حكايات زهره الربيع 3

بس قبل ما ينتهي اليوم في المستشفى… دخل الممرض وادّى لكارم ظرف مقفول، وقال له:
“في واحد برة ساب الظرف ده لك مخصوص ومشي بسرعة!”
فتح كارم الظرف بإيد بتترعش… ولقى جوة الظرف ورقة مكتوب فيها بدم أحمر:
*(فاكر إن محاكمة ممدوح وصابر هي النهاية؟ صابر الدالي ليه أخ كبير عايش برة مصر… والأسبوع الجاي في خطوبة علياء، الدين هيترد مضاعف وفي قلب قاعة الأفراح!)*
اتسعت عينين كارم بالرعب، وبص لأبوه وعمه وهو حاسس إن الخطر اللي جاي أشد وأشرس بكتير…
قَبَض كارم على الورقة بكل قوته، وعينيه مثبتة على الجملة المكتوبة بالدم، وحس ببرودة شديدة بتسري في جسمه رغم سخونة الجرح اللي في كتفه. بص لأبوه محمود ولعمه سالم اللي كانوا بيضحكوا ويتكلموا مع حازم وعلياء، ومحبش يفسد فرحتهم ولمّ الورقة في جيبه بسرعة قبل ما حد يلاحظ التغير المفاجئ في ملامحه.
حاول يبتسم بالعافية وقال بصوت هادي:
“بابا… عمي… أنا محتاج أستريح شوية، الدكاترة قالوا العلاج بيعمل خمول.”
محمود بس رأس ابنه بحنان وقال:
“حقك يا بني، ارتاح ونشوفك بكرة على خير… إحنا هنروح نجهز ترتيبات الخطوبة عشان تكون على أعلى مستوى.”
خرج الجميع من الأوضة، وأول ما الباب اتقفل، سحب كارم الورقة تاني وقرأ الكلام بحذر شديد. “الأخ الكبير لصابر الدالي”… الاسم ده مرّ على أذن كارم قبل كدة في وسط حكايات السوق، وهو “عزت الدالي”، رجل أعمال عايش بين أوروبا والخليج، بيتدير من تحت لتحت شبكات التهريب وغسيل الأموال، وشخصية دموية مابترحمش ومابتعترفش بقوانين.
كارم عرف إن المرة دي المواجهة مش هتبقى مع بلطجية في مزرعة مهجورة، المرة دي الخطر داخل لحد قاعة الأفراح، وسط القرايب والستات والأطفال، وفي يوم المفروض يكون أسعد يوم في حياة علياء وحازم.
مسك كارم تليفونه وطلب رقم نورهان، اللي ردت بسرعة وهي حاسة بتوتره:
“أيوة يا كارم… وصلت البيت، في حاجة حصلت؟”
قال كارم بصوت واطي ومكتوم:
“نورهان… المظروف اللي جالي المستشفى فيه تهديد صريح من أخو صابر الدالي… عزت الدالي. نازل مصر ومستهدف خطوبة علياء الأسبوع الجاي. أنا محتاج أعرف كل حاجة عن عزت ده وعن علاقاته بالبلد في أسرع وقت.”
نورهان شهقت بخوف:
“عزت الدالي؟! يا ساتر يارب! ده أخطر بكتير من صابر وممدوح، ده رجل ما بيبانش في الصورة وأفعاله كلها عن طريق أشباح! أرجوك يا كارم قولي لأبوك وللشرطة فوراً!”
كارم رد بتصميم وقسوة:
“لو قلت لأبويا أو عمي، الخطوبة هتتلغي والعيلة هتتكسر تاني، وعزت مش هيسيبنا حتى لو يلغوا الفرح… هيصطادنا واحد ورا الثاني. عزت عايز يعمل شو وانتقام قدام الناس، وأنا اللي هقف له. أنتِ هساعديني بالمعلومات، وهتكلمي حازم بس… حازم راجل ورزين، ونقدر نترتب معاه في سرية من غير ما محمود وسالم يحسوا بحاجة.”
بالفعل، بعد يومين خرج كارم من المستشفى على مسؤوليته الخاصة رغم اعتراض الأطباء، وكان كتفه ملفوف بالرباط، بس عزيمته كانت أصلب من الحديد. تقابل مع حازم ونورهان في مكان بعيد عن العيلة، وشرح لحازم السر بالكامل ووراه الرسالة.
حازم وشه اتغير وضرب قبضته على الترابيزة وقال بغضب:
“العصابة دي فاكرة البلد سايبة؟! إحنا نبلغ مباحث الأموال العامة والأمن الوطني فوراً، يفرغوا القاعة ويأمنوا المكان!”
كارم حط إيده على إيد حازم وقال بنضج ووعي جديد:
“يا حازم، لو الأمن ظهر بكثافة حوالين القاعة، عزت مش هيخاطر بالدخول، وهيأجل ضربته للوقت اللي نكون فيه مش مستعدين… عزت عايز يرد اعتبار عيلته قدام المعازيم والقرايب. الخطة إننا نسيبه يفتكر إنه مسيطر ونعمل له مصيدة داخل القاعة بالتنسيق المباشر مع أجهزة الأمن، بحيث يتقبض عليه هو وشبكته متلبسين بتهديد السلاح، وفي نفس الوقت المعازيم والعريس والعروسة يقضوا ليلتهم من غير ما يحسوا برعب لحد ما اللحظة حاسمة تيجي.”
حازم بص لكارم بإعجاب كبير وقال:
“تمام يا كارم… أنا معجب بتفكيرك، وأنا ليا قرايب في الأمن الشديد، وهننسق مع الملازم اللي أخد صابر وممدوح عشان نأمن كل شبر في القاعة.”
مرت الأيام وجيه يوم الخطوبة الموعود…
القاعة كانت عبارة عن قصر فخم ممتلئ بالأضواء والورود والزغاريد. سالم ومحمود كانوا واقفين على الباب بجلابيبهم وأصلهم الطيب يتلقوا التبريكات من كبار العائلات، ووجوههم منورة بالفرحة والراحة بعد ما الكابوس القديم ينتهي.
وعلياء كانت داخلة كالأميرة بإيد حازم، والضحكة مش مفارقة وشها، ونورهان جنبها بتزغرد… وفي وسط كل الفرح ده، كان كارم واقف ببدلته الأنيقة، حاطط إيده في جيبه، عينيه بتتحرك زي الرادار تدرس كل حركة وكل عامل وكل جرسون يدخل القاعة.
كان في ستة من رجال الشرطة السريين متخفيين كعمال وقرايب جوة القاعة، وحازم وكارم متابعين معاهم بالهمس عبر سماعات صغيرة.
وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، والأغاني شغالَة والناس بترقص وتفرح… لاحظ كارم دخول ثلاثة رجال بأجسام ضخمة وبدل سوداء، ومعاهم راجل كبير في السن، شعره أبيض وملامحه حادة كالصقر، حاطط وردة حمراء في جيب بدلته… عزت الدالي بنفسه!
دخل عزت بكل هدوء وقعد في طاولة في أقصى الزاوية الخلفية للقاعة، وبص ناحية سالم ومحمود بنظرة كلها ثأر وغدر.
كارم قرب من حازم ووسوس له:
“الهدف وصل… عزت دخل ومعه ثلاثة رجال. بلّغ الضباط ما يتحركوش إلا لما يرفع إيده أو يدّي إشارة، عشان نقفش المحاولة متلبسة.”
عزت طلع تليفونه وكتب رسالة، وفي نفس اللحظة جرسون صغير قرب من الكوشة وادّى لحازم علبة هدايا قطيفة مقفولة…
حازم فتح العلبة بحذر من غير ما علياء تلاحظ… ولقى جوة العلبة صاعق كهربائي مصغر ومعاه ورقة مكتوب فيها:
*(قدامك 5 دقائق يا عريس… تاخد سالم ومحمود وكارم وتطلعوا معايا للصالون الخلفي للقاعة للتنازل عن القضايا وتوقيع شيكات جديدة… يا إما القاعة دي كلها هتبكوا عليها دم، والعبوة الناسفة اللي تحت كوشة العروسة هتشتغل بضغطة زرار من إيدي!)*
حازم وشّه اصفر وبص لكارم بذهول ورعب، وكارم حس إن قلبه سقط في رجليه… عزت الدالي ملغّم الكوشة اللي قاعدة عليها علياء وحازم وسط الزغاريد والفرحة!
كارم مسح عرقه وقال لحازم بصوت ثابث رغم الرعب:
“اكتع أسباب الفرحة وما تبينش حاجة لعلياء… قدامنا 5 دقائق بس عشان نلاقي العبوة ونبطلها، أو نجيب عزت قبل ما يضغط على الزرار!”
كارم اتجه بسرعة نسي فيها جرح كتفه ناحية خلفية الكوشة، وبدأ يدور تحت الستائر والورود بإيدين بتترعش… وفجأة شاف جسم أسود صغير ملزوق تحت الكرسي الرئيسي للمسرح، وفيه لمبة حمراء بتنور وتطفي!
الخطر بقى حقيقي… والوقت بيجري بالثواني، وعزت الدالي بيبص لساعته بروقان وقسوة وشايل التليفون في إيده ومستعد يضغط!
كارم بص لحازم وللضباط المترقبين، وأخد نفس عميق، ووقف في منتصف القاعة، وبدأ يتحرك بخطوات ثابتة وواثقة مباشرة نحو طاولة عزت الدالي…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


