خطيبي حكايات روماني مكرم 3

التعويض المالي أخدناه بالقانون، وبابا أصر إن المبلغ ده يتدفع بالكامل في حساب خاص بيا في البنك، وقال لي: “ده حقك وثمن كرامتك اللي حفظتيها يا بنتي، اعملي بيه المشروع اللي بتحلمي بيه ورتبي بيه مستقبلك.”بالفعل، أخدت المبلغ واستغليته في فتح مكتب استشارات هندسية وديكور خاص بيا، الشغف اللي كنت بحبه وبحلم بيه طول عمري. المكتب نجح بسرعة بفضل ربنا ودعم أهلي وسمعتي الطيب، وبقيت مهندسة شاطرة ومعروفة في شغلي، والناس بقت تجيلي بالإسم عشان أسلوبي وأمانتي.

وفي يوم من الأيام، بعد مرور سنتين ونصف على حبس طارق، وجماهير المنطقة والناس كلها نسيت اسمه وبقت قصته مجرد عبرة بيحكوها للبنات وللشباب عن عاقبة الظلم، حصلت المفاجأة اللي أربكت كل الحسابات. كنت قاعدة في مكتبي الصبح براجع مخططات أحد المشاريع، ولقيت الباب بيتفتح ودخلت سكرتيرة المكتب وهي باين على وشها التوتر والتفاجؤ: “يا بشمهندسة.. فيه واحد برة عايز يقابلك ضروري، بيقول إنه قريبك وجايبلك رسالة من أهلك.

“استغربت وقولتلها: “قريبي؟ اسمه إيه؟”قالت لي وهي بتبص في الورقة: “بيقول اسمه المهندس طارق…”القلب اتنفض لحظة، بس مش من الخوف.. من صدمة الوقاحة! طارق خرج إفراج شرطي بحسن السلوك بعد ما قضى ثلثين المدة، وأول حاجة فكر يعملها بعد ما خرج ورجليه لمست الشارع، إنه يجي لحد مكتبي!وقفت بثبات، وعدلت لياقة الجاكيت بتاعي، وابتسمت ابتسامة ثقة وقولت للسكرتيرة: “خليه يدخل يا فتاة.. خلينا نشوف المكسور جاي يبيع إيه المرة دي!”اتفتح باب المكتب، ودخل طارق.

.. بس مكنش طارق المهندس المنعم صاحب الابتسامة الموزونة واللبس الشيك. دخل شخص ثاني خالص.. شخص باهت، ظهره منحني، وشه ماليانه تجاعيد وكدمات قديمة، لابس هدوم بسيطة جداً ومستعملة، عينيه دبلانة ومكسورة وفيها نظرة ذل ورعب ملهاش حدود. أول ما شافني واقفة ورا مكتبي بكامل شياكتي وكرامتي وهيبتي، اتجمد في مكانه، ودموعه اتجمعت في عينيه بسرعة.

يا ترى طارق جاي ليه؟ وهل جاي ينتقم ويستعمل حيلة جيدة، ولا جاي يركع ويطلب العفو بعد ما الدنيا طحنته تحت جزمته؟وقف طارق قدام المكتب، رجله مكنتش شايلاه، ويديه الاثنين بيترعشوا بخوف واضحة. الصمت ساد في الأوضة لثواني، صمت أتقل من الجبال، صمت بيلخص سنتين ونص من العذاب والجحيم اللي عاشهم جوة السجن، مقابل سنتين ونص من النجاح والعزة والتمكين اللي أنا عشتهم برة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *