ابني وابن صاحبتي حكايات صابرين محمد

ابني وابن أقرب صاحبة ليا اتولدوا بنفس الوحمة النادرة نفس الهلال الصغير المستخبي ورا الودن الشمال ونفس المكان ونفس الحجم ، لدرجة إن الدكاترة يوم ولادة ابني وقفوا يتفرجوا عليها وقالوا إنها من أندر الوحمات اللي ممكن يشوفوها يومها جوزي ضحك وقال أهو لو ضاع مننا يوم ، الوحمة دي هترجعهولنا. وضحكنا كلنا ومحدش فينا كان يعرف إن الضحكة دي هتبقى بداية أكبر كابوس في حياتي.
أنا اسمي ندى ومتجوزة شريف من سبع سنين. يوم ما ربنا رزقنا بابني آدم ، كنت حاسة إن الدنيا كلها بقت ملكي. الولادة كانت متعبة ، لكن أول ما حطوه في حضني نسيت كل الوجع. بعدها بدقائق ، الدكتورة نادت شريف وورته الوحمة الصغيرة اللي ورا ودن آدم وقالت إنها حالة نادرة جدًا. شريف ضحك وهزر وأنا ضحكت معاه وطلعنا من المستشفى وإحنا فاكرين إن الموضوع مجرد تفصيلة لطيفة هنحكيها لابننا لما يكبر.
عدت خمس سنين وكانت أقرب إنسانة ليا في الدنيا هي صاحبتي هبة. كنا أصحاب من أيام الجامعة وأسرارنا كلها عند بعض ولما حملت فرحتلها كأنها أختي. وبعد ما ولدت بأسبوع ، رحت أباركلها وأشوف البيبي.
أول ما شلته بين إيديا قلبي وقع ورا ودنه الشمال كان فيه نفس الهلال الصغير. مش شبهه
لأ هو هو نفس الحجم نفس الانحناءة نفس المكان.
بصيت لهبة وقلت وأنا بحاول أضحك معقول؟! حتى الوحمة طلعت زي آدم!
ضحكت وقالت ببساطة يمكن صدفة.
ضحكت معاها لكن جوايا كان فيه صوت بيقول إن اللي قدامي مش صدفة أبدًا.
من يومها بقيت أركز في الولدين أكتر من اللازم. كل شهر يعدي ، الشبه بينهم يزيد. نفس الضحكة ، نفس النظرة ، نفس طريقة الوقوف. والأسوأ إن الناس بدأت تلاحظ.
مرة واحدة في النادي ، ست كبيرة وقفتني وقالت دول إخوات؟

ضحكت بسرعة وقلت لأ ده ابن صاحبتي.
لكن السؤال فضل يرن في وداني طول اليوم.
فضلت أقنع نفسي إني بتوهم. يمكن عشان الولدين في نفس السن. يمكن عشان بقضوا وقت طويل مع بعض.
لحد يوم عيد ميلاد آدم. كنت بلم الصور على الموبايل وبعدين طلعت ألبوم قديم كنا مصورينه بالكاميرا. وقعت في إيدي صورة آدم وابن هبة واقفين جنب بعض.
لأول مرة شفتهم من بره. حتى أنا اتخضيت.
في اللحظة دي دخل شريف ، خد الصورة يبص عليها ووشه اتغير في ثانية.
حاول يرجعها مكانها بسرعة. بس أنا كنت لمحته. في الليلة دي مقدرتش أسكت.
استنيته لما دخل الأوضة وقفت قدامه وبصيت في عينه وقلت عايزة أسألك سؤال وجاوبني بصدق.
قال باستغراب خير؟
قلت وأنا حاسة إن قلبي هيقف إنت خنتني مع هبة؟
اتجمد مكانه. وشه بقى أبيض وبقى باصص في الأرض.
عدت ثواني لكن بالنسبة لي كانوا عمر كامل.
وأخيرًا قال بصوت مكسور كنت بدعي ربنا إنك عمرك ما تسأليني السؤال ده.
حسيت إن روحي خرجت مني قلت وأنا ببكي يعني كلامي صح؟
رفع راسه بسرعة وهزها. لأ والله لأ.
صرخت فيه أمال ليه ابني وابنها شبه بعض بالشكل ده؟
غمض عينه ومسح وشه بإيده كذا مرة وبعدين مشي من غير ولا كلمة.
فتح الدولاب اللي في طرقة الشقة وقف على كرسي ونزل ظرف قديم متغطي بالتراب كان أول مرة أشوفه.
الظرف كان مقفول من سنين ولونه مصفر من الزمن ولما بصيت عليه اتجمدت. لأن اللي كان مكتوب عليه خط أعرفه كويس ومبقتش قادرة اتنفس
بصلي شريف وهو ماسك الظرف بإيده وقال بهدوء
هو قبل ما يموت خلاني أوعده إن السر اللي جوه الظرف ده ، عمري ما أقولهولك مهما حصل.
في اللحظة دي رجلي خانتني.
لأنني طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن أسوأ احتمال هو إن جوزي يكون خاني مع أقرب صاحبة ليا
لكن بعد ما عرفت الحقيقية اتمنيت من كل قلبي لو كانت مجرد خيانة لأن الحقيقة اللي كانت مستخبية جوه الظرف كانت أبشع من أي حاجة تخيلتها في حياتي
الكاتبة صابرين_محم دشريف فضل ماسك الظرف بإيده، وبصلي بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده.
قال بهدوء قبل ما تفتحيه… لازم أوعديني إنك هتسمعيني للآخر، ومهما تشوفي جواه، متحكميش قبل ما تعرفي كل حاجة.
كنت برتعش.
الظرف كان قدامي، وإيدي ممدودة ناحيته، لكن كل مرة أقرب منه كنت أحس إن قلبي بيرجع لورا.
فتحت أول ورقة.
لقيت شهادة ميلاد قديمة جدًا، أطرافها مصفرة، وعليها اسم طفل… الاسم ماكنش آدم، وماكنش ابن هبة.
كان اسم ماعرفوش.
لكن اللي خلاني أتجمد، إن تاريخ الميلاد كان قبل ميلاد آدم بخمس سنين بالظبط.
بصيت لشريف وأنا مش فاهمة.
قال كملي.
طلعت الورقة اللي بعدها.
كانت صورة لطفل صغير، واقف وهو بيضحك.
الصورة قديمة، باين عليها إنها متصورة بكاميرا فيلم.
ولأول وهلة افتكرته آدم.
لكن لما دققت، عرفت إنه طفل تاني.
ورغم كده…
ورا ودنه الشمال كان ظاهر نفس الهلال الصغير.
اتسعت عيني.
إيه ده؟!
شريف نزل بعينه للأرض وقال مش آدم أول واحد اتولد بالوحمة دي.
بدأت أطلع باقي الورق بسرعة.
قصاصات جرائد قديمة.
تقارير طبية.
خطابات مكتوبة بخط إيد واحد.
وفي كل ورقة كانت بتتكرر نفس الجملة…
الهلال يظهر مرة تانية.
وقبل ما أستوعب معنى الكلام، رن جرس الباب.
بصيت لشريف.
هو كمان اتوتر.
فتح الباب بحذر…
وأول ما الشخص اللي بره شاف الظرف المفتوح في إيدي، اتغير لون وشه وقال بصوت مخضوض
إنتوا فتحتوه؟… مين سمحلكم تفتحوا الظرف دلوقتي؟!اتجمدت مكاني، وبصيت للشخص الواقف على الباب.
كان راجل في أواخر الستينات، شعره كله أبيض، وماسك عصاية خشب، لكن عينيه كانوا ثابتين على الظرف وكأنه شاف كارثة.
شريف همس باسمه عم فؤاد…
الراجل دخل من غير ما يستنى عزومة، وقفل الباب وراه بنفسه.
أول حاجة عملها إنه أخد نفس طويل وقال قولتلك ميتفتحش غير لو بقى مفيش حل.
بصيت لشريف بغضب. هو مين ده؟ وإيه اللي بيحصل؟
شريف سكت.
لكن عم فؤاد هو اللي رد.
أنا كنت أقرب واحد لأبوك الله يرحمه… والظرف ده كان أمانة عند شريف من يوم وفاته.
قلبي دق بعنف.
أبويا؟! أبويا ماله بكل ده؟
الراجل قعد على الكرسي، وحط العصاية جنبه، وقال السر ما بدأش مع آدم… ولا مع ابن هبة… السر بدأ من أكتر من تلاتين سنة.
مد إيده جوه الظرف، وطلع صورة أكبر شوية.
فيها مجموعة أطفال واقفين جنب بعض.
الصورة كانت باهتة، لكن مع التدقيق لقيت علامة بالقلم محطوطة على طفلين.
ولما قربتهم من وشي…
شهقت.
ورا ودن كل واحد فيهم كان ظاهر نفس الهلال الصغير.
رفعت عيني بسرعة.
أربعة؟!
قال بهدوء لأ…
وسحب من تحت الصور ملفًا سميكًا، مربوط بشريط قديم.
دول كانوا أول أربعة بس.
حسيت إن الغرفة ضاقت.
يعني إيه أول أربعة؟
رد بصوت منخفض كل كام سنة… بيظهر طفل جديد بنفس الوحمة… في بيوت مختلفة… ومن غير أي صلة قرابة واضحة.
ابتسم ابتسامة حزينة وهو بيبص لشريف.
وأبوك… قضى آخر سنين عمره بيحاول يعرف ليه.
وقبل ما يكمل…
رن تليفون شريف.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه تمامًا.
رفع السماعة، وسكت ثواني، ثم قال بصوت مرتبك
إزاي؟… إمتى؟… إنت متأكد؟
قفل المكالمة ببطء، وبصلي.
وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
هبة بتقول إن الوحمة… اختفت من ورا ودن ابنها النهارده الصبح بصيت لشريف وأنا حاسة إني مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
قلت بعصبية إزاي يعني اختفت؟! الوحمة دي كانت موجودة من يوم ما اتولد!
هز راسه وقال وده اللي

لمحة نيوز

هبة نفسها مش فاهماه.
عم فؤاد وقف مرة واحدة وقال بلهفة لازم نروح حالًا.
استغربت. نروح فين؟
قال وهو بيلم الصور والورق بسرعة بيت هبة… لازم نتأكد بنفسنا.
بعد أقل من نص ساعة كنا واقفين قدام بيتها.
أول ما فتحت الباب، كان باين عليها إنها منهارة.
وشها شاحب، وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافت عم فؤاد، اتجمدت.
وقالت بصوت واطي أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
بصتلها باستغراب.
إنتِ تعرفيه؟
لكنها ما ردتش.
خدتنا بسرعة لأوضة ابنها.
الولد كان نايم بهدوء.
قربت منه بإيد بترتعش، ورفعت شعره من ورا ودنه.
مكان الوحمة…
كان فاضي تمامًا.
ولا أي أثر إنها كانت موجودة أصلًا.
لمست المكان بإصبعي.
جلده كان ناعم، كأن الوحمة عمرها ما اتخلقت.
رجعت لورا خطوة وأنا مش مصدقة.
في اللحظة دي، آدم كان مع ماما في البيت.
طلعت موبايلي بسرعة واتصلت بيها.
ردت بعد ثواني.
قلت من غير مقدمات بصي بسرعة ورا ودن آدم… الوحمة موجودة؟
سكتت شوية.
طولت في السكوت لدرجة إن نفسي اتقطع.
وفجأة قالت بصوت مرتبك
ندى… الوحمة موجودة.
تنفست الصعداء.
لكنها كملت وهي بتعيط
…بس مش في ودنه الشمال.
اتجمدت.
إيه؟!
قالت الوحمة بقت ورا الودن اليمين… وأنا متأكدة إنها عمرها ما كانت هنا.
وقعت مني الموبايل على الأرض.
عم فؤاد غمض عينه، وكأنه كان خايف يسمع الجملة دي بالذات.
همس لنفسه
يبقى بدأ…جريت على الموبايل ورفعته من الأرض، وإيدي كلها بتترعش.
صرخت في أمي محدش يخرج بآدم من البيت! أنا جاية حالًا.
قفلت المكالمة، ولفيت ناحية عم فؤاد.
بدأ إيه؟! حد يفهمني!
فضل ساكت ثواني، وبعدين قال كل مرة كنا بنستعجل في الكلام… كانت بتحصل مصيبة. المرة دي لازم نتأكد الأول.
قلت بعصبية نتأكد من إيه؟
فتح الملف السميك، وبدأ يقلب في الأوراق، لحد ما طلع ورقة مرسوم فيها شكل الهلال الصغير، وتحته تواريخ وأسماء.
لكن الغريب…
إن

آخر اسم في الورقة كان مكتوب جنبه بخط جديد
آدم شريف محمود.
وتحته مباشرة…
كان فيه سطر فاضي.
كأن حد مستني يكتب اسم جديد.
بصيت لشريف.
مين اللي كتب اسم آدم؟
رد بصوت واطي مش أنا.
أمال مين؟
هز راسه.
لما أبوكي سلمني الملف… اسم آدم كان موجود أصلًا.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
إزاي؟! آدم وقتها ماكانش اتولد أصلًا!
عم فؤاد مد إيده للورقة، وقلبها على ضهرها.
كان فيه ظرف صغير متلزق من ورا.
فتحه بحذر.
طلع منه مفتاح نحاس قديم، مربوط فيه ميدالية صغيرة مكتوب عليها رقم واحد بس
17
قلت باستغراب مفتاح إيه ده؟
رد عم فؤاد أبوك كان بيقول… لو اليوم ده جه، هتفهموا كل حاجة لما تلاقوا الباب رقم 17.
باب فين؟
قبل ما يرد…
رن جرس الباب بعنف.
كلنا بصينا ناحية الباب.
شريف فتح بحذر.
كان ساعي توصيل.
قال طرد للأستاذة ندى.
استغربت جدًا.
أنا؟
أخدت الطرد.
ماكانش عليه اسم المرسل.
فتحته ببطء…
ولقيت جواه صورة حديثة جدًا.
الصورة كانت متصورة من يومين أو تلاتة بالكتير.
وأول ما بصيت فيها، الدم جمد في عروقي.
كانت صورة لآدم…
واقف بيلعب في جنينة النادي.
لكن اللي صوّر الصورة…
ماكانش مصور آدم بس.
كان مركز العدسة على ودنه الشمال.
وفي ضهر الصورة، مكتوبة جملة بخط أسود واضح
لسه قدامكم ٤٨ ساعة… وبعدها هيكون فات الأوان فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أرمش.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الصورة وقعت على الأرض.
هبة انحنت بسرعة شالتها، وأول ما قرت الجملة اللي وراها، وشها اصفر.
قالت وهي بتبص لعم فؤاد هو رجع؟
أول مرة أشوف عم فؤاد يفقد هدوءه.
لف ناحيتها بسرعة وقال إنتِ تعرفي مين بعتها؟
هبة بلعت ريقها، لكنها ما ردتش.
أنا صرخت كفاية أسرار! ابني في خطر ولا لأ؟
عم فؤاد أخد نفس طويل وقال اللي بعت الصورة مش عايز يؤذي آدم… هو عايز الملف.
بصيت للملف اللي على الترابيزة.
الملف ده؟
هز راسه.
من سنين طويلة ناس كتير حاولوا يوصلوا له، لأن فيه حاجة محدش قدر يلاقيها غير أبوكي.
قبل ما أسأله يقصد إيه…
سمعنا صوت رسالة وصلت على موبايل شريف.
فتحها.
كانت من رقم مجهول.
مفيهاش كلام.
مجرد صورة.
ولما قرب الموبايل مننا، اتجمدنا كلنا.
الصورة كانت لمدخل بيتي…
متصورة في نفس اللحظة.
وفي زاوية الصورة، كانت الساعة المعلقة عند الجيران باينة.
بصيت على الساعة اللي في الصالة عند هبة.
نفس التوقيت بالثانية.
يعني اللي صورها…
كان واقف قدام بيتنا دلوقتي.
من غير ما أفكر، جريت ناحية الباب.
لكن عم فؤاد مسكني بقوة.
قال متفتحيش.
ليه؟!
لأن ده اللي مستنيه.
وفي نفس الثانية…
رن موبايل أمي.
رديت بسرعة.
لكن اللي سمعته ماكانش صوت أمي.
كان صوت راجل هادي جدًا، قال
متقلقيش… آدم كويس.
اتجمد الدم في عروقي.
صرخت إنت مين؟! آدم فين؟!
رد بنفس الهدوء
لسه في البيت… لكن مش لوحده.
وقفلت المكالمة.
أنا وشريف بصينا لبعض، ومن غير كلمة واحدة جرينا نازلِين على السلم، وكل اللي في دماغي سؤال واحد…
مين سبقنا لبيتنا؟نزلنا السلم جري، ولا أنا ولا شريف كنا حاسين بأي حاجة حوالينا.
كل اللي في دماغي آدم.
ركبنا العربية، وشريف كان سايق لأول مرة بإيده بتترعش.
كل دقيقة كانت بتحسّسني إنها ساعة.
أول ما وصلنا العمارة، لقيت باب الشقة مفتوح.
صرخت باسم أمي وأنا بدخل.
ماما!
خرجت من المطبخ وهي متوترة، وقالت في إيه؟ إنتوا خوفتوني!
جريت على أوضة آدم.
كان نايم على السرير، وحاضن لعبته المفضلة، وكأنه مفيش أي حاجة حصلت.
حضنته بقوة، لدرجة إنه صحي مفزوع.
قال وهو بيفرك عينيه ماما… إنتي بتعيطي ليه؟
فضلت أبوسه وأنا مش قادرة أرد.
لكن بعد ثواني…
لاحظت حاجة غريبة.
على الكومودينو جنب السرير، كان فيه صندوق خشب صغير.
أنا متأكدة مليون في المية إنه ماكنش موجود قبل ما نخرج.
بصيت لأمي.
مين حطه هنا؟
استغربت وقالت أنا أول مرة أشوفه.
شريف قرب من الصندوق.
كان مقفول.
ولما بص للمفتاح اللي مع عم فؤاد…
لقيناه بنفس الشكل والحجم.
طلع المفتاح رقم 17 من جيبه، وحطه في القفل.
المفتاح دخل بسهولة.
لكن قبل ما يلفه…
لقينا ورقة مطوية تحت الصندوق.
فتحتها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط واضح
لو الصندوق اتفتح في الوقت الغلط… السر هيضيع للأبد.
بصينا لبعض في صمت.
شريف سحب إيده بعيد عن المفتاح.
وفي نفس اللحظة…
آدم، اللي كان لسه صاحي من النوم، بص للصندوق وقال بكل براءة
هو ده الصندوق اللي الراجل الطيب جابهولي؟
اتجمدنا كلنا.
قعدت قدامه بسرعة وقلت
أنهي راجل يا حبيبي؟
ابتسم وقال
الراجل اللي قال لي متخافش… ماما هتعرف الحقيقة قريب.
ثم أشار بإيده ناحية باب الشقة، وقال
هو كان لابس جاكيت بني… ولسه نازل من عندنا قبل ما إنتوا تيجوا بدقايق بصيت أنا وشريف لبعض، ومن غير ما نتكلم جرينا على البلكونة.
بصينا تحت.
الشارع كان زحمة كعادته.
ناس ماشية، عربيات معدية، وأطفال بيلعبوا.
لكن كان فيه راجل واحد بس لابس جاكيت بني، وماشي بخطوات هادية من غير ما يبص وراه.
شريف نزل يجري على السلم.
وأنا فضلت مع آدم.
بعد أقل من خمس دقايق رجع وهو بينهج.
قال وهو بيحاول ياخد نفسه
اختفى.
يعني إيه اختفى؟
لف آخر الشارع… ولما وصلت، ملقتش حد. كأنه تبخر.
في اللحظة دي، عم فؤاد كان لسه واقف قدام الصندوق.
بص لآدم وسأله بهدوء
الراجل قالك اسمه؟
آدم هز راسه.
لأ… بس قال إنه كان يعرف جدو.
اتجمدت.
جدو؟! تقصد أبويا؟
آدم هز راسه وهو بيلعب في لعبته.
آه… وقال لي أقوله لماما متفتحيش الصندوق غير لما تلاقي المفتاح التاني.
صرخت من غير ما أحس
مفتاح تاني؟!
عم فؤاد قفل عينيه للحظة، وكأنه افتكر حاجة كان ناسيها.
فتح الملف بسرعة، وبدأ يقلب في الأوراق بعصبية.
لحد ما وقف عند صفحة فيها رسم لصندوق مطابق تمامًا للصندوق اللي قدامنا.
وتحته مكتوب بخط أبويا
الصندوق لا يُفتح إلا بمفتاحين… وإذا وُجد أحدهما وحده، فاعرف أن الآخر أصبح في يد شخص سبقكم بخطوة.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
قلت
يعني إحنا معانا مفتاح واحد… والتاني مع مين؟
قبل ما عم فؤاد

يرد…
سمعنا صوت إشعار من تابلت آدم الصغير.
الغريب إن التابلت كان مقفول من يومين لأن البطارية كانت فاضية.
فتحناه…
لقينا صورة واحدة ظهرت عليه لوحدها.
لا فيها اسم مرسل… ولا تطبيق معروف.
الصورة كانت لوالدي.
واقف قدام باب حديد قديم.
وفوق الباب لوحة صغيرة مكتوب عليها رقم…
17 فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.
الصورة كانت واضحة بشكل غريب، كأنها متصورة امبارح، رغم إن أبويا متوفي من سنين.
كبرتها بإيدي.
ورا أبويا كان ظاهر جزء من لافتة معدنية عليها اسم مكان، لكن حرفين منها كانوا مستخبيين.
عم فؤاد أخد التابلت من إيدي، وبمجرد ما شاف الصورة، اتنهد وقال
أنا كنت فاكر إن المكان ده اتقفل من زمان.
سألته بسرعة
تعرفه؟
هز راسه بالإيجاب.
أعرفه… لكن عمري ما دخلته.
ليه؟
رد وهو باصص للصورة
لأن أبوكي كان دايمًا يقول اللي يدخل قبل ما يعرف السبب… هيخرج وهو تايه أكتر.
شريف قرب من التابلت، ودقق في الصورة.
وفجأة قال
استنوا… في حاجة غريبة.
كلنا بصينا.
أشار بإصبعه على زجاج الباب الحديد.
كان انعكاس شخص واقف بيصور الصورة.
لكن ملامحه ما كانتش واضحة.
الشيء الوحيد اللي بان…
إنه كان ماسك في إيده سلسلة، متعلق فيها مفتاح.
ولما كبرنا الصورة أكتر…
بان رقم صغير محفور على المفتاح.
18.
بصيت لعم فؤاد.
إحنا معانا مفتاح 17… واللي صور الصورة معاه 18.
هز راسه وقال
وده معناه إن اللي بيسبقنا بخطوة… عارف إحنا وصلنا لإيه.
في نفس اللحظة، سمعنا خبط خفيف على باب الشقة.
مش جرس…
خبطتين بس.
وبعدين سكون.
شريف فتح الباب بحذر.
مفيش حد.
لكن كان فيه ظرف أبيض على الأرض.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو عايزين تعرفوا ليه آدم وابن هبة اتولدوا بنفس الوحمة… قابلوني بكرة الساعة ٧ مساءً… عند الباب رقم 17.
ومتجيبوش الشرطة… لأن الحقيقة مش هتستنى حد فضلت ماسكة الورقة، أقراها مرة واتنين.
كل كلمة فيها كانت بتزود

قلقي.
رفعت عيني لعم فؤاد.
هنروح؟
بص لشريف، وبعدها بصلي وقال
لو مرحتوش… هتفضلوا طول عمركم بتسألوا نفس السؤال. ولو رحتوا… لازم تلتزموا بكل اللي مكتوب.
شريف قال بحزم
إحنا مش هنسيب حد يلعب بأعصابنا.
لكن عم فؤاد هز راسه.
اللي باعت الرسائل دي… عارف كل خطوة بتعملوها. بدليل إنه عرف إن الصندوق عندكم، وعرف إنكم فتحتوا الملف.
قضينا الليلة كلها صاحيين.
ولا أنا عرفت أنام، ولا شريف.
كل شوية أقوم أبص على آدم وهو نايم.
لحد قبل الفجر بشوية…
صحيت على صوت حركة في الصالة.
خرجت بهدوء.
لقيت نور الأباجورة مفتوح.
والصندوق الخشب…
كان في مكان غير اللي سيبناه فيه.
ناديت على شريف.
جري عليّ.
قال باستغراب
إنتِ اللي حركتيه؟
هزيت راسي.
لأ.
بصينا للصندوق.
كان مقفول زي ما هو.
لكن فوقه ورقة جديدة.
محدش سمع الباب يتفتح.
ولا الشباك.
ولا أي صوت.
فتحت الورقة.
كان مكتوب فيها بخط مختلف عن كل الرسائل اللي قبلها
متصدقوش كل اللي هيقولوه لكم عن الوحمة… لأنها مجرد علامة، مش السر نفسه.
وتحت الجملة…
كان فيه عنوان قديم في طرف المدينة.
وبجنبه ملاحظة صغيرة
ابدأوا من هنا… قبل ما تروحوا للباب رقم 17.
عم فؤاد أول ما شاف العنوان، اتغيرت ملامحه.
همس
لا… المكان ده مستحيل.
قلت
تعرفه؟
قال بصوت منخفض
ده بيت واحد كان شغال مع أبوكي زمان… واختفى فجأة من غير أثر.
سكت لحظة، ثم أكمل
ولو العنوان ده صحيح… يبقى في حد لسه بيراقب كل اللي حصل من أول يوم طلعنا تاني يوم بدري.
أنا، وشريف، وعم فؤاد.
أما آدم، سبناه عند أمي، بعد ما وصيتها ألف مرة متفتحش الباب لأي حد مهما حصل.
العنوان كان في شارع قديم، في منطقة هادية جدًا.
البيوت هناك كلها شكلها من زمن بعيد.
وقفنا قدام بيت صغير، بابه الخشب متآكل، والشبابيك مقفولة بالخشب.
لكن الغريب…
إن الباب ماكانش عليه تراب، كأن حد لسه فاتحه قريب.
شريف خبط.
محدش رد.
خبط تاني.
برضه مفيش.
عم فؤاد لف حوالين البيت، وبعد دقيقة نادانا.
تعالوا.
رحنا وراه.
كان فيه باب جانبي مفتوح سنة بسيطة.
دخلنا بحذر.
البيت من جوه كان فاضي تمامًا.
لا عفش.
لا ستاير.
ولا أي حاجة تدل إن حد ساكن فيه.
لكن في أوضة صغيرة آخر الطرقة، لقينا ترابيزة عليها جهاز عرض صور قديم، وجنبه علبة مليانة شرائط أفلام.
وفوق الترابيزة ورقة.
مكتوب فيها
اعرفوا البداية… قبل ما تدوروا على النهاية.
شريف شغّل جهاز العرض.
وبعد محاولات كتير اشتغل فعلًا.
ظهرت أول صورة على الحيطة.
كانت صورة لأبويا…
واقف جنب راجل معرفوش.
الاتنين كانوا بيضحكوا.
وفي إيديهم صندوق خشب.
نفس الصندوق اللي عندنا.
الصورة اللي بعدها…
كان فيها أبويا، وهبة وهي طفلة صغيرة مع أبوها.
استغربت جدًا.
بصيت لعم فؤاد.
هبة كانت تعرف أبويا؟
قال
أبوها كان زميله في الشغل سنين.
قلبي دق بقوة.
يبقى العلاقة بين العيلتين كانت أقدم بكتير مما كنت أعرف.
بدأت الصور تتغير بسرعة.
رحلات.
اجتماعات.
مناسبات عائلية.
كلها قديمة جدًا.
لكن فجأة…
وقفت الصورة على لقطة واحدة.
فيها أبويا واقف، وحاطط إيده على كتف طفل صغير.
ولما قربنا من الصورة…
عرفت إن الطفل ده كان شريف وهو عنده حوالي سبع سنين.
لفيت أبص لشريف.
كان مصدوم أكتر مني.
قال
أنا… عمري ما شوفت الصورة دي.
وقبل ما حد فينا يتكلم…
اشتغل جهاز العرض لوحده، رغم إن الفيلم كان خلص.
