بعد ولادتي حكايات روماني مكرم ٤

وقفت على باب مركز الشباب والرجلين بتتخشب تحت مني، والولد ماسك في صوابعي بقوة وهو بيستكشف المكان بعينيه. الراجل اللي كان قاعد على البنش الخشبي وتحت شمس الظهرية ما كانش الشاب اللي عرفته ولا حتى الزوج المكسور اللي شفته من شهور.. كان عبارة عن خيال راجل، شبح انكمشت ملامحه وضهر انحنى كأنه شايل جبل فوق كتافه.
شعر رأسه كان أبيض بالكامل زي القطن، وش المليان قسوة وكبرياء زمان بقى عبارة عن تجاعيد غائرة وجلد مشدود على العظم. كان لابس بدلة قديمة ومبهدلة، وكأنه نسي الحياة ونفسه من يوم ما دفن أمه وقفل على نفسه باب المهجورة.
أول ما شافنا داخلين من باب السور، حاول يقوم يستقبلنا، بس رجله خانته وقعد تاني بسرعة على البنش، ونفسه طالع بعافية كأنه طالع جبل. مد إيده البترعش ببطء شديد ونادى على الولد بصوت بحوح ومكتوم: “حمزة.. تعالى يا بني.. تعالى يا حبيب أباك.”
الولد بص لي الأول يستأذن بعينيه، ولما هزيت له رأسي بالراحة، أخد خطوات خايفة وقرب منه. أبو حمزة مسك إيد الولد الصغير وحطها على وشو وشعره الأبيض، وبدأ يبكي بصوت صامت، دموع نازلة تقطر على أطراف صوابع الطفل. الولد ما خافش المرة دي، بل رفع إيده الصغيرة ومسح دموع أبوه وقال له ببراءة الأطفال: “أنت بتعيط ليه يا بابا؟ هي تيتة راحت عند ربنا خلاص؟”
الكلمة دي قطعت ما تبقى من قلب الراجل، ضم الولد لصدره بلهفة وبكاء مسموع خلى عمال مركز الشباب وأمين الشرطة يبصوا عليه بألم وشفق. فضلت واقفة بعيد، ساكتة، ببص للرسمة اللي رسمتها الأيام.. الرسمة اللي أثبتت إن الدنيا كاس وكل واحد بيشرب منه على قدر أفعاله.
بعد ما هدي شوية، أخرج من جيبه كيس بلاستيك صغير، فيه شوية حلوى ولعبة صغيرة شاريها من السكة، واداهم للولد. ولما الولد انشغل باللعبة، رفع عينيه المطفيين وبص لي، وقال بنبرة مكسورة ومستسلمة تماماً:
“ازيك يا شيماء.. يا رب تكوني بخير أنتِ والحاج والأم.”
رديت بوقار وهدوء: “الحمد لله يا ابن الناس، كلنا بخير ونعمة من ربنا.”
تنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال: “أنا جاي النهاردة مش بس عشان أشوف حمزة.. أنا جاي أسلم عليه وعليكي، لأني ماشية يا شيماء.. سايب القاهرة كلها وماشي.”
