حكايات رشاد خالد 2
**الجزء الثالث**
الصالة تحولت لساحة طوارئ في ثوانٍ.
أخت مصطفى بدأت تصرخ بأعلى صوتها، وحمايا جرى على المطبخ يجيب مية، ومصطفى نزل على ركبه في الأرض يحاول يفوق أمه وهو بيصرخ: “يا أمي! ردّي عليا يا أمي!”
حماتي كانت مفتحة عينها نص فتحة، مش قادرة تتنفس من الصدمة، عينيها رايحة وجاية على الورقة الحكومية المرمية في نص الأرض جنبه، الختم الأحمر بتاع المحكمة كان باين ومطبوع كأنه كَيّة نار على كبرياء عيلة الحاج متولي.
بعد ما فوقوها بالعافية وحطوها على الكنبة، حمايا مسك الورقة وإيده بترتعش، وقرأ السطور ببطء.. وكل ما يقرأ كلمة، عروق رقبته تنفخ. بص لمصطفى وزعق بصوت هز الشقة كلها:
“هي وصلت للنيابة والمحاكم يا مصطفى؟ دي الست اللي أنت جيبهالنا ورافع رأسها؟ جايبة للمحضرين لحد باب بيتي؟!”
مصطفى كان واقف زي الأبلة، مسك تليفونه وإيده بترتجف، وبدأ يطلب رقمي من غير توقف.. مرة، اتنين، تلاتة، أربعة.. والتليفون يرن وما حدش بيرد.
بعتلي رسالة بصوت متلجلج ومذعور:
* “رضوى ردي عليا! إنتي اتجننتي؟ إنتي بتبعتي محضرين لأمي؟ أمي جيلها نقطة وبتموت بسبك! اتصلي بيا فوراً وإلا والله العظيم ما هتشوفي وشي تاني!”
في الوقت ده، أنا كنت قاعدة في مكتب المحامي بتاعي، بشرب فنجان قهوة بمنتهى الهدوء. المحامي ابتسم وهو شايف التليفون بينور بالاتصالات المتتالية وقال:
“كده الضربة الموجعة وصلت.. خطوتنا الجاية إيه يا أستاذة رضوى؟”
قلتله بثبات: “القانون يكمل مجراه، ومش هتنازل عن حرف واحد من المحضر.”
بالليل..
مصطفى ما قدرش يستحمل، وجالي على الشركة اللي بشتغل فيها بعد ما عرف إني لسه ما رجعتش البيت. نزلوني من الشغل وقالولي إن فيه واحد بره عامل مشكلة ومصر يقابلك.
نزلتله الشارع، أول ما شافني جرى عليا وشكله كان مبهدل، قميصه مش متظبط ووشه شاحب، ما بقاش فيه الأبهة والبرود اللي كان بيقابلني بيهم وهو واثق إن أمه كاسراني.
مسكني من إيدي بقوة وقال بصوت واطي ومخنوق:
“إنتي عملتي إيه؟ إنتي نويتي تخربي البيت بجد؟ أمي من الصبح مش قادرة تقف على حيلها، وحمايا حالف لو الموضوع ده ما اتقفلش الليلة ليطردني أنا وإنتي بره البيت!”
شلت إيده من عليا ببرود وقسوة وقلتله:
“يطردك أنت.. إنما أنا خلاص بره البيت برغبتي. وبعدين إيه اللي مضايقك؟ مش دي أصول وعادات عيلة الحاج متولي؟ اللي يكسر درج مكتب مراته ويفتش في ورقها ويقطع عنها المية والكهربا عشان يبتزها في فلوسها.. يستحمل بقى لما القانون يوريه الأصول على أصولها.”
مصطفى اتعصب وصوته علي في الشارع:
“أنتي بتبصي للفلوس؟ الفلوس تلزمنا في إيه طالما كرامة أهلي اتنحست في الأرض؟ تعالي معايا دلوقت، تنازلي عن المحضر، وابوسي إيد أمي واعتذريلها قدام العيلة كلها، وأنا هخليها تسامحك ونبدأ صفحة جديدة!”
ضحكت بصوت عالي في وشه، ضحكة خلت الناس في الشارع تلتفت لينا، وقلتله:
“أبوس إيد مين؟ أمك اللي سرقت ورق مرتب وتحفظت على كروتي؟ ولا أختك اللي سحبت تمانية آلاف جنيه وسرقت شنطي؟ مصطفى.. أنت مش راجل، أنت مجرد أداة في إيد أمك بتنفذ بيها جشعها. والورقة اللي استلمتوها الصبح دي مجرد أول التسخين.”
مصطفى عيونه وسعت وشهق:
“يعني إيه؟ إنتي مش هترجعي؟”
قلتله وأنا بلف وضهري عشان أدخل مبنى الشركة تاني:
“أنا راجعة.. بس راجعة بالشرطة عشان أستلم شقتي بقوة القانون، وأخنس كل صوت اتفرعن عليا في البيت ده.”
سيبته واقف في الشارع مش عارف يستوعب إن رضوى المطيعة، اللي كانت بتعدي الإهانة عشان “خاطر جوزها”، بقت كتلة من التلج والقوة مش بتتهز.
تاني يوم الصبح..
حماتي كانت قاعدة في الصالة، وحاطة كمادات على رأسها، وأخت جوزي جنبها بتبكّيها، وحمايا رايح جاي في الصالة بيشتم وبيتوعد.
وفجأة.. خبط قوي جداً على باب الشقة.
أخت جوزي قامت تفتح وهي فاكرة إن ده مصطفى راجع..
فتحت الباب.. لقيت ضابط شرطة واقف، ومعاه قوة، وجنبهم أنا والمحامي بتاعي.
الضابط بص في الأوراق اللي في إيده وقال بصوت حاسم هز أركان البيت:
“أستاذة رضوى.. أستاذ مصطفى.. أستاذة فايزة (حماتي)؟
معانا إذن نيابة بالمعاينة الفورية لواقعة الكسر والإتلاف وإثبات الحالة داخل الشقة!”
**الجزء الرابع**
دخل الضابط ورجال الشرطة الصالة بخطوات منتظمة، وصوت بيادتهم على السيراميك كان زي الطبول اللي بتعلن نهاية زمن كامل. الصالة اللي كانت زمان مسرح للتحكم والاستقواء، تحولت في ثوانٍ لساحة تحقيق رسمية.
حماتي وقفت فجأة، ونسيت الكمادات والتعب اللي كانت بتتظاهر بيه. وشها بقى أصفر زي الليمونة، وبصتلي بعيون مليانة غل وذهول، مش قادرة تصدق إن رضوى واقفة في نص صالتهم وجايبة معاها الشرطة بكبرها.
حمايا جرى من جوه وهو بيعدل جلابيته وبيحاول يتكلم بثبات مزيف:
” خير يا باشا؟ فيه إيه؟ إحنا ناس طيبين وعيلة الحاج متولي معروفة في المنطقة كلها، إيه اللي جاب الشرطة لبيتنا؟”
الضابط بص له ببرود ورفع الأوراق الرسمية:
” بيت الحاج متولي على عيننا وعلى رأسنا من بره، بس القانون ما يعرفش ألقاب. الأستاذة رضوى مقدمة بلاغ رسمي برقم محضر بالكسر والتفتيش والإتلاف العمد لمحتويات مكتبها، والتحفظ على مستنداتها المالية والشخصية. ومعانا أمر نيابة بالمعاينة على الطبيعة وإثبات حالة الشقة.”
أخت مصطفى اتجننت وصصرخت وهي بتشاور عليا بصوباعها:
” كذابة يا باشا! دي مفترية وطمعانة فينا! دي هي اللي سابت البيت ومشت وراحت قعدت في فنادق عشان تفضحنا!”
الضابط بصلها بنظرة حادة خلتها تسكت وتراجع خطوتين لورا:
” اللسان يتظبط يا آنسة، إحنا هنا بنفذ أمر نيابة.. فين الأوضة الخاصة بالأستاذة؟”
مشيت قدام الضابط والباشكاتب اللي معاه، وشاركت مع المحامي بتاعي. فتحت باب الأوضة، والضابط دخل وعينيه بتتفحص المكان. الدرج المكسور كان لسه على حاله، والخشبة المتسوسة اللي حماتي عافرت عشان تكسر بيها الكالون كانت مرمية في الأركان.
الباشكاتب قعد على طرف السرير وبدأ يكتب في المحضر الرسمي:
*” وبالمعاينة في شقة المشكو في حقهم، تبين وجود كسر صريح في كالون المكتب الخاص بالشاكية، ووجود بعثرة في الأوراق والمستندات…”*
في الوقت ده، مصطفى دخل الشقة يجري، وشه كان جيب ألوان لما شاف العساكر واقفين عند باب الأوضة. قرب مني وبصلي بصوت مكتوم وبيترجى:
” رضوى.. أبوس إيدك كفاية لحد كده! الفضيحة بقت على كل لسان في العمارة والشارع! بلاش تعملي فينا كده، أمي مش قد الحبس ولا التحقيقات!”
رديت عليه بصوت واطي ومسموع للضابط:
” ومين جاب سيرتي أنا؟ أمك هي اللي اختارت الطريق ده يوم ما كسرّت درجي، وقالتلي ‘أفتش براحتي’! أديك شايف بنفسك التفتيش ودّى فين.”
حماتي قربت من باب الأوضة، وصوتها كان بيرتعش وهي بتحاول تدافع عن نفسها قدام الضابط:
” يا باشا أنا زي أمها! البيت ده بيتي، وأنا من حقي أعرف إيه اللي يدخل وإيه اللي يخرج منه! دي عايشة معانا وفي خيرنا!”
المحامي بتاعي اتدخل فوراً وبص للضابط:
” يا فندم اطلب إثبات الكلمة دي في المحضر. المشكو في حقها الأولى بتعترف صراحةً باقتحام الخصوصية وتفتيش المتعلقات الشخصية بدون وجه حق، وده بيثبت أركان الجريم\ة.”
الضابط بص لحماتي وقال بنبرة قاطعة:
” يا حاجّة.. القانون ما فيهوش أمي وأختي في المتعلقات الشخصية والأوراق المالية. كسر الدرج وتفتيشه دي جريم\ة إتلاف واعتداء على حرمة ملكية خاصة.”
حماتي وشها جايب ألوان ووقفت مش عارفة تنطق.
بعد ما الضابط خلص المعاينة وأثبت كل حاجة في المحضر، بص لمصطفى وحمايا وحماتي وقال:
” أستاذ مصطفى.. وأستاذة فايزة.. اتفضلوا معانا على القسم لسماع أقوالكم في البلاغ المقدم ضدكم.”
الكلمة نزلت على حماتي زي الصاعقة:
” أروح القسم؟! أنا فايزة حرم الحاج متولي أركب بوكس ولا أروح قسم الشرطة؟!”
أخت جوزي بدأت تعيط بانهيار، وحمايا بقى يضرب كف بـ كف وهو مش مصدق الهوان اللي بقوا فيه. مصطفى بصلي بعيون مليانة كره وقهر وقالي:
” ماشي يا رضوى.. والله ما هسيبك، وهتشوفي هعمل فيكِ إيه!”
ابتسمت له بابتسامة أبرد من الثلج وقلتله:
” أعلى ما في خيلك اركبه يا مصطفى.. الماتش يادوبك بدأ.”
مشيوا كلهم ورا الضابط، والصالة اللي كانت مليانة جبروت وطغيان اتقفلت وبقت فاضية وضلمة. قعدت على الكرسي في نص الصالة، وأخدت نفس عميق حسيت فيه ولأول مرة من تلات سنين إني بتنفس حرية.
لكن الماتش فعلاً ما خلصش..
تاني يوم بالليل، المحامي كلمني في التليفون وقال بصوت جاد جداً:
” أستاذة رضوى.. مصطفى وأهله خرجوا بكفالة، بس مصطفى عمل حركة خبيثة جداً النهاردة الصبح في الشغل وفي البنك.. لازم تقابليني فوراً لأن ضربته الجاية تمس شغلك ومرتبك المباشر!”