وظهر على الحيطة سطر واحد، بخط أبيض كبير
لو وصلتوا لحد هنا… يبقى حد منكم لسه ميعرفش الحقيقة عن نفسه فضلت الجملة معلقة على الحيطة ثواني… لكن بالنسبة ليا كانوا عمر كامل.
بصيت لشريف.
هو بصلي.
وبعدين إحنا الاتنين بصينا لعم فؤاد.
كان واقف مكانه، ملامحه اتغيرت، وكأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي.
قلت بصوت مخنوق
مين فينا؟
ما ردش.
راح ناحية مكتبة خشب صغيرة في ركن الأوضة، وحركها بصعوبة.
وراها ظهر تجويف في الحيطة.
جواه صندوق معدني صغير.
الصندوق ماكانش مقفول.
فتحه بهدوء، وطلع منه دفتر جلدة بني، مكتوب على أول صفحة
مذكرات… لا تُقرأ كاملة.
فتحه على آخر صفحة مباشرة.
كانت الصفحة الوحيدة اللي عليها علامة بقلم أحمر.
قرأ بصوت مسموع
إذا وصلت المذكرات إلى ندى، فاعلمي أن كل ما رأيته بعينيك كان حقيقيًا… لكن تفسيره كان ناقصًا. الوحمة لم تكن يومًا دليل قرابة، ولا دليل خيانة، بل كانت العلامة الوحيدة التي اعتمدنا عليها لنتأكد أننا لم نبدّل الملفات.
اتجمدت.
قلت بسرعة
ملفات؟! ملفات إيه؟
قلب عم فؤاد الصفحة.
لكنها كانت ممزقة.
والصفحة اللي بعدها ممزقة هي كمان.
كأن حد تعمد يشيل أهم جزء من المذكرات.
في آخر الدفتر كان فيه جيب ورقي صغير.
فتحناه.
طلع منه مفتاح تاني.
لكن مش رقم 18…
كان رقم 19.
بصينا لبعض في ذهول.
قلت
إحنا كنا فاكرين إن بعد 17 ييجي 18…
عم فؤاد همس
وده معناه إن اللي معاه 18… أخده قبلنا.
في اللحظة دي سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
بصينا من الشباك.
عربية سوداء.
نزل منها راجل لابس جاكيت بني…
نفس الجاكيت اللي آدم وصفه.
لكنه ما دخلش البيت.
وقف في الشارع، وبص مباشرة ناحية الشباك اللي إحنا واقفين فيه.
ورفع إيده…
وكان ماسك فيها المفتاح رقم 18.
ابتسم ابتسامة هادئة…
وبعدين لف وركب العربية تاني، وساب على الرصيف قدام البيت ظرفًا أبيض، وانطلقت العربية قبل ما نلحقها.
شريف جري نزل السلم يجيب الظرف.
ولما فتحه…
لقينا جواه خريطة قديمة للمدينة.
وعليها ثلاث دوائر فقط.
واحدة على البيت اللي إحنا فيه.
وواحدة على الباب رقم 17.
أما الدائرة الثالثة…
فكان مكتوب جنبها بخط صغير
هنا بدأت الحكاية الحقيقية شريف فرد الخريطة على الترابيزة، وكلنا قربنا نبص عليها.
الدائرة التالتة كانت على مبنى قديم في طرف المدينة، ملوش اسم.
مجرد رمز صغير مرسوم بالقلم.
عم فؤاد أول ما شاف الرمز، سحب نفس طويل وقال
ماكنتش أتمنى أشوف العلامة دي تاني.
قلت بسرعة
إيه هي؟
رد وهو بيعدي صوابعه عليها
أبوك كان بيستخدمها لما يحب يشير لمكان من غير ما يكتب اسمه… لأنه كان خايف المذكرات تقع في إيد حد.
شريف رفع الظرف تاني.
كان فيه ورقة صغيرة ملزوقة في القاع، ماكناش خدنا

بالنا منها.
فتحها.
مكتوب فيها
الترتيب مهم… 17 قبل البداية… والبداية قبل النهاية.
استغربت.
يعني نروح فين الأول؟
قال عم فؤاد
واضح إن اللي بيوجهنا عايزنا نوصل للحقيقة خطوة خطوة… ولو غيرنا الترتيب، هنفقد جزء منها.
في اللحظة دي رن موبايل هبة.
كانت متصلة بيا.
رديت بسرعة.
صوتها كان بيرتعش.
ندى… في حد دخل بيتي.
قلبي وقع.
إنتِ كويسة؟
قالت
أنا برا البيت… رجعت من الشغل لقيت الباب مقفول عادي، لكن أوضة ابني متقلبة كلها.
اتسرق حاجة؟
سكتت ثواني.
الغريب… ولا حاجة اتسرقت.
أمال؟
قالت بصوت منخفض
في حاجة واحدة بس اتاخدت.
إيه هي؟
الصورة… الصورة اللي كان فيها ابني وآدم واقفين جنب بعض في عيد الميلاد.
اتجمدت.
دي كانت أول صورة خلتني أشك أصلًا.
قلت
بس ليه ياخد الصورة ويسيب كل حاجة؟
قبل ما هبة ترد…
قالت فجأة
استني…
سمعتها بتجري.
وبعدين رجعت تهمس
في ورقة محطوطة مكان الصورة.
قلت بسرعة
مكتوب فيها إيه؟
قرأت بصوت متقطع
الشبه كان المقصود تشوفوه… لكن اللي فاتكم كان في خلفية الصورة.
أنا وشريف بصينا لبعض في نفس اللحظة.
لأننا افتكرنا…
إن الصورة دي كان ظاهر ورا الولدين فيها شخص واقف بعيد، وماكنّاش ركزنا فيه وقتها.
لكن دلوقتي…
الصورة نفسها اختفت فضلنا ساكتين لحظات.
كل واحد فينا بيحاول يفتكر الصورة من ذاكرته.
قلت وأنا مغمضة عيني
فاكرة إن كان فيه ترابيزة عليها تورتة… والأطفال كلهم واقفين قدامها.
شريف هز راسه.
وفي الخلفية… كان فيه راجل.
بصيتله بسرعة.
إنت فاكره؟
قال
مش فاكر وشه… لكن فاكر إنه ماكانش بيبص للتورتة ولا للأطفال.
كان بيبص على آدم.
عم فؤاد قام مرة واحدة.
لا… كان بيبص على الاتنين.
سكتنا كلنا.
إزاي هو فاكر تفاصيل الصورة بالشكل ده؟
بصيتله باستغراب.
إنت شفت الصورة قبل كده؟
عرف من نظرتي إنه اتكشف.
قعد على الكرسي وقال
آه… شفتها.
إمتى؟
بعد عيد الميلاد بأسبوع.
شهقت.
يعني كنت عارف إن الصورة دي مهمة وسكت؟
قال بحزن
لأن أبوكي كان موصيني… لو الصورة ظهرت، متكلمش غير لما توصلوا للملف.
قبل ما أكمل أسئلتي، لفت نظري حاجة في جهاز العرض.
كان لسه شغال.
لكن محدش لمسه.
ظهرت صورة جديدة.
ماكنتش موجودة في الشرائط.
الصورة كانت ضبابية، لكنها بتوضح نفس

حفلة عيد الميلاد…
من زاوية مختلفة.
المرة دي، الأطفال كانوا ظاهرين من الجنب.
والراجل اللي في الخلفية كان أوضح.
لكن قبل ما ملامحه تبان…
الصورة وقفت.
وبدأت تقرب لوحدها على ركن صغير في الحيطة.
مش على الأطفال.
ولا على الراجل.
على ساعة حائط.
الساعة كانت واقفة عند 700 بالضبط.
وتحتها باب صغير، عليه لوحة معدنية مكتوب عليها
17
بصينا لبعض.
شريف قال
الساعة سبعة… والباب 17.
عم فؤاد هز راسه ببطء.
يبقى الرسالة ماكانتش بتحدد المكان وبس… كانت بتحدد التوقيت كمان.
نظرت في ساعتي.
كان باقي أقل من ساعة على السابعة مساءً.
وفي نفس اللحظة…
وصلت رسالة جديدة على موبايلي من رقم مجهول.
مفيهاش غير سطر واحد
لو اتأخرتوا دقيقة واحدة… الشخص اللي مستنيكم هيمشي، ومعاه آخر إجابة كان أبوكي مخبيها بصيت في الساعة مرة تانية.
فضل أقل من ساعة.
ولا حد فينا اتكلم.
شريف طوى الخريطة بسرعة، وحط المفتاحين 17 و في جيبه.
عم فؤاد وقف قدام الباب وقال
من هنا ورايح، أي حاجة تحصل… متنفصلوش عن بعض.
نزلنا بسرعة.
الطريق للباب رقم 17 كان أقصر من المعتاد، لكن الزحمة كانت خانقة.
كل دقيقة كانت بتحسسني إن الوقت بيجري أسرع من العربية.
أخيرًا وقفنا قدام المبنى.
كان مبنى قديم جدًا، من دورين، والباب الحديد اللي في الصورة لسه مكانه.
وفوقه نفس اللوحة المعدنية…
17.
بصيت في ساعتي.
الساعة كانت 657.
دخلنا.
الممر كان طويل، وإضاءته ضعيفة.
وفي آخره ترابيزة خشب صغيرة.
وفوقها ساعة رملية.
الرمل كان لسه بينزل.
وجنبها ورقة.
شريف فتحها.
كان مكتوب فيها
أنتم وصلتم في الوقت… وده أول اختبار نجحتوا فيه.
لفينا نبص حوالينا.
مفيش حد.
لكن فجأة سمعنا صوت رجل من آخر الممر.
كنت متأكد إنكم هتيجوا.
خرج من الضلمة بهدوء.
كان نفس الراجل صاحب الجاكيت البني.
ملامحه كانت هادئة، ولا فيها خوف ولا تهديد.
وفي إيده المفتاح رقم 18.
قرب من الترابيزة، وحط المفتاح جنب الساعة الرملية.
وقال
ده مكانه.
شريف شدني لورا وقال بحذر
إنت مين؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا مش عدوكم… ولو كنت عايز أضركم، ماكنتش بعتلكم كل الرسائل.
قلت بعصبية
إذن ليه كل الغموض ده؟
رد وهو بيبص مباشرة ناحيتي
لأن الحقيقة لو عرفتيها مرة واحدة… مش هتصدقيها.
مد إيده ناحية شريف.
هات مفتاح 17.
شريف ما اتحركش.
الراجل هز راسه وكأنه كان متوقع.
فطلع من جيبه ورقة مطوية.
وحطها على الترابيزة.
دي بخط والدك.
فتحتها بسرعة.
كانت أول مرة أشوف خط أبويا من غير أي صفحات ممزقة أو ناقصة.
وكان أول سطر فيها يقول
إذا كنت بتقرأ الرسالة دي يا ندى، فاعرفي إن كل اللي حصل كان سببه قرار أخدته أنا بإرادتي… ومحدش في العيلة كان له ذنب فيه.
قبل ما أكمل القراءة…
الراجل قال بهدوء
كملي… لكن اعرفي إن بعد أول صفحة، مفيش رجوع إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب أول صفحة.
لكن قبل ما أقرأ أول سطر، مد الراجل إيده وقال
استني.
بصيتله بغضب.
قال بهدوء
اقريها بصوت عالي… لأن الرسالة مش مكتوبة لشخص واحد.
بصيت لشريف، ثم لعم فؤاد، وبدأت أقرأ.
يا ندى… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتي إن الوحمة ما كانتش سبب اللي حصل، ولا كانت سره. الوحمة كانت مجرد علامة صغيرة كنا بنستخدمها عشان نتأكد إننا بنتكلم عن نفس الملف، ونفس القضية.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني.
قضية؟
الراجل هز رأسه.
كملي.
رجعت للورقة.
لما بدأت أجمع المعلومات، اكتشفت إن فيه أوراق مهمة اختفت من أكتر من بيت، وكل مرة كانت بتختفي بنفس الطريقة. الناس كانت تفتكر إن مفيش علاقة بين الأحداث… لكن أنا عرفت إن فيه خيط واحد بيربطها.
قلبي بدأ يدق أسرع.
الرسالة كانت مختلفة عن كل اللي توقعته.
لا خيانة.
ولا تبديل أطفال.
ولا أي سر عائلي بالشكل اللي كنت بخاف منه.
كانت بتتكلم عن حاجة أكبر.
قلبت الصفحة.
لكن…
آخرها كان مقطوع.
مش ممزق.
لا.
متقصوص بمقص بعناية.
وفي أسفل الصفحة مكتوب
باقي الرسالة… داخل الصندوق.
بصيت للصندوق الخشبي اللي معانا.
ثم للمفاتيح الثلاثة.
17…
18…
19…
الراجل صاحب الجاكيت البني مد المفتاح رقم 18 لشريف وقال
دلوقتي… بقى معاكم الثلاث مفاتيح.
ثم لف ضهره واستعد يمشي.
صرخت
استنى! إنت لسه مقولتش مين إنت!
وقف مكانه ثواني.
من غير ما يلف.
وقال جملة واحدة
أنا آخر واحد أبوكي وثق فيه…
ثم خرج من الباب الحديد، واختفى في هدوء.
ساد الصمت.
بصيت للمفاتيح الثلاثة في إيد شريف.
ثم للصندوق.
كان أول مرة يبقى عندنا كل اللي نحتاجه علشان نفتحه…
لكن محدش فينا مد إيده ناحيته شريف حط المفاتيح التلاتة قدام الصندوق.
كل واحد دخل في مكانه بسهولة.
بصلي وقال
جاهزة؟
هزيت راسي، وأنا حاسة إن كل الأسئلة اللي عشت بيها السنين دي هتتجاوب دلوقتي.
لف المفاتيح في نفس اللحظة…
وسمعنا صوت تك.
الصندوق اتفتح.
جواه كانت ملفات مرتبة بعناية، وفوقهم ظرف كبير مكتوب عليه بخط أبويا
إلى ندى… لو وصلتي لهنا، يبقى نجحتي تحافظي على الأمانة.
فتحت الظرف بسرعة.
وكانت الرسالة الأخيرة.
يا بنتي… يمكن طول عمرك افتكرتي إن الوحمة هي السر، لكن الحقيقة إنها عمرها ما كانت غير علامة صغيرة اخترعناها أنا وأبو هبة لما كنا شغالين مع بعض.
كنا بنحقق في قضية كبيرة تخص شبكة بتزور مستندات وبتستولي على أملاك ناس كتير، وكنا محتاجين طريقة نميز بيها الملفات الأصلية من النسخ المزورة من غير ما حد يشك.
استخدمنا رسمة الهلال الصغيرة كرمز سري، ومع مرور السنين بقت العلامة مرتبطة بالقضية نفسها.
بعد ما اتولدتوا أنتم وأولادكم، اكتشفنا بالمصادفة إن آدم وابن هبة عندهم نفس الوحمة النادرة، فخفنا حد يربط بين العلامة الحقيقية وبين القضية القديمة.
وقتها قررنا نخبي كل الملفات، ونوزع مفاتيح الصندوق في أماكن مختلفة، لحد ما ييجي اليوم اللي تكونوا فيه مستعدين تعرفوا الحقيقة.
قلبت الصفحة الأخيرة.
لو بتقري الرسالة دي، يبقى القضية انتهت، والناس اللي
حاولت تخفي الحقيقة مبقاش ليها وجود.
الراجل صاحب الجاكيت البني اسمه عادل، وكان أوفى شخص اشتغل معايا. هو اللي حمى الملفات بعد وفاتي، وبعتلكم الرسائل علشان تتبعوا الطريق الصح من غير ما تقعوا في استنتاجات غلط.
أوعي في يوم تشكي في شريف… ولا في هبة. هما بريئين من أول يوم.
وخلي الوحمة تفضل بالنسبة لآدم مجرد علامة جميلة تميزه، مش سبب خوف أو شك.
خلصت القراءة، وأنا دموعي نازلة.
لفيت بصيت لشريف.
قلت وأنا ببكي
سامحني… أنا ظلمتك لما شكيت فيك.
حضني بقوة وقال
أنا كنت مستعد أستحمل أي حاجة… المهم توصلي للحقيقة.
هبة هي كمان كانت بتعيط، وقربت مني وحضنتني.
بعد أيام، سلّمنا الملفات للجهات المختصة، واتأكدنا إن القضية القديمة اتقفلت رسميًا، وإن كل أصحاب الحقوق رجعلهم حقهم.
أما الصندوق…
فاحتفظنا بيه في بيتنا، لكن من غير أسرار.
كبر آدم وابن هبة، وكل واحد فيهم كان يفتكر إن الهلال الصغير ورا ودنه مجرد وحمة نادرة، ويحكوا عنها وهم بيضحكوا.
أما أنا…
فكل ما أشوف الوحمة، أفتكر الدرس اللي غير حياتي
أخطر الأسرار مش اللي بتخلينا نشك في اللي بنحبهم… أخطرها هي اللي تخلينا نحكم قبل ما نعرف الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *