سِلفي ضربني بعصاية المقشة ج 1 حكـايات مني السيد حصري

هيطلع منها سليم! فاهمة ولا لأ؟.
وقبل ما أنطق بحرف، قفل السكة في وشي.
اللحظة دي كانت هي النقطة الفاصلة.. عارفين الإحساس لما تموت من جواك فتفقد الخوف من أي حاجة برة؟ أنا وصلت للمرحلة دي بالظبط. وجع ضهري مبقاش يفرق، خوفي من أحمد راح، كل حاجة اتبخرت وما فضلش غير غضب أعمى وكرامة مهدورة. الراجل اللي كنت شايلاه في عيني وعايشة عشان خاطره رماني عشان يرضي كبرياء أهله الباطل.
مسحت دموعي بكم بيجامتي بعنف. مفيش عياط تاني، مفيش استسلام.
وقفت على حيلي، الوجع كان لسه بيمزع في ضهري، بس القوة اللي نزلت عليا فجأة خلتني قادرة أتحرك. مشيت نحية مراية الدولاب، رفعت التيشرت وبصيت في الانعكاس.. كان فيه كدمة زرقا مايلة للسواد واخدة نص ضهري بالعرض، مع جروح سطحية من الخشب الخشن بتاع العصاية. طلعت التليفون، شغلت الكاميرا، وخدت كذا صورة وفيديو واضحة جداً للعلامات والضرب، وصورت وشي والدموع والبهدلة. الصور دي كانت سلاحي الوحيد اللي محدش هيقدر ينكره.
بعتت الصور دي فورا على الواتساب لمحمد أخويا، ورجعت بعتتهم على إيميل الشغل بتاعي عشان لو الموبايل اتكسر أو اتمسح منه حاجة تفضل الأدلة موجودة على الإيميل ومحدش يقدر يوصلها.
الساعة بقت خمسة وربع، النور بدأ يشقشق من ورا الستارة، وبدأت أسمع حركة في الشارع تحت؛ عربيات الفول، عمال اليومية، والناس اللي رايحة أشغالها. صوت الحياة برة فكرني إني مش لوحدي في الدنيا، وإن اللي جوة الشقة دول مجرد شوية بلطجية مستقويين على ست في أوضة مقفولة.
فجأة، تليفوني رن تاني.. كان محمد أخويا!
فتحت الخط، سمعت صوت أنفاسه عالية وصوت موتور عربية بيجري شيماء! إنتي بخير؟ إيه الصور دي يا نهار أسود ومنيل! مين اللي مد إيده عليكي كده؟. أحمد يا محمد.. وأمه حابساني، ومصطفى اتصل بيا يهددني بالطلاق لو فتحت بوقي. والله ما هسيبهم، والله لأدفعه تمن كل كدمة في جسمك!.. صوت محمد كان بيترج من الغضب الشديد.. أنا في الطريق ومعايا خالي سالم وعمي رجب، إحنا على الدائري أهو وقدامنا ربع ساعة بالكتير ونكون تحت العمارة. اقفلي على نفسك ومتفتحيش لحد نهائي.
محمد…. قلتله بصوت هادي غير عادتي.. هما محضرين رجالة في الحارة عشان أحمد كان عامل حسابه إنك جاي لوحدك، خلي بالك ومتنزلش من العربية إلا وإنت متأكد إن الناس حواليك. سيبك من أحمد ومن الحارة كلها، ربع ساعة وتلاقيني فوق.
قفلت مع محمد، حسيت بشوية أمان، بس في نفس الوقت الخوف من الدم اللي ممكن يسيل كان مرعب. خالي سالم وعمي ناس شداد، ومحمد دمه حامي ومبيقبلش الضيم، والموضوع كده هيتحول لمجزرة، وأنا مش عايزة أخويا يضيع مستقبله عشان حتة بلطجي زي أحمد.
فكرت بسرعة.. الحل الوحيد إني أخرج من الشقة دي قبل ما محمد يوصل، أخرج وأروح على القسم برجلي، ساعتها البوليس هو اللي هيجي يلمهم كلهم، ومحمد مش هيتورط في خناقة.
بس إزاي أخرج؟
رجعت بصيت على الشباك اللي بيبص على المنور.. مفيش فايدة، مش هنزل هناك، ده فخ. بصيت على باب الأوضة، كان في حركة برة، صوت حماتي وهي بتوزع التعليمات على نورا جهزي الشاي واقعدي في الصالة، وأخوكي نزل تحت عند ورشة عمك رمضان، مظبط كام راجل عشان لو حد جه من طرفها.. إحنا هنا في حتتنا ومحدش يقدر يدوسلنا على طرف.
يعني أحمد مش جوة الشقة دلوقتي! أحمد نزل تحت في الشارع!
دي كانت فرصتي.. حماتي وبنتها بس هما اللي جوة. اتنين ستات، واحدة عجوزة والتانية جبانة وبتستقوى بأخوها.
قلبي بدأ يدق بسرعة، مشيت لحد التسريحة، خدت شنطة إيدي، حطيت فيها بطاقتي، شهادة ميلادي، دهبي اللي كنت حاطاه في علبة صغيرة، وفلوس بسيطة كنت شايلاها على جنب. شلت الموبايل في جيبي الداخلي وقفلته عشان ميرنش في لحظة حرجة.
بصيت حواليا في الأوضة، كنت محتاجة أي حاجة أدافع بيها عن نفسي لو اعترضوا طريقي. عيني جت على فازة كريستال تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو، مسكتها بإيدي اليمين وخبيتها ورا ضهري بطرف الإسدال اللي لبسته على عجل.
أخدت نفس عميق، استرجعت كل القوة اللي اتسلبت مني، وحطيت إيدي على كالون الباب.
فتحت الباب فجأة وبقوة، لدرجة إنه خبط في الحيطة وعمل صوت عالي!
حماتي ونورا اتفاجئوا ووقفوا في الصالة، نورا كانت ماسكة مج الشاي واتخضت لحد ما الشاي ادلق على الترابيزة. حماتي بصتلي بذهول، وقالت وهي بتتقدم ناحيتي بعصبية إنتي خارجة رايحة فين يا مقصوفة الرقبة؟ مش قلتلك مالكيش خروج من هنا؟ ادخلي جوة بدل ما أنده لأحمد يكمل عليكي!.
مشيت بخطوات سريعة وثابتة ناحية باب الشقة من غير ما أنطق بكلمة، نظرة عيني كانت كفيلة تخليهم يترددوا للحظة. بس نورا حاولت تستعرض شجاعتها، جريت ووقفت قدام باب الشقة وسدت السكة بجسمها، وقالت بصوت مليان حقد على جثتي لو عديتي من هنا، ده إنتي ليلتك مش هتعدي يا شيماء!.
رفعت إيدي بالفازة الكريستال ووجهتها لوشها مباشرة، وقلت بصوت حاد وواطي زي حد السيف ابعدي عن الباب يا نورا.. أقسم بالله العظيم، لو لمستي طرف هدومي لهكون قالباها في دماغك، وساعتها مش أحمد اللي هيلحقك، إسعاف القصر العيني هي اللي هتيجي تلمك.
نورا شافت الشرار اللي في عيني، شافت إني مبقتش البنت الغلبانة المستكينة اللي
بتسكت على الإهانة. وشها اصفر ورجعت خطوة لورا بخوف حقيقي. حماتي اتخضت وقالت بصريخ إنتي اتجننتي يا بت؟ هترفعي إيدك على بنتي قدامي؟.
استغليت اللحظة دي، مديت إيدي الشمال وفتحت كالون باب الشقة وسحبته لبرة. الهوا بتاع بير السلم لفح وشي، كان ريحته حرية بعد ليلة من الحبس والذل.
خرجت وجريت على السلم بأقصى سرعة أقدر عليها، الوجع في ضهري كان بيموتني، كل خطوة على الدرج كانت بتسمع في عمودي الفقري زي السكاكين، بس الأدرينالين اللي في دمي كان مخليني مش حاسة بحاجة غير الرغبة في النجاة.
من ورايا، سمعت صوت حماتي وهي طالعة على السلم وبتصرخ من البلكونة اللي بتبص على الشارع أحمد! الحق يا أحمد! البت هربت! امسكها يا ابني متخليهاش تخرج من الحارة!.
نزلت الدور التالت، التاني، الأول.. ووصلت لمدخل العمارة. وقفت ورا البوابة الحديد لثانية أستكشف الشارع..
كانت الساعة داخلة على ستة الصبح، الشارع لسه هادي والناس فيه قليلة. على بعد عشرين متر، عند ورشة الميكانيكا، كان أحمد سلفي واقف مع تلاتة من شباب الحارة، بيشربوا شاي ومعاهم عصيان وشوم مستخبية ورا الكراسي. أول ما سمع صوت أمه بتزعق من فوق، لف راسه بسرعة وبص ناحية مدخل العمارة.
عينه جت في عيني للمرة التانية، بس المرة دي مكنتش متشعلقة في شباك.. المرة دي كنت على الأرض، والمسافة بيني وبين الشارع العمومي اللي فيه النجدة كانت يادوبك مية متر.
أحمد صرخ في الشباب اللي معاه امسكوها! متخلوهاش توصل للشارع الرئيسي!.
طلعت أجري بكل ما فيا من عزم، صرخاتهم ورايا كانت بترن في الحارة، وصوت خطواتهم السريعة وهي بتدق على الأسفلت كانت بتقرب مني زي الكابوس. كنت بجري وأنا حاطة إيدي على ضهري اللي بينزف وجع، وحاطة الأمل كله في إني ألمح عربية أخويا أو أوصل لأقرب نقطة شرطة.
وصلت لأول الحارة، ولسه بلف عشان أدخل الشارع الرئيسي، لقيت إيد خشنة مسكتني من كتفي بقوة وشدتني لورا بعنف خلتني أقع على الأرض، ورجعت علامة الضرب تتخبط في الرصيف!
رفعت راسي وأنا بصرخ، لقيت أحمد، عيونه بتبخ سم، ومسكني من طرحتي وهو بيجرني على الأرض وبيقول بصوت مرعب إنتي فاكرة نفسك هتعرفي تفلتي مني؟ تعاليلي هنا بقى عشان أعلمك الأدب اللي نسيتي تتعلميه في بيت أبوكي!.
وفي نفس اللحظة دي بالظبط، سمعت صوت فرامل عربية بتصرخ على الأسفلت، ونزل منها تلات رجالة بيجروا زي الوحوش.. بس اللي صدمني مكنش وصول أخويا، اللي صدمني كان الراجل الرابع اللي نزل من الباب اللي ورا، راجل مكنتش متوقعة أشوفه نهائي في المشهد ده، ومكنش المفروض يكون موجود في مصر أصلاً في الوقت ده!
يتبع

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *