كنت رايحه لوحده صاحبتي

خبطت تاني.
أعلى شوية.
دق… دق…
وفجأة…
سمعنا صوت حركة من جوه.
العيلة كلها سكتت.
حماتي قربت مني وهمست
شكله مستنيك.
ابتسمت.
لكن قلبي كان بيقوللي حاجة تانية.
وبعد ثواني…
مقبض الباب بدأ يتحرك.
الباب اتفتح سنة صغيرة…
وأول حاجة ظهرت قدامنا…
كانت إيد ست ماسكة طرف الباب.
ساعتها…
ابتسامة حماتي اختفت.
وأنا…
ماعرفتش أتنفس.
وأول حاجة ظهرت قدامنا…
كانت إيد ست ماسكة طرف الباب.
حماتي شهقت.
وأخته حطت إيدها على بقها.
أما أنا…
فثبت مكاني.
الباب اتفتح أكتر.
وظهرت ست في أواخر الخمسينات.
لابسة عباية بسيطة، وشعرها أبيض، وملامحها هادية جدًا.
بصت لنا كلنا باستغراب.
وبعدين قالت
حضرتكم مين؟
محدش رد.
حماتي بصتلي، وبعدها بصت للست.
وقالت بتوتر
هو… أحمد موجود؟
الست ردت
أيوه، موجود.
وفي اللحظة دي، ظهر أحمد من جوه.
أول ما شافني…
وشه اتغير.
وبعدين شاف أبوه وأمه وأخته وكل العيلة واقفين ورايا.
اتجمد مكانه.
قال
نور؟!
ابتسمت.
وقلت
مفاجأة.
بص للعيلة كلها.
وبعدين بص للست اللي واقفة على الباب.
وبصلي تاني.
واضح
جدًا إنه ماكانش متوقع يشوفنا هنا.
حماتي كانت أول واحدة تتكلم.
قالت
إحنا جينا نباركلك يا ابني على الترقية!
أحمد بص لها وكأنه مش فاهم.
ترقية إيه؟
بصتلي.
أنا قلت
ترقية إيه يا أحمد؟
سكت.
ثواني قليلة، لكن كانت أطول من سنين كاملة.
حمايا اتقدم خطوة.
يعني إيه ترقية؟ مراتك قالتلنا إنك أخدت ترقية.
رد أحمد
أنا ماقولتش الكلام ده.
بصيتله وقلت
وأنا ماقلتلكش إنك أخدت ترقية.
سكت.
حماتي قربت مني وهمست
إنتِ اللي قولتيلنا!
ابتسمت.
أيوه.
وبعدين بصيت لأحمد.
أنا اللي اخترعت حكاية الترقية عشان أجمعكم هنا.
حماتي اتصدمت.
يعني إيه؟
قلت بهدوء
يعني كنت محتاجة أشوف بعيني هو أحمد موجود في الفندق ولا لأ.
أحمد بصلي.
إنتِ عرفتي إزاي؟
رفعت موبايلي قدامه.
الموبايل بتاعي لقط شبكة الواي فاي بتاعتك.
سكت.
الشبكة اللي إنت مسميها مراتي وبس.
ملامحه اتغيرت.
كملت
ولما سألت في الريسبشن، عرفت إنك نازل هنا.
حمايا بص لأحمد بغضب.
إنت قلت إنك مسافر في شغل!
أحمد أخد نفس طويل.
وبعدين قال
أنا فعلًا كنت في شغل.
حماتي أشارت للست.
وشغل إيه اللي في جناح فندق ومعاك ست؟
الست رفعت حاجبها باستغراب.
وقالت
أنا ممكن أشرح.
لكن أحمد أشار لها إنها تستنى.
وبعدين بصلي وقال
نور، إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
رديت
أنا لسه ما فهمتش حاجة أصلًا.
قلت الكلام بهدوء.
وده اللي خلى أحمد يتوتر أكتر.
أنا ماصرختش.
ماعيطتش.
مااتهمتوش بحاجة.
بس كنت مستنية الحقيقة.
أحمد بص لأبوه وأمه.
وبعدين قال
الست دي اسمها أمينة.
الست هزت راسها.
أنا أمينة.
أحمد كمل
وهي والدة واحد من أهم الموظفين عندي.
حمايا قال
طيب وهي هنا ليه؟
أحمد سكت لحظة.
وبعدين قال
عشان ابني شريف في المستشفى.
أنا اتفاجئت.
شريف؟
أحمد بصلي.
أيوه.
مين شريف؟
بصلي كأنه كان مستني السؤال ده.
شريف… الموظف اللي كان بيشتغل معايا في المؤسسة.
أنا افتكرت الاسم.
شريف كان واحد من الشباب اللي بيشتغلوا مع أحمد من حوالي سنتين.
شاب محترم، هادي، ودائمًا أحمد كان بيمدحه قدامنا.
سألته
ماله؟
قال
عمل حادثة من كام يوم.
الست أمينة بدأت تمسح دموعها.
ابني في المستشفى من تلات أيام.
سكتنا كلنا.
أحمد كمل
حالته محتاجة عملية، وأهله ظروفهم صعبة جدًا.
بصيتله.
وإيه علاقة ده بالفندق؟
قال
الفندق ده تابع لعميل كبير للمؤسسة.
وأنا كنت هنا عشان أخلص إجراءات إقامة والدته، لأن المستشفى اللي هو فيه قريب من هنا.
بصيت لأمينة.
كانت فعلًا باينة عليها علامات التعب.
لكن السؤال اللي كان لسه في دماغي…
كان أكبر.
طيب ليه قلتلي إنك مسافر؟
أحمد نزل عينيه.
وسكت.
المرة دي…
أنا ما استنتجتش.
استنيت.
وبعد لحظات قال
عشان ماكنتش عايزك تدخلي في الموضوع.
ضحكت بسخرية بسيطة.
تدخل؟
أنا مراتك يا أحمد.
لو كنت قلتلي إن واحد من موظفينك في المستشفى وأمه محتاجة مساعدة، كنت هسيبك؟
ما ردش.
قربت منه خطوة.
كنت هتطلب مني أساعده؟
قال
عارف إنك هتعملي أكتر مني.
سكت.
الكلمة دي وجعتني.
لأنها كانت حقيقية.
أنا فعلًا كنت هساعد.
مش عشان أحمد.
عشان شريف.
وعشان أمه.
لكن اللي وجعني أكتر إن أحمد اختار يكذب عليا بدل ما يطلب مني المساعدة.
قلت
يبقى ليه؟
قال
لأن كل مرة بحاول أعمل حاجة لأهلي أو للناس اللي حواليا، بتدفعي من فلوسك.
وأنا مش عايز أفضل شايل إحساس إني عايش على تعبك.
بصيتله باستغراب.
وإنت فاكر إنك لما تخبي عني حاجة كده بقيت مستقل؟
ما ردش.
في اللحظة دي، حمايا تدخل.
بس برضه يا أحمد، إنت غلطت لما قلت إنك مسافر.
حماتي قالت
طب والواي فاي؟!
بصتلها.
الواي فاي إيه؟
قالت
ما هو الاسم كان باسمها!
أحمد لأول مرة ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
دي نقطة اتصال الموبايل بتاعي.
وبصلي.
وأنا كنت فاكر إنك مش هتكوني قريبة مني أصلاً.
قلت
وأهو كنت قريب.
رد
قريب جدًا.
ابتسمت رغمًا عني.
لكن الموضوع ماكانش خلص.
لأن كان عندي سؤال تاني.
طيب ليه الجناح ده تحديدًا؟
أحمد أشار لأمينة.
لأن الفندق هو اللي تكفل بالإقامة ليها لحد ما حالة ابنها تستقر.
بصيت لأمينة.
قالت
والله يا بنتي، أنا ماعرفتش أعمل حاجة. الأستاذ أحمد هو اللي جابني هنا وقاللي ماتقلقيش.
سكت.
وبعدين قالت
وقاللي إن مراته لو عرفت هتصر على إنها تدفع كل حاجة.
بصيت لأحمد.
وده صحيح.
ضحك.
عارف.
هنا حماتي قالت فجأة
طب وإحنا؟!
بصينا لها.
قالت
يعني إحنا اتبهدلنا وجينا الفندق كلنا في الآخر عشان مفيش ترقية؟
أنا ضحكت.
وأخت أحمد انفجرت في الضحك.
حمايا نفسه ضحك.
أما أحمد…
فكان واقف مش عارف يضحك ولا يعتذر.
قلت
لا، المفاجأة لسه موجودة.
أحمد بصلي.
مفاجأة إيه؟
طلعت موبايلي.
بما إننا كلنا هنا…
وبما إنك فعلًا تستحق حاجة أحسن من حفلة ترقية وهمية…
أنا حجزت المطعم اللي تحت كله.
حماتي شهقت.
إنتِ حجزتي المطعم؟
هزيت راسي.
أيوه.
وبعدين بصيت لأحمد.
وهنعمل حفلة فعلًا.
قال
بس أنا ما اترقيتش.
ابتسمت.
مش لازم.
إحنا هنحتفل بحاجة أهم.
سألني
إيه؟
بصيت لأمينة.
إن ابنك شريف يعدي العملية على خير.
أمينة بدأت تعيط.
وأنا قربت منها وحضنتها.
في اللحظة دي، حماتي بصتلي بنظرة مختلفة.
أول مرة من سنين…
ماكانش في عينيها احتقار.
ولا شماتة.
ولا حتى مقارنة.
كانت بتبصلي وكأنها شايفاني لأول مرة.
قالت
أنا ظلمتك.
الكلمة نزلت عليا بهدوء.
ماعرفتش أرد فورًا.
قالت
أنا طول عمري كنت فاكرة إنك بتفكري في الفلوس بس.
ضحكت بهدوء.
يمكن لأن طول الوقت كنت بحاول أحافظ عليها.
بصتلي.
قلت
الفلوس اللي أنا بكسبها مش عيب.
والشغل اللي بعمله مش أقل من شغل أي حد.
وأنا مش محتاجة حد يرفعني في عينه.
كل اللي كنت محتاجاه إنكم ما تقللوش مني.
حماتي نزلت عينيها.
وحمايا قال
عندك حق.
كانت أول مرة أسمعها منه.
لكن أحمد…
كان ساكت.
قلتله
وإنت كمان.
رفع عينيه.
أنا؟
أيوه.
إنت مشكلتك مش إنك كنت بتساعد شريف.
بالعكس، أنا فخورة إنك وقفت جنبه.
مشكلتي إنك حسيت إنك لازم تخبي عني عشان
تحافظ على كرامتك.
سكت.
قرب مني وقال
أنا كنت عايز أثبت لنفسي إني أقدر أعمل حاجة من غير فلوسك.
قلت
وأنا عمري ما طلبت منك تثبتلي حاجة.
أنا كنت عايزاك تشاركني حياتك.
مش تختار لوحدك إيه اللي أعرفه وإيه اللي ماعرفوش.
بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
عندك حق.
حمايا تدخل وقال
خلاص يا جماعة، بدل ما نقف في الفندق ونعمل جلسة مصارحة، ننزل ناكل.
أخته ضحكت.
والله بابا عنده حق.
نزلنا كلنا.
لكن قبل ما أنزل…
وقفت قدام أحمد.
قلتله
على فكرة…
إيه؟
أنا كنت مجهزةلك مفاجأة تانية.
بصلي بخوف.
إيه؟
طلعت من شنطتي ظرف.
ناولته له.
فتحه.
جواه ورقة.
بص فيها.
رفع عيني.
إيه ده؟
قلت
وصل الدفع.
بتاع إيه؟
تكاليف العملية والإقامة لشريف.
اتجمد.
إنتِ دفعتي؟
هزيت راسي.
لا.
أنا حولت المبلغ من حساب الشركة لحساب المؤسسة، واعتبرته تبرع رسمي من شركتنا لصندوق الحالات الطارئة.
بصلي.
نور…
قلت
مش من جيبك.
ومش من جيبي.
من فلوس الشركة اللي أنا وإنت تعبنا عشان نبنيها.
سكت.
وبعدين حضني قدام أهله.
أول مرة من سنين…
ماحاولش يبان مثقف.
ولا هادي.
ولا متماسك.
بس حضني وقال
أنا آسف.
قلت
على إيه؟
قال
على حاجات كتير.
على إني خليتك تحسي إن شغلك أقل من شغلي.
وعلى إني سمحت لأهلي يتعاملوا معاكي بالطريقة دي.
حماتي سمعت الجملة.
وقالت
وأنا كمان آسفة.
بصيتلها.
قالت
من النهارده محدش هيقول على شغلك تنضيف.
شركتك دي بقت أكبر من شركات ناس كتير.
ضحكت.
متأخرة شوية.
ضحكت هي كمان.
ونزلنا كلنا المطعم.
لكن في نص العشاء…
تليفون أحمد رن.
رد.
وبعد ثواني…
وشه اتغير.
قال
الحمد لله.
كلنا سكتنا.
سألته
إيه؟
بص لأمينة.
وقال
الدكتور قال العملية نجحت.
أمينة انهارت في العياط.
وأحمد قام حضنها.
وأنا حسيت براحة كبيرة.
كل اللي حصل من الصبح…
من لحظة ما الموبايل لقط الشبكة…
لحد ما وقفت قدام باب الجناح…
كل ده كان ممكن ينتهي بكارثة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا عن اللي تخيلته.
ومع ذلك…
كان في درس ماقدرتش أنساه.
مش كل حاجة بتبان مريبة معناها إنها زي ما إحنا متخيلين.
لكن برضه…
الثقة مش معناها إن الواحد يخبي.
اليوم ده علّمني إن أكبر مشكلة في أي بيت مش إن حد يخطئ.
المشكلة لما الناس تبطل تتكلم.
أحمد كان خايف من إني أساعده.
وأنا كنت خايفة من إنه بيخبي عني حاجة.
وفي النهاية…
كل واحد فينا كان بيبني قصة كاملة في دماغه.
بس محدش سأل التاني.
إلا إن الصدفة كشفت كل حاجة.
بعد أسبوع…
شريف خرج من المستشفى.
وبعد شهر رجع يشتغل تدريجيًا.
أما أحمد…
فغير حاجة واحدة في حياته.
في يوم رجع البيت بدري.
دخل المطبخ وأنا بجهز العشا.
قال
نور.
بصيتله.
طلع موبايله.
وقال
غيرت اسم الواي فاي.
ضحكت.
ليه؟
ناولني الموبايل.
بصيت على الاسم الجديد.
كان مكتوب
ممنوع الأسرار في البيت ده
ضحكت بصوت عالي.
وقلت
دي أحسن شبكة عملتها في حياتك.
قال
عشان أخيرًا فهمت إن كلمة مراتي وبس مش معناها إنك الوحيدة اللي ليها باسورد.
معناها إنك الوحيدة اللي لازم تعرف كل حاجة.
بصيتله.
وقلت
كده تمام.
وبعدها دخلنا المطبخ نكمل العشا.
لكن قبل ما أقفل موبايلي…
لقيت رسالة من حماتي.
فتحتها.
كانت كاتبة
يا نور، بكرة جاية عندك الشركة. عايزة أشوف بنفسي الست اللي كانت بتشتغل في التنضيف وبقت صاحبة أكبر شركة خدمات في المنطقة.
ضحكت.
ورديت عليها
تعالي يا ماما… بس هتدفعي فاتورة الزيارة.
بعد ثواني…
وصلني رد منها
طب خلاص مش جاية.
ضحكت أكتر.
ومن يومها…
كل ما موبايلي يلقط شبكة الواي فاي الجديدة…
أفتكر اليوم اللي بدأت فيه الحكاية كلها.
اليوم اللي كنت فاكرة إني هكشف سر جوزي…
لكن في الحقيقة…
أنا كنت هكتشف حاجة أهم.
إن أوقات كتير…
أكبر مفاجأة مش اللي بنلاقيه ورا الباب.
أكبر مفاجأة هي الحقيقة اللي بنكتشفها عن الناس اللي عشنا معاهم سنين… وعن نفسنا كمان.
أما الجناح رقم 602…
ففضل له مكان خاص في ذاكرتي.
مش لأنه كان المكان اللي اكتشفت فيه حاجة تخوفني.
لكن لأنه كان المكان اللي اتجمعت فيه العيلة لأول مرة…
من غير أقنعة.
ومن غير مقارنات.
ومن غير كلام عن مين أعلى ومين أقل.
وفي النهاية…
كان يوم حفلة ترقية ماكانش فيه ترقية أصلًا…
لكن أحمد خرج منه بحاجة أهم بكتير.
ترقية حقيقية في طريقة تفكيره.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *