مكالمه بنتي حكايات زهره الربيع

بنتي اتجوزت بعيد عني.. سافرت لآخر الدنيا في الصعيد وبقالي يومين كل ما اسأل عنها جوزها يطلعلي بحجه ..ولما ردت عليا اخيرا قالتلي جمله خلت قلبي هيقف وسافرتلها في نص الليل.
بنتي اتجوزت في الصعيد بعيد عني و​رغم المسافة، مكنش بيعدي يوم من غير ما أكلمها فيديو كول.
​أول امبارح، جوزها قالي إنها واخدة دور برد شديد ونامت بدري.
​وامبارح، قالي زورها واجعها ومش قادرة تتكلم.
​لحد النهاردة، لما طلع وقالي إنها بقت زي الفل وصحتها بومب.
​شفتها في الشاشة، كانت قاعدة هادية ومستكينة في حضنه، ومرسومة على وشها ضحكة رقيقة.
​ضحكت وسألتها:
“أنا بفكر أطلع رحلة كام يوم كدة.. إيه رأيك أروح الفيوم يا مريم؟”
​بنتي ردت عليا في ثانية:
“لأ يا ماما، روحي رأس البر أحسن.”
​في اللحظة دي، جسمي كله قشعر، وحسيت برعشة في ضهري.
جسمي عرق في ثانية!
​أول ما قفلت السكة، قمت جري لميت هدومي في الشنطة.
​المسافة من بيتنا هنا في طنطا لحد بلد جوزها “مدحت” في قنا، أكتر من 600 كيلومتر.
​لو فكرت أركب مواصلات، هضطر أخد القطر السريع وبعدين أغير لميكروباصات تانية تمشي في مدقات جبلية، وأقرب ميعاد سفر هيكون بكره العصر.
​بس

أنا مكنتش قادرة أستنى ثانية واحدة.
​كلمت ابني “أحمد” وقولتله يدور العربية ويجهز عشان هنسافر حالاُ.
​لما عرف إننا رايحين لأخته، فرح جداً وزعق من الفرحة.
​من يوم ما أخته اتجوزت وسافرت الصعيد، مكنتش بتنزل غير مرة واحدة في السنة، والمرة دي بقالنا قرب سنة كاملة مشوفناش بعض.
​”استنيني يا أمي خمس دقائق.. هعدي على المحل أجيب جوزين الحمام المحشي اللي أختي بتموت فيهم.”
​شاورتله بإيدي وقولتله:
“مش لازم حمام.”
​”أومال أجيب إيه؟”
​”انزل هاتلي شاقوف (بلطة صغيرة) من عند الموان.”
​أحمد تنح وتنّح ووشه اتخطف:
“بلطة يا أمي؟! وإحنا رايحين ل أختي هناخد معانا بلطة ليه؟!”
​”المطاوي والسكاكين الكبيرة بتبقى سلاح أبيض وممنوعة في الأكمنة، لكن البلطة تعتبر عدة شغل عادي.”
​بصلي وهو مش فاهم حاجة خالص:
“هو في إيه يا ماما؟ إحنا مش رايحين نزور أختي برضه؟”
​رديت عليه ببرود وثبات:
“أختك كانت بتقولي إن الطريق الجبلي عندهم فيه شجر شوك وبوص كتير بيقفل السكة، وساعات بيحتاجوا يقطعوه.. أهو ينفعنا.”
​أحمد هز رأسه وهو مش مقتنع أوي، بس نزل جري وهو مستعجل.
​فكرت ثانية وندهت عليه من البلكونة:
“بقولك إيه! بلاش حمام خالص.. أختك حامل ومش هتقدر تأكل الحاجات دي.”
​عينه لمعت من الفرحة:
“أختي حامل؟! يعني أنا هبقى خال؟ يا فرج الله! ده أنا لازم أشتريلها لعب وحاجات للبيبي بقى!”
​”قدامك بالضبط عشرين دقيقة.. لو متلقيتكش قدامي، هسوق أنا وأمشي.”
​كنت خايفة بنتي ميكونش عندها وقت تستنى كل ده.
​أحمد نزل السلم زي الطلق، هو أصلاً بيلعب ألعاب قوى وجسمه رياضي وطويل، حركته سريعة جداً.
​استغليت الوقت ولميت باقي الحاجات، وفكرت ثانية وقمت حاطة في الشنطة مسن حديد من بتاع المطبخ.
البلط اللي بتتباع في السوق اليومين دول بتبقى حديد صاج خفيف، خبطتين والشفة بتاعتها تتلم.. لازم تتدق وتتسن كويس.
​مكملش العشرين دقيقة وكان واصل، غرقان في عرقه، دخل الحمام أخد دش سريع على الماشي.
أنا نزلت قبله، رتبت الشنط في الشنطة وفتحت الـ GPS وقعدت في الكرسي اللي جنب السواق.
​الشارع بره كان زحمة والعربيات رايحة جاية، بس عقلي مكنش فيه غير صورة بنتي في المكالمة الأخيرة.
​الدنيا حر نار، وهي قاعدة ولابسة عباية بكم مقفولة لحد رقبتها!
وشها وخسسانها كان باين جداً.. بس بطنها من تحت كانت بارزة شوية.
لو تخميني صح، فهي فعلاً حامل.
​طول المكالمة، إيد مدحت مكنتش بتفارق وسطها وبطنها.. اللي يشوفهم يقول منتهى الرومانسية.
بس أنا عارفة بنتي.. مريم خجولة جداً، وعمرها ما كانت بتحب تظهر مشاعرها أو تتملق قدام حد، حتى لو قدامي أنا شخصياً.
​عشان كده…
بنتي كانت مجبرة.. كانت تحت التهديد!
​أول ما الفكرة دي جت في بالي، دموعي غلبتني وحسيت بنار في صدري.
مريم.. يا قلب أمك.. إيه اللي جرى لك؟
​أحمد ركب العربية وهو شايل كيسين فيهم فراخ بلدي متبلة ومستوية جاهزة.
“يا أمي، مريم بتحب الفراخ دي برضه، أخدتها من الفريزر معانا.”
​”ماشي يا حبيبي..
​غمضت عيني وسندت ظهري، بحاول أهدي ضربات قلبي، بس جسمي كان بيرتعش غصب عني.
كنت ندمانة.. ندمانة إني موقفتش للجوازة دي بالمرصاد من الأول.
​بنتي مريم ومدحت كانوا زمايل في جامعة طنطا.
يوم التخرج، كنت أتمنى يقعدوا هنا في المدينة ويشقوا طريقهم. أنا معنديش غير ولد وبنت، وجوزي مات من بدري وشقيت عليهم لوحدي لحد ما كبروا.
أحمد شقي وحركي زي القرد، ومريم هادية وطيبة زي النسمة.
مكنتش عايزة أبعدها عن حضني.. كنت خايفة مأقدرش أحميها لو جرى لها حاجة.
​بس مدحت كان متمسك وقال إن بلدهم في الصعيد فيها مشاريع ومستقبل، وإن أهله طفحوا الدم عشان يعلموه ولازم يرجع يرد لهم الجميل.

لمحة نيوز

​أنا رفضت رفض قاطع.. بس بنتي قلبها خفيف وطيب.
ولأول مرة في حياتها تعصاني، ووافقت وكتببوا الكتاب
من غير فرح.. ومن غير شبكة تليق بيها.
​أحمد وقتها قالي: “يا أمي مدحت ده بيلعب بأختي وبيرسم عليها”، بس مريم ضحكت وقالت: “أهله على قد حالهم يا ماما، بلاش نبقى ماديين.”
بنتي مكنتش تعرف الدنيا فيها إيه ولا قلوب البشر مخبية إيه.
جواز البنت بعيد عن أهلها بيبقى قمار.. رهان على ضمير الراجل اللي معاها.
ومدحت ده… هل عنده ضمير أصلاً؟
​طول السنة اللي فاتت، حاولت أروح أزورها كذا مرة، وكل مرة يطلعوا بحجة تمنعني.
ومريم كانت دايماً بتبين إنها أسعد واحدة في الدنيا.
دلوقتي بس فهمت.. كل ده كان تمثيلية متفبركة ومحبوكة صح.
أنا بجد هأكل نفسي من الندم إني مفهمتش بدري.
​فجأة.. العربية فرملت جامد.
أحمد قال: “في حاجة غلط يا أمي.”
​بصيت قدامي، لقيت الطريق واقف تماماً وفي تحويلات وأعمال صيانة للطريق السريع.
أحمد قال: “تفتكري نلف وناخد الطريق الصحراوي التاني؟”
​فتحت الخريطة على الموبايل.. لو لفينا هنزود أكتر من 60 كيلومتر.
أنا مكنش عندي وقت أضيعه.
بس السكة قدامنا مقفولة فعلاً ومفيش مجال نعدي.
قعدت أدقق في الخريطة ثواني، وشاورت بصبعي على مدق صغير:
“خش من السكة دي.”
​أحمد بصلي بذهول: “يا أمي ده مدق ضيق وكسر! عربيتين ميعرفوش يعدوا من جنب بعض فيه.. وإحنا بقينا نص الليل، عايزانا نمشي فيه؟!”
​”امشي فيه وأنت ساكت،” قولتهاله بلهجة حاسمة.
“الحتة الضيقة دي متكملش كيلومتر واحد، أول ما نعديها هنرجع لخط الأسفلت السريع تاني.”
​بص في عيني طول أوي، ووشه قلب وبقى سيريس جداً:
“أمي… هو في حاجة حصلت ل مريم؟”
​فكرت شوية وهزيت رأسي: “غالباً اه.”
​أول ما سمع الكلمة، عروقه نفرت ودمه فار:
“ابن *** مدحت ده، صح؟ أنا من أول يوم شوفت خلقته وأنا مش طايقه.. وربنا ل أروح أفرتكوا!”
​الغل والشياطين كانت بتنط من عينه.
أحمد من صغره وهو متعلق باخته جدا .. يوم ما اتجوزت، قفل على نفسه الأوضة يوم كامل
شفت منظره وهو قايد نار، قمت مخبطاه بالراحة على دماغه:
“شغل مخك ده.. بلاش غشومية.. فرتك مين وبتاع مين؟ أنت فاكر نفسك في عصر الفتوات؟ ركز في السواقة وبس
​العربية طارت وسط الضلمة، وبعد وقت مش كتير، رجعنا تاني على الطريق السريع.
​طلعت الموبايل وقعدت أعيد الفيديو كول بتاع العصر تاني وتاني.
من أول ثانية في المكالمة وأنا حاسة بإن في حاجة مش طبيعية.. الكاميرا كانت مرفوعة لفوق زيادة عن اللزوم، ومبينة بس من أول بطنها وطالع.
إحساس الأم كان بيقولي إن مدحت بيخبي حاجة تحت كادر الكاميرا.
عشان كدة أنا سجلت الشاشة فيديو وأنا بكلمها.
​أحمد قرب مني وبص على الشاشة:
“يا ماما، هي مريم مالها طالعة ميبسة كدة زي بتوع الذكاء الاصطناعي (AI)؟”
حواجبة اتقفلت: “تفتكري تكون عاملة فينا مقلب ومغيرة وشها بالبرامج عشان تضحك معانا؟”
​بصيت له بطرف عيني: “أختك وش المقالب دي؟”
​”وماله، جايز.. أول امبارح وامبارح مكنتيش عارفة توصلي لها، وأنتِ قولتي لها بهزار لو مظهرتيش هبلغ الشرطة.. يمكن خافت تقلقي فعملت كدة.”
​وطلع موبايله وفتح أبلكيشن، وفي ثواني غير وشه وصوته تماماً.. لدرجة تخليك تشك في عينك.
​سألته: “يعني أنت شايف إن اللي في الفيديو دي مش أختك؟”
​مسك الموبايل ودقق أوي:
“مش قادر أحكم.. بس بصي يا أمي.. ملامح وشها وتعبيراتها ثابتة مبتتحركش تقريباً، وإيد جوزها ثابتة في نفس المكان مابتتهزش.. ده شغل AI واضح أوي.”
طب ​”لو الـ AI والبني آدم الحقيقي بقوا شبه بعض بالمنظر ده… هنفرق بينهم إزاي؟”
​”سهلة يا ماما.. الـ AI ميعرفش الأسرار والحاجات الخاصة اللي بينكم.. يعني لو سألتيه على حاجة سر، وجاوب صح، يبقى بني آدم حقيقي.”
​في اللحظة دي.. عقلي وقف تماماً.
​”رأس البر…”
​مسكت الموبايل وضغطت عليه بكل عزمي وعيني بتطلع شرار:
“رأس البر دي.. هي الشفرة االي في الفيديو بنتي ..بنتي في مصيبه !!!!!!!!
​أحمد بصلي ووشه اتقلب ميت لون، فرمل العربية على جنب فجأة لدرجة إن الكاوتش صرخ على الأسفلت. بصلي وعينه برقت: “رأس البر؟ شفرة إيه يا أمي؟ فهميني بالراحة، أنا دماغي هتلف!”
​دموعي نزلت غصب عني، بس كانت دموع حامية زي النار، مسحتها بسرعة بظهر إيدي وقولتله بصوت محشرج من الخوف والغضب: “أختك مريم يا أحمد.. مريم بتكره رأس البر كره العمى! لما كانت في الإعدادية، رحنا هناك مصيف، والموج سحبها وكانت هتغرق وتموت لولا ستر ربنا، ومن يومها جالها فوبيا من المايه ومن السيرة دي كلها.. مريم لو كانت واعية وفي كامل إرادتها، وعايزاني أروح رحلة أصيف، مستحيل.. مستحيل تقولي روحي رأس البر! دي قالتها عشان تفوقني، عشان تقولي (الحقيني يا أمي أنا بغرق)!”
​أحمد ضرب الدريكسيون بقبضة إيده خلى الكلاكس يضرب صرخة طويلة في ضلمة الطريق السريع: “ابن الكلاب! يعني اللي كانت في الفيديو دي مريم فعلاً بس مجبرة؟ ولا ده اللي اسمه ذكاء اصطناعي وهو مركب وشها؟”
​رديت عليه وأنا برجع راسي لورا وبفتكر ملامحها: “لأ، دي مريم.. مريم الحقيقية. الـ AI ميعرفش رأس البر ولا يعرف الفوبيا بتاعتها، هي لقطت سؤالي عن الفيوم، وفهمت إني برمي لها حبل نجاة، فجاوبت بالإجابة اللي تصحيني.. بس هي مجبرة، مدحت كان حاطط إيده ورا ظهرها، مش حب ورومانسية زي ما افتكرت في الأول، لأ.. ده كان ضاغط عليها، ويمكن كان فيه سلاح في ظهرها تحت العباية الواسعة دي وهي بتتكلم!”
​أحمد عينه اسودت، داس بنزين بكل عزم عربيتنا القديمة، والموتور زأر وسط الليل. السكة كانت ضلمة كحل، ومفيش غير كشافات العربية هي اللي بتشق السواد ده. كنت حاطة إيدي على بطني وبدعي في سري: “يا رب سلم.. يا رب احمي بنتي.. يا رب متورينيش فيها سوء.”
