جوزي كذب على أمه وقال لها إني كل ليلة بعيط عشان محرومة من الأكل البيتي ج 2 حكـايات مني السيد ( حصري )

كنت عاكس الآية.
كريم حط راسه على ركبة أمه وبكى أنا كنت غبي يا أمي.. كنت فاكر إن الحياة سهلة وإن طالما هي بتشتغل يبقى عادي نشيل سوا، مكنتش فاهم إني كنت بظلمها وبستغلها.
الحاجة فاطمة هزت راسها الفهم غالي يا بني.. والمهم إنك تفهم وتتصلح. أبوك مش هيكبرك في السوق إلا لما يشوفك بقيت راجل يعتمد عليه. ومرأتك مش هترجع لك إلا لما تحس إنك بقيت الحيطة اللي تسند عليها، مش الحمل اللي شايلاه على ضهرها.
مرت شهور.. والوضع استمر زي ما هو. دينا ركزت في شغلها في المشتل، لدرجة إن صاحب المشتل رقاها وبقت مديرة قسم النباتات النادرة كله، ومرتبها زاد. اشترت غسالة أطباق جديدة بالتقسيط من مرتبها، وعملت صيانة لكل مواسير الشقة اللي كانت بتعاندها. الشقة بقت جنة صغيرة، كلها زرع أخضر وورد من اللي بتجيبه معاها من الشغل.
أما كريم، فبقى دراع أبوه اليمين في المقاولات. اتعلم أصول الصنعة، وبقى يعرف يفاصل في الحديد والأسمنت، ويحسب الميزانيات بدقة. مش بس كده، بالليل كان بيقعد على اللاب توب بتاعه يشتغل في البرمجة وتصميم المواقع، بس المرة دي بجد.. مبقاش يعمل مواقع ببلاش لأصحابه، بقى ياخد مقدم وعقود حقيقية.
في ظرف ست شهور، كريم قدر يحوش مبلغ محترم من شغله مع أبوه ومن البرمجة. قرش ينطح قرش، زي ما الحاجة فاطمة قالت.
في يوم جمعة، دينا كانت قاعدة في الصالة بتشرب قهوة وبتقرأ كتاب، لقت جرس الباب بيرن. قامت فتحت وهي فاكرة إنها منى صاحبتها.
لكن أول ما فتحت الباب، لقت واقف قدامها الحاج حسن، والحاجة فاطمة.. وجنبهم كريم.
دينا وقفت مكانها، ونظراتها راحت لكريم علطول. كريم كان متغيّر تماماً. وشه مابقاش الناعم المستهتر بتاع زمان. ملامحه بقت رجولية أكتر، جسمه شد وبقى عريض من شغل الموقع، وإيديه فيها علامات الشقا بس عينيه كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة احترام، وأسف، ولهفة. كان لابس بدلة شيك جداً، وواقف بكل أدب ورا أبوه.
الحاج حسن ابتسم وقال السلام عليكم يا بنتي.. ندخل ولا هنفضل على الباب؟
دينا اتلخبطت ورحبت بيهم بسرعة أهلاً وسهلاً يا حاج، اتفضلوا.. اتفضلي يا طنط.
دخلوا وقعدوا في الصالة. دينا دخلت المطبخ بسرعة وعملت لهم حاجة تشربها، وطلعت قعدت وهي حاسة بضربات قلبها سريعة.
الحاج حسن بدأ الكلام، وحط كيس قماش تقيل على التربيزة قدام دينا بصي يا بنتي.. إحنا جينا النهاردة عشان نرد الأصول لأصحابها. الكيس ده فيه تمن كل قرش ابننا كريم صرفه من جيبك طول التلات شهور اللي عاشهم هنا، وفوقهم مهر جديد ليكي، شبكة تليق بمقامك اشتريناها من أكبر صايغ في طنطا.
دينا بصت للكيس وبعدين بصت للحاج حسن يا حاج.. أنا مكنتش مستنية فلوس..
الحاج حسن قاطعها برفع إيده عارف يا بنتي، إنتِ بنت أصول ومبتدوريش على الفلوس، بس دي الأصول اللي اتربينا عليها. الراجل مياكلش في بيت مراته ببلاش. وكريم النهاردة مش كريم بتاع زمان. كريم بقاله ست شهور شغال معايا في الطوب والأسمنت، وبيشتغل بالليل في شهادته، وحوش القرش ده بعرق جبينه من غير ما ياخد مني مليم مساعدة.
التفت الحاج حسن لكريم وقال له اتكلم يا كريم.. قول لمرأتك اللي عندك.
كريم اتنحنح، وبص لدينا بعيون كلها صدق وقال بصوت هادي وفيه بحة رجولية دينا.. أنا مش جاي أقولك سامحيني وخلاص. أنا جاي أقولك إني فهمت. فهمت يعني إيه شقا وتعب، وفهمت يعني إيه كنتِ بتيجي هلكانة من الشغل وأنا بكل برود بطلب منك تخدميني. أنا كنت عيل مستهتر، وأبويا وأمي الله يكرمهم فوقوني في الوقت المناسب.
قرب كريم خطوة من التربيزة وكمل أنا الحمد لله دلوقتي بقيت شريك مع بابا في شركة المقاولات، وعندي تلات مواقع شغال عليهم لحساب شركات كبيرة وبربح ممتاز. أنا مش جاي أعيش معاكِ في شقتك عشان توفري عليا.. أنا جاي أقولك إننا هنقفل الشقة دي، وأنا مأجر شقة تمليك كبيرة في الكورنيش، مجهزها بكل حاجة، ومش هخليكِ تدفعي فيها مليم واحد.. ولا حتى تمن أكل القطة. شقتك دي تفضل باسمك، وإيجارها أو شيلها يبقى ليكي لوحدك، أمان ليكي.
دينا لفت وشها للحاجة فاطمة، لقتها بتبتسم لها ودموع الفرحة في عينيها، وكأنها بتقولها أهو بقى راجل أهو.. خدي حقك منه.
دينا سكتت لحظة، وبصت لكريم.. شافت في عينيه الندم الصادق وشافت الراجل اللي كانت بتتمنى تتجوزه من الأول. الراجل اللي يشيل، مش الراجل اللي يتشال.
ابتسمت دينا ابتسامة هادية وقالت أنا مش عايزة شقة على الكورنيش يا كريم.. الشقة دي شقة ستي، وفيها بركة، وإحنا نقدر نعيش فيها سوا.. بس المرة دي، بالنصيفة في كل حاجة تخص البيت كشراكة إنسانية، بس المصاريف والمسؤولية عليك إنت كراجل البيت.. زي ما الأصول بتقول.
كريم وشه نوّر وفرحة الدنيا كلها ظهرت في عينيه واللي إنتِ عايزاه كله هيتعمل يا دينا.. من بكرة الصبح المصاريف كلها عندي، وإنتِ شغلك ده ليكي ولفسك وبس.
الحاج حسن ضحك بصوت عالي وقال على بركة الله! اقرأوا الفاتحة يا جماعة.. والنهاردة العشا عندي في أكبر مطعم في مصر الجديدة عشان نحتفل بالرجوع وبلاد ال رجالة بجد.
وقاموا كلهم وقرأوا الفاتحة، ودينا حست إن الورد اللي في البلكونة بدأ يفتح من جديد، وإن التعب اللي فات كله كان مجرد صوبة نباتات قديمة، وعدت منها لبر الأمان والحرية في وسط بيت مبني على الأصول والمسؤولية.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *