء يهد الجبال. قلت له وأنا بثبت نفسي بالعافية:
– “حق سيد هيرجع يا بابا.. ربنا ما بيسيبش ظالم، ودم سيد هو اللي جابهم لحد النيابة وكشف خيانتهم وفجرهم بعضهم في بعض! ربنا كشف عبير وخلاها تقع في شر أعمالها هي ومدحت وعصام!”
وبعد يومين فقط.. كانت اللحظة الأكثر قسوة في حياتنا.
وقفنا أنا وأبويا وعمي عبد المجيد والمئات من أهل الحارة والمنطقة قدام المقابر، والطب الشرعي بيستخرج ج*ثة أخويا سيد لإجراء التشريح. المنطقة كلها كانت واقفة مصدومة ومذهولة من حجم البشاعة والغدر اللي حصل.
وبعد أسبوع واحد من الفحص الجنائي الدقيق، صدر التقرير الطبي الشرعي النهائي والأخير ليحسم القصة كلها:
عثر في أنسجة وجسد المرحوم سيد على بقايا ورواسب لمادة “الزرنيخ” والسم البطيء بنسبة قاتلة ومؤكدة!
التقرير دا كان بمثابة حبل المشنقة اللي اتلف رسمياً حولين رقبة عبير ومدحت!
في جلسة النيابة الأخيرة للمواجهة النهائية قبل تحويل القض*ية لمحكمة الجنايات..
كانت عبير ومدحت وعصام واقفين في القفص، وجوههم زي الموتى، الشؤم والخوف والندم أكلهم. عصام كان بيعيط بدموع ذليلة ويترجى أبويا وعمي يسامحوه أو يتنازلوا عن قض*ية التزوير والاقتحام، بس أبويا بص له بنظرة احتقار وقال له كلمة واحدة:
– “أنت خسرت دينك ودنيتك وشرفك يا عصام.. ومفيش سماح للي خان صحبه وأخته!”
أما عبير، فلما شافتنا واقفين بثبات والتقرير الطبي في إيد المحامي، عرفت إن المشنقة أصبحت في انتظارها هي ومدحت. بصتلي بعيون فاضية مفيهاش غير الخوف والكسرة، وقالتلي بصوت واطي ومبحوح:
– “أنا خسرت كل حاجة يا سمر.. خسرت سيد، وخسرت الشقة والورث، وخسرت نفسي وهسيب رقبتي في المشنقة.. سامحيني!”
رديت عليها بثبات وقسوة وما بكتش:
– “السماح عند ربنا يا عبير.. أنتِ فتحتِ طاقة جهنم بإيدك، والنهارده جيه الوقت اللي تتحرقي فيه بنارها!”
صدر قرار النيابة العامة بتحويل المتهمة عبير والمتهم مدحت إلى محكمة الجنايات بتهمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد والزنا (وعقوبتها الإعدام شنقاً)، وتحويل المتهم عصام للمحاكمة الجنائية العاجلة بتهم التزوير والبلاغ الكاذب واقتحام ملك الغير والتستر على جر*يمة!
رجعنا أنا وأبويا للبيت.. الشقة كانت هادية، وصورة سيد أخويا الله يرحمه متقلوة في الصالة.
قعدت جنب أبويا، ومسكت إيده، وحسيت لأول مرة من أشهر إن روح سيد ارتاحت في قبرها بعد ما الحق ظهر والق*تلة انكشفوا وبياخدوا جزاهم.
القصة اتقفلت على فضيحة الخونة ونهايتهم السودة خلف القضبان وفي انتظار المشنقة.. وأنا وأبويا بدأنا نلملم جراحنا ونعيش بالباقي من عمرنا مرفوعين الرأس، عارفين إن العدل الإلهي لو تأخر لحظة.. بييجي زي الصاعقة يمسح الظلم ويمحي الظالمين!
**الجزء الثامن (قبل الأخير)**
مرت أشهر قليلة، وكانت التحقيقات قد أُغلقت تماماً، وتحددت أولى جلسات محاكمة الجنايات العاجلة في القض/ية التي هزت الرأي العام والشارع بأكمله. كانت قض/ية “ق*تلة ابن العم والخائنين” هي الشغل الشاغل للجميع، وكل القنوات والصفحات بتتكلم عن العمارة اللي شهدت أغرب وأبشع قصة خيانة وغدر وق*تل بالسم.
في صباح يوم الجلسة المرتقبة، كانت قاعة المحكمة مزدحمة على آخرها. الحضور كانوا مئات من أهل المنطقة، والجيران، والطب الشرعي، والمحامين.
وقفت أنا وأبويا وعمي عبد المجيد في الصفوف الأولى. أبويا كان ماسك عصايته بإيد، وبالإيد الثانية ماسك إيدي، وجهه كان شاحب بس عينيه كان فيهما بريق ثبات وعزة، منتظرين كلمة العدل الإلهي والقانون.
فجأة، انفتحت الحراسة ودخل المتهمون إلى قفص الاتهام…
كان المشهد في القفص يختصر معنى الهوان والندم.
عصام كان واقف في زاوية القفص، جسمه انخسف ونحف للتراب، شعره ابيض، وعينيه غائرة ومكسورة، يرتدي ملابس الحبس الزرقاء. ما قدرش يرفع رأسه في المحكمة أو يحط عينيه في عين أبويا.
وعبير، كانت قاعدة على دكة القفص الخشبية، وجهها أصفر زي الموتى، لافة رأسها بطرحة سوداء مبهدلة، وضامّة نفسها وخايفة من نظرات الناس الصارخة بالاحتقار.
أما مدحت، فكان واقف جنبها زي الشبح، يرتعش ويكرر في سره كلمات غير مفهومة، والندم أكل ملامحه بعد ما أدرك إن رقبة كل واحد فيهم أصبحت تحت سيف المشنقة.
وقف رئيس المحكمة، القاضي الجليل، وساد الصمت التام في القاعة، حتى أنفاس الناس كانت محبوسة.
بدأت المحاكمة، ووقف عمي عبد المجيد المحامي وألقى مرافعة تاريخية زلزلت جدران القاعة، سرد فيها القصة من أول نقطة: من يوم ما رفضت “سمر” إعطاء الفلوس لعبير، للغل اللي عمى قلبها، للتخطيط لق*تل زوجها الشريف “سيد” بالزرنيخ والسم البطيء بمساعدة صاحبه “مدحت”، ثم استغلال “عصام” وجره للخيانة والتزوير والتستر، وصولاً إلى الحمل الحرام والإجهاض المفتعل في السجن!
عمي عبد المجيد ختم مرافعته بصرخة هزت القاعة:
– “يا سيادة القاضي.. إحنا مش بنطلب مجرد عقاب، إحنا بنطلب القصاص لروح الشهيد ‘سيد’ اللي اتق*تل غدراً في بيته وعلى سريره، القصاص لـ ‘سمر’ اللي اتخانت واستغلت، والقصاص للأعراف والدين اللي انداسوا تحت أقدام هؤلاء الشياطين! بنطلب الإعدام شنقاً للق*تلة، وأقصى عقوبة للخائن المتستر!”
ضجت القاعة بالتكبير والتأييد من الناس والمواطنين، والقاضي أمر بالهدوء فوراً.
ثم جاء دور دفاع المتهمين.. حاول محامي عبير أن يدعي المرض النفسي والاضطراب، وحاول محامي مدحت إتّهام عبير بالتخطيط والضغط، وحاول محامي عصام التملص والدفع بعدم علمه بج*ريمة الق*تل والتزوير.
لكن المرافعة والتقارير الطبية الشرعية الموثقة وأشرطة الفيديو والتسجيلات والشات المضبوط في هاتف عصام، كانت أدلة قطعية كالجبال لا يمكن زحزحتها!
نادى القاضي على المتهمين للحديث الأخير قبل إغلاق باب المرافعة..
عصام نزل على ركبتيه جوة القفص، وبكى بكاءً هستيرياً وهو بيصرخ بصوت يقطع القلب ويترجى أبويا:
– “يا حاج عبد الصمد!.. يا سمر!.. وحياة رحمة سيد سامحوني! أنا كنت أعمى وشيطان غواني! أنا اتخدعت واتلعب بيا، والله العظيم ما كنت أعرف إنهم ق*تلوه! أرجوكم تنازلوا عن قض/ية التزوير والاقتحام، أنا مستعد أعيش خدام تحت رجليكم طول عمري بس بلاش السجن يضيع شبابي!”
أبويا بص له بنظرة قاسية وناشفة وقال له بصوت جهوري مسموع في القاعة كلها:
– “اللي يبيع أخته ويخون صاحبه وهو في قبره، مالوش مكان بين الرجال يا عصام.. وفر دموعك للقاضي ولربنا، لأن مسامحتك مستحيلة!”
أما عبير، فرفعت رأسها وعيناها مليئة بالدموع والكسرة، وبصتلي وقالت بصوت جاف ومبحوح:
– “أنا عارفة إني رايحة للمشنقة يا سمر.. وعارفة إن غلي وحقدي هما اللي ودوني لجهنم دي.. أنا مش بطلب منك تسامحيني، بس ادعيلي ربنا يخفف عني العذاب لأن ناري شاعلة في صدري من يوم ما سيد مات!”
وقف القاضي ورفع أوراق القض/ية، وطرق بالمطرقة ثلاث طرقات هزت القاعة، وقال بصوت حاسم وجاد:
– “قررت المحكمة إحالة أوراق المتهمة ‘عبير’ والمتهم ‘مدحت’ إلى فضيلة مفتي الديار المصرية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما شنقاً لج*ريمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد!
وتأجيل النطق بالحكم على المتهم ‘عصام’ مع استمرار حبسه الشديد على ذمة القضايا المنسوبة إليه لليوم المخصص للنطق بالحكم النهائي!”
ضجت القاعة بالتهليل والتكبير! “العدل أهو!.. يحيى العدل!”
عبير انهرت وسقطت مغشية عليها داخل القفص فور سماع قرار الإحالة للمفتي، ومدحت أجهش بالبكاء والسقوط، وعصام قعد يصرخ ويعض في إيديه وهو بينجر برة القفص بواسطة الحراس.
خرجنا من المحكمة وأنا ماسكة إيد أبويا، والناس في الشارع كانت بتبارك لنا وبتهتف بالقصاص.
بس بالرغم من الانتصار الكبير وقرب صدور حكم الإعدام والقصاص، كان فيه شيء واحد لسه شاغل بالنا ومقلقنا..
عصام وهو بينجر برة القفص، لمس إيد عمي عبد المجيد ووسوس له بجملة مريبة وغامضة جداً:
– “يا حاج عبد المجيد.. عبير ومدحت داخلين المشنقة خلاص.. بس انتبهوا لـ ‘أمامي بقدرية’ وإخواتي برة! أمي مش هتسكت، وحلفت إنها مش هتسيب سمر وأبوها يتهنوا بالحكم، ونظمت حاجة بشعة هتنفذها ليلة قرار المفتي!”
رجعت أنا وأبويا البيت والشمس بتغرب.. حاسين بإن الحق أقرب من أي وقت، بس تحذير عصام الأخير زرع في قلوبنا خوف جديد..
إيه السر اللي بتخطط له أم عصام “قدرية” وإخواته في الظلام؟ وهل هتنجح في الانتقام الأخير قبل ما تتقفل الستارة نهائياً على كل أبطال القصة؟
**الجزء التاسع والأخير (الحكمة والحقيقة)**
مرت الأسابيع الثقيلة وأنا وأبويا محبوسين جوة بيتنا، تحذير عصام الأخير كان زي السيف المعلق فوق رقابنا. أم عصام “قدرية” واختفت تماماً عن الشارع، لا حس ولا خبر، وده اللي كان بيخوف أكتر.. السكون اللي يسبق العاصفة.
وفي الليلة التي سبقت النطق بالحكم النهائي بعد ورود رأي فضيلة المفتي، كانت الساعة داخلة على اثنتين بعد منتصف الليل.
كنت قاعدة جنب أبويا في الصالة، بنقرأ قرآن وندعي ربنا يمرم الليلة دي على خير. فجأة، شمينا ريحة شياط ودخان حاد داخل من تحت باب الشقة ومن البلكونة!
جريت على البلكونة وبصيت تحت.. وكانت الفاجعة!
عمارة أبويا كانت النار ماسكة في دخلتها والسلالم تحت! عربية نص نقل كانت مارة في الشارع، ونزل منها اثنين ملثمين برموا زجاجات مولوتوف على باب العمارة وعلى الشباك السفلاني، والنار بدأت تتسلق السلالم الخشبية وتطلع على شقتنا!
أبويا صرخ وتخنق من الدخان:
– “الحقونا يا ناس! النار بتاكل البيت!”
جريت على المطبخ وجبت مية، بس النار كانت أسرع وأقوى. الدخان ملأ الشقة، وبدأنا نتخنق وأبويا وقع على الأرض مش قادر يتنفس. افتكرت إن دي النهاية.. إن قدرية وغلّها نجحوا في إنهم يحرقونا حيين قبل ما نشوف حكم العدل!
بس ربنا سبحانه وتعالى ما بيسيبش أصحاب الحق.
الشارع كله صحي على صوت الانفجار والدخان. شباب الحارة والجيران اللي كانوا عارفين مظلوميتنا وشايلين جميل أخويا سيد، اتجمعوا في ثواني! جابوا سلالم وأنابيب إطفاء وجرادل مية، وكسروا شباك البلكونة الشجعان منهم ودخلوا جوة الشقة في وسط النار، وشالوا أبويا وشالوني وطلعونا لسطح العمارة المجاورة قبل ما النار تطول أجسادنا بثواني معدودة!
وفوق ده كله.. شباب الحارة الذكية لمحوا العربية النص نقل وهي بتهرب من ظهر الشارع، طاردوها بالموتوسيكلات ووقفوا طريقها، ومسكوا الاثنين الملثمين وضبوا فيهم ضرب سنين لحد ما اعترفوا قدام الشارع كله:
– “قدرية أم عصام هي اللي دفعت لنا فلوس وإدتنا المولوتوف عشان نحرق البيت ونخلص من سمر وأبوها!”
وصلت سيارات الإطفاء والشرطة، وتم إخماد الحريق، والقبض على الفاعلين وعلى “قدرية” وهي بتحاول تهرب برة المحافظة مع فجر اليوم التالي، للتحق بها هي الأخرى بتهمة الشروع في الق*تل والإحراق العمد!
وفي صباح اليوم التالي.. جاءت اللحظة الحاسمة التي انتظرناها بدموع ونار القلوب.
جلسنا في قاعة محكمة الجنايات؛ أنا وأبويا وجسمنا يعلوه أثر الدخان والتعب، بس رؤوسنا كانت مرفوعة للماء.
دخل المتهمون إلى قفص الاتهام للمرة الأخيرة..
عبير ومدحت كانا يرتديان البدلة الحمراء (بدلة الإعدام) بعد ورود رأي المفتي بالموافقة الشرعية. عبير كانت تبكي بلا صوت، دموعها جافة وجسدها يرتعش كأنها روح تفارق الجسد. وعصام كان مقيداً بجانبهم، ينظر إلينا بعيون ملؤها الحسرة والضياع بعد ما عرف إن أمه كمان اتقبض عليها وداخلة السجن.
اعتلى القاضي المنصة، وساد صمت كصمت المقابر. حط نظارته وطرق بالمطرقة ثلاث طرقات هزت أرواح الجميع، وقرأ الحكم التاريخي:
> **”باسم الشعب..**
> **حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:**
> **أولاً: بمعاقبة المتهمة ‘عبير عبد السلام’ والمتهم ‘مدحت السيد’ بالإعدام شنقاً، لما نُسب إليهما من ج*ريمة الق*تل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمرحوم سيد عبد الصمد.**
> **ثانياً: بمعاقبة المتهم ‘عصام محمود’ بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتجريده من حقوقه المدنية، لاتهامه بالتزوير والتستر والمشاركة في اقتحام ونهب ملك الغير.**
> **ثالثاً: إحالة أوراق المتهمة ‘قدرية’ والمشاركين معها لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في الق*تل والإحراق العمد.”**
>
انطلقت في القاعة صرخات التهليل والتكبير! “يحيى العدل!.. ظهر الحق وزهق الباطل!”
سقطت عبير مغشية عليها وتم سحبها مع مدحت إلى ممر الإعدام، وعصام انهار على الأرض يصرخ ويبكي بلا مجيب، بينما انقادت أمه للسجن لتلحق بابنها.
مسكت إيد أبويا، وبكينا معاً.. بس المرة دي كانت دموع الفرج، دموع انغسل بيها حزن أشهر طويلة.
### **الحكمة من القصة**
إن هذه التجرِبة القاسية لم تكن مجرد حكاية صراع بين بشر، بل كانت درساً إلهياً بليغاً يُكتب بماء الذهب:
1. **الرضا بالحق والوفاء للمبدأ:**
لو كانت “سمر” وافقت على إعطاء الفلوس لعبير بدون علم زوجها، لكانت كسرت أمانة بيتها. ورغم إن التزامها بالحق أثار غل العقربة، إلا إن ثباتها على المبدأ هو الذي أنقذ شرفها ونصرها في النهاية.
2. **الغل والحقد يأكلان صاحبهما:**
بدأت “عبير” طريقها بسباق غيرة وحقد، وانتهت بها الج*ريمة إلى الزنا، والق*تل بالسم، وإسقاط الجنين، وأخيراً وقف قيد حياتها على شجرة المشنقة. الحقد نار لا تحرق إلا الوعاء الذي يحويها.
3. **جزاء الخيانة من جنس العمل:**
“عصام” الذي خان زوجته المصونة وخان صديقه المتوفي في قبره من أجل شهوته وطمعه، لم يجذبه غدره إلا إلى النصب والتزوير والتورط في حبل الفضيحة، ولُبّس في حمل غير شرعي من شخص ثالث، ليخسر بيته وشرفه وحريته وأمه، ويذوق الندم أضعافاً مضاعفة خلف أسرار السجن.
4. **عدالة الله لا تغفل ولا تنام:**
قد يظن الظالم أن سمّه الخفي أو ألاعيبه الشيطانية قد سُترت برداء الليل أو بشهادات الزور، لكن حكمة الله تجعل الظالمين يدمرون أنفسهم بأنفسهم، فتتقاطع مصالحهم وتنكشف أستارهم بجهلهم، ليظهر الحق نصعاً جلياً، ويرتاح الشهيد في قبره.
رجعت مع أبويا إلى بيت صاننا ورعانا، ورفعنا أيدينا للسماء ونحن نردد:
**”وَعَزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ”**.