​الساعات كانت بتمر علينا كأنها سنين. وصلنا حدود قنا والفجر كان بيشقشق، النور الخفيف بدأ يظهر على البيوت الطوب والزروع، والجو بدأ يقلب بحرارة الصعيد الحامية. أحمد كان سايق بقاله أكتر من سبع ساعات من غير ما يغمض عينه، وشه كان مجهد وعروق جبهته بارزة من العصبية.
​”أمي.. إحنا قربنا على المركز بتاعهم، هندخل البيت إزاي؟ دول ناس صعايدة وعزوة، ومدحت وسط أهله وناسه، لو دخلنا بغشم وعملنا مشكلة، ممكن يقلبوا الترابيزة علينا ويقولوا بنتهكم على بيتهم.” أحمد قالها وهو بيمسح العرق من على وشه.
​بصيت له وقولتله بثبات غريب نزل عليا من السما: “إحنا مش رايحين نتخانق.. إحنا رايحين نزور بنتنا في الساكت. الشنطة ورا فيها الفراخ المستوية، وفيها البلطة.. البلطة دي مش هنطلعها غير لو شفنا وِش منكر. ادخل الهو الخارجي للبلد من غير ما تعمل صوت.”
​وصلنا البلد على الساعة سبعة الصبح. البيوت كانت هادية، والناس لسه بتبدأ يومها في الغيطان. بيت مدحت كان بيت كبير من دورين مبني بالطوب الأحمر، وله بوابة حديد ضخمة. أحمد ركن العربية بعيد شوية تحت شجرة جميز كبيرة عشان م نلفت الانتباه.
​نزلت من العربية، وجمود غريب اتمكن مني. أحمد فتح الشنطة، أخد كيس الفراخ في إيد، وتحت الجاكيت الرياضي بتاعه، حط البلطة الصغيرة اللي سنها كويس في طنطا. ملامح ابني في اللحظة دي مكنتش ملامح الشاب الضحوك بتاع ألعاب القوى.. كانت ملامح راجل ناوي على شر لو حد مس أخته.
​مشينا لحد البوابة، خبطت تلات خبطات جامدين. ثواني وفتحت لنا أمه.. ست كبيرة، لابطة شال أسود على راسها، أول ما شافتني عينيها وسعت من الصدمة

عينيها وسعت من الصدمة، ووشها جاب ألوان: “يا مري! أم أحمد؟! إيه اللي جابكم في الوكت ده ومن غير سيرة؟!”
​دخلت من جنبها من غير ما أستأذن، وبصوت عالي وهادي قولت: “جيت أشوف بنتي يا أم مدحت.. وحشتني، وجبتلها معايا لقمة تاكلها من إيد أخوها.”
​البيت من جوه كان ضلمة ورياحه غريبة.. ريحة كمكمة وغم. أم مدحت بدأت تبرجل وتزعق تنادي على ابنها: “يا مدحت! يا مدحت الحق، حماتك وأخو مرتك اهنه!”
​في ثواني، نزل مدحت من على السلم وهو لابس جلابيته، وشه كان أصفر ومخطوف، بس حاول يرسم ابتسامة صفرا على بقه: “يا مرحب يا حماتي، يا مرحب يا أحمد.. منورين قنا، بس مش كنتوا تقولوا طيب؟ ده مريم تعبانة ونايمة جوه.”
​أحمد خطى خطوة لقدام، وبص لمدحت عينه في عينه، وبصوت جهوري قالي: “تعبانة برضه يا مدحت؟ مش أنت قولت لأمي امبارح إنها بقت بومب وزي الفل؟”
​مدحت اتهز وبلع ريقه: “ها؟ اه.. هي صِحت شوية امبارح وعاودت تعبت تاني في الليل.. دور برد واعر يا جماعة، سيبوها ترتاح واقعدوا اضيفكم الأول.”
​في اللحظة دي، سمعت صوت كتمة ونحيب مكتوم جاي من الأوضة اللي في أرضي.. صوت أنين ضعيف مفيش حد في الدنيا يعرفه غير الأم اللي ولدت صاحبة الصوت ده.
​”مريم!” صرخت بأعلى صوتي وجريت على باب الأوضة.
مدحت وقف في طريقي ومد إيده يمنعني: “يا حماتي مينفعش إكده! دي أوضة نومي، ومرتي تعبانة!”
​أحمد مكنش عنده وقت للكلام.. في لمح البصر، مسك مدحت من ياقت جلابيته وبقوته الجسمانية رفعه لفوق وزقه في الحيطة خلى عضم ظهره يزيق: “وربنا لو ما بعدت عن طريق أمي ل أكون دافنك مكانك يا مدحت!”
​أم مدحت بدأت تصوت وتلطم

على وشها: “يا فوتنا.. الحقونا يا ناس! الضيوف جايبين معاهم قلة قيمة!”
​أنا مكنتش سامعة صويت أمه، ومكنتش شايفة أحمد وهو كابس على نفس مدحت. مسكت أكرة الباب وفتحتها بقوة.. الأوضة كانت ضلمة كحل وريحتها دوا ومطهرات. فتحت النور، وعيني وقعت على السرير.
​في اللحظة دي.. قلبي اتخلع من مكانه، وجسمي كله جمد.
مريم بنتي.. حتة من قلبي، كانت مربوطة في السرير من إيديها ورجليها بحبال قماش تخينة عشان متجرحهاش، بوقها مكنش مربوط، بس كانت حاطة شاش عليه دم ناشف. وشها كان منفوخ ومزرق من الضرب، والعباية مقطوعة من عند كتفها ومبينة علامات حرق بـ سجاير!
​أول ما شافتني، عينيها اللي كانت دبلانة لمعت بالدموع، وحاولت تصرخ بصوت مبحوح ومكتوم: “ماما.. الحقيني يا ماما!”
​”يا مرار يومي! يا قلب أمك!” صرخت ورميت نفسي عليها. قعدت أفك في الحبال بضوافري وأنا بنهج وببكي بدموع حرقت وشي. أحمد سمع صرختي، ساب مدحت اللي كان وشه أزرق، ودخل الأوضة زي الإعصار.
​أول ما شاف أخته بالمنظر ده.. أحمد اتعمى. ملامحه اتقلبت لوحش كاسر. طلع البلطة من تحت الجاكيت وهو بيصرخ صرخة هزت أركان البيت كله: “يا ابن الكلب!! عملت في أختي إيه يا مجرم؟! دي الأمانة اللي اؤتمنيت عليها؟!”
​مدحت جرى يستخبى ورا أمه وهو مرعوب، بعد ما شاف البلطة في إيد أحمد، والشرار اللي نازل من عينه. أحمد كان رايح عليه يفرتكه فعلاً، بس أنا وقفت في النص وزعقت فيه: “أحمد!! فك أختك الأول! أختك بتموت في إيدينا!”
​أحمد اتنفس بصعوبة، ونزل البلطة وضرب بيها الحبال اللي في السرير قطعاها في ثانية. شيلنا مريم، البنت كانت زي الريشة.. خسست النص، وجسمها كله بيرتعش، وبطنها كانت بارزة شوية زي ما توقعت.
​حضنتها ودموعي بتغسل وشها: “أنتِ كويسة يا مريم؟ البيبي كويس؟”
مريم كانت بتعيط بهستيريا وتترعش في حضني: “الحقيني يا ماما.. كان هيموتني ويموت ابنك اللي في بطني.. كان حابسني بقاله أسبوع، وكل ما أصرخ يضربني ويقولي مش هتشوفي أهلك تاني.. لما قولتي هتبلغي الشرطة، جابلي الموبايل بالعافية وحط السكينة في ضهري وقالي اتكلمي كأنك طبيعية وإلا هسقطك.. لولا رأس البر يا ماما.. لولا رأس البر كان قتلني!”
​أحمد بص لمدحت اللي كان هيموت من الرعب في زاوية الأوضة، وبصوت زي الرعد قاله: “أنت مش راجل.. أنت كلب، وربنا ما هسيبك!”
​مدحت حاول يتشطر ويتكلم بصوت مرعوب: “دي مرتي.. وأنا حر فيها، واطلعوا بره بيتي وإلا هلم عليكم البلد وأقول حرامية وجايين تقتلونا!”
​في اللحظة دي، دخلوا اتنين من أعمام مدحت على صوت الصويت، وكانوا شايلين شوم في إيديهم. واحد منهم زعق: “في إيه عاد؟ إيه السلاح ده في بيوتنا؟ أنتوا مين وإزاي تتجرأوا تدخلوا إكده؟”
​وقفت بكل طولى، وحميت بنتي بظهري، ورفعت راسي وقولت بصوت سمعه البيت كله: “أنا أم البنت اللي ابنكم المجرم ده كان هيموتها! بصوا على السرير.. بصوا على الحبال! بصوا على علامات الحرق والضرب في جسم بنتي الحامل! لو فاكرين إننا ملناش ضهر عشان من بحري، تبقوا غلطانين.. البنت دي وراها رجالة، ووراها قانون هيربي ابنكم من أول وجديد!”
​أعمام مدحت لما شافوا منظر مريم والحبال والدم، وشهم اتخطف. الصعايدة أهل أصول، والمنظر ده ميرضيش أي راجل عنده شرف وقيمة. العم الكبير بص لمدحت بغضب وقال: “يا مري على العار! ده اللي اتعلمته في مصر يا مدحت؟ تحبس مرتك الحامل وتربطها كأنها بهيمة؟! ده مش طبعنا ولا دنيتنا!”
​العم ساب الشومة من إيده وبصلي وقال باعتذار: “يا ستنا.. حقك فوق راسنا، والكلب ده حسابه معانا واعر، بس خدي بنتك وامشي في سلام، وإحنا مش هنقف في طريقكم.”
​أحمد شال مريم بين إيديه كأنها طفلة صغيرة، البلطة كانت لسه في إيده التانية ومحدش من أعمامه اتجرأ يقرب منه. خرجنا من البيت وسط نظرات الخزي من أهله، وركبنا مريم في الكرسي الوراني، وأنا قعدت جنبها أضمها لصدري وأغطيها بجاكت أحمد.
​أحمد دور العربية وطار بيها على أقرب مستشفى عام في قنا. هناك، عملنا تقرير طبي بكل الإصابات اللي في جسم مريم، وأثبتنا حالة الاعتداء والحبس والتهديد بالقتل. الشرطة جت المستشفى وأخدت أقوال مريم وهي بتعيط وسجلت كل حاجة. وبسبب التقرير الطبي وشهادة أعمامه اللي رفضوا يداروا على عاره، صدر أمر قبض على مدحت في نفس اليوم.
​وإحنا راجعين في الطريق لطنطا، والشمس كانت طلعت ونورت الدنيا، مريم كانت نايمة في حضني وهادية، أخيراً حست بالأمان.
أحمد بصلي في المراية وقال وابتسامة خفيفة على وشه: “عرفتي منين يا أمي إنها حامل؟”
ابتسمت ودموعي في عيني وقولتله: “قلب الأم يا أحمد.. قلب الأم بيشوف اللي مبيشوفوش أكبر جهاز ذكاء اصطناعي في العالم.. مريم بنتي، وروحي، ومستحيل كنت هسيبها تضيع.”
​وصلنا طنطا بالسلامة، ومريم بدأت تتعافى وسطنا، والبيبي كبر وبقى ينبض بالأمل من جديد. أما مدحت، فخد جزاءه ورا القضبان، وعرف إن بنات الناس مش لعبة، وإن الغربة متبعدش الأم عن بنتها.. طول ما في الصدر قلب بيحب، وفي الإيد عزم بيحمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *