الطمع روماني مكرم ٤

### الجزء السابع: عرض غير متوقع

مرت عدة أشهر على تلك الليلة العاصفة. سعاد عادت إلى بيت أهلها جريرة الخيبة والحقد، تجتر مرارة الهزيمة والطلاق بعد أن جُردت من كل شيء. أما في الحارة الضيقة، فقد تبدلت الأحوال؛ تسلمت صباح حقوقها كاملة، وبدأت “نورا” دروسها الثانوية بهمة وعزيمة، يملأ قلبها الأمل في غدٍ أفضل، بينما كانت “منة” تجد في بيت خالتها الحنان والدفء الذي حرمت منه في بيت أمها.

مدحت لم يسافر فوراً إلى أستراليا، بل قرر البقاء في مصر لفترة لترتيب الأوراق وتأمين حياة بناته. وخلال هذه الأشهر، كان يراقب صباح عن قرب؛ رأى فيها الأصالة، عفة النفس، والقلب النظيف الذي يربي بحب ويصون الأمانة. رأى كيف احتضنت ابنته “منة” ولم تفرق بينها وبين ابنتها نورا، وكيف كانت تدعو لـ سعاد بالهداية رغم كل ما فعلته بها.

وفي يوم، ارتدى مدحت جلبابه وذهب لزيارة صباح في بيتها الصغير. جلس في الصالة، وكانت نورا ومنة تذاكران في الغرفة المجاورة. وضعت صباح أمامه كوب الشاي بابتسامتها المعهودة وقالت:

* “نورت يا أبو العيال.. الشاي يظبط الدماغ، قولي، خلصت ورق السفارة والرحلة الجاية لأستراليا؟”

مدحت نظر إلى كوب الشاي، ثم رفع عينيه ونظر لـ صباح بنظرة طويلة مليئة بالاحترام والتردد، وقال بنبرة هادئة ورزينة:

* “يا أم نورا.. أنا بقالي كام شهر قاعد هنا، وشايف كل حاجة بعيني. شايف الست الأصيلة اللي بجد، اللي شالت بنتي وصانت غيبتي ودعت بالخير للي ظلموها.”

صباح خفضت عينيها بخجل وقالت:

* “ده حق الله يا مدحت يا خويا، منة بنت أختي وهي في مقام نورا، وأنت راجل أصيل ومفيش بيننا غير كل خير.”

تنحنح مدحت، وأخذ نفساً عميقاً، ثم قال الكلمات التي لم تكن صباح تتوقعها أبداً:

* “عشان كدة يا صباح.. أنا جاي النهاردة وأنا كلي عشم في كرمك وأصلك. أنا عايز أطلب إيدك للجواز.. عايزك تكوني مراتي على سنة الله ورسوله، وتكوني أم لبناتي في الحلال، وناخدهم كلهم ونسافر أستراليا نفتح صفحة جديدة نظيفة مفيهاش غل ولا سواد.”

### الصدمة والموقف

صباح تراجعت للخلف والذهول ألجم لسانها، سقطت يدها على الطاولة ونظرت إليه وعيناها متسعتان من الصدمة:

* “أنت بتقول إيه يا مدحت؟! أتجوزك؟ أتجوز جوز أختي؟! لا يا خويا، حاشا لله.. سعاد رغم كل اللي عملته هي أختي ومن دمي، والناس برة يقولوا إيه؟ يقولوا صباح خطفت جوز أختها وقعدت في مكانها؟!”

مدحت هز رأسه برفض وتحدث بحسم الوجع:

* “سعاد مبقتش مراتي يا صباح، سعاد طالق بالتلاتة والصفحة دي انطوت وماتت. أنا مش بدور على واحدة تقعد مكان حد، أنا بدور على ست بيت تصون شرفي وتربي عيالي. أنتي أرملة بقالك سنين وشيلتي الحمل لوحدك، وأنا راجل غريب في بلاد الغربة ومحتاج الست الأصيلة اللي تشيل معايا.. البنات هنا بقوا زي الأخوات، ومنة بتموت فيكي.. فكري يا صباح، متظلميش نفسك وتظلمينا معاكي عشان كلام الناس.”

في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة المجاورة، وخرجت منه نورا ومنة والدموع في أعينهما. منة جريت على خالتها صباح وارتمت في حضنها وقالت بنحيب:

* “وافي يا خالتي عشان خاطري.. أنا نفسي تكوني أمي بجد، ونفسي نعيش كلنا مع بابا ومتبعديش عننا.”

ونورا هزت رأسها بالموافقة وقالت:

* “يا أمي.. عمو مدحت راجل طيب وصاننا في غيبته وفي حضوره، والزمن ده ميهمناش فيه كلام الناس قدر ما يهمنا الأمان.. وافقي يا أمي.”

صباح نظرت للبنتين، ثم نظرت لمدحت والدموع حائرة في عينيها. كانت الحيرة تنهش قلبها؛ بين كرامتها وخوفها من كلام الناس وحقد أختها، وبين الأمان الذي يعرضه عليها راجل شريف تمنى الكل رضاها.

### نيران الحقد تشتعل مجدداً

لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن..

في بيت أهل سعاد، كانت إحدى الجارات قد استمعت بالصدفة لحديث منة مع صديقتها في الشارع عن عرض الزواج، وطارت بالخبر إلى سعاد!

عندما علمت سعاد بالخبر، تحول وجهها إلى كتلة من السواد والجنون. قامت تكسر في أثاث الغرفة وتصرخ كالذبيحة:

* “تتجوزه؟! صباح الشحاتة تاخد مدحت وتعيش بالـ 2000 دولار في أستراليا؟! تقعد في عزي وتاخد مكاني؟! والله ما هسيبهم يتنعموا.. لو الجوازة دي تمت، هحرق الحارة كلها ودم صباح وبنتها هيكون على إيدي!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى صباح هترفض العرض خوفاً من الفتنة وكلام الناس؟ وإيه الكارثة اللي سعاد بتخطط ليها بعد ما عرفت بالخبر عشان تمنع الجوازة دي؟ وهل مدحت هيقدر يحمي صباح والبنات من جنون سعاد؟

الخيوط تشابكت ونار الانتقام بدأت تلتهم العقول.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!

### الجزء الثامن: وعد الغربة والأمان

كانت الدموع لا تزال حائرة في عيني “صباح”، والكلمات تائهة على شفتيها بعدما ألجمتها المفاجأة. نظرت إلى بنتها “نورا” وابنة أختها “منة” وهما متمسكتان بعباءتها وكأنها طوق النجاة الأخير لهما في هذه الدنيا، ثم التفتت إلى “مدحت” وقالت بصوت متهدج يملأه الخوف من كلام الناس:

* “يا مدحت يا خويا.. العين مبتعلاش عن الحاجب، وسعاد مهما كان أختي ومن دمي. الناس في الحارة والمنطقة مش هيرحموني، هيقولوا أكلت من خير جوز أختها وهي على ذمته، ولما طلقها خذت مكانه وقعدت في حجر جوزها! أنا ست عاشت بشرفها وبتحافظ على سمعة بنتها اليتيمة.. الجوازة دي صعبة، صعبة قوي يا ابن الأصول.”

مدحت أخذ نفساً عميقاً، وظهرت على وجهه أمارات التصميم والإصرار، واقترب خطوة وهو ينظر إليها بعينين مليئتين بالصدق والأمان، وقال بنبرة قوية حاسمة لتطمين قلبها:

* “اسمعيني يا صباح.. أنا عامل حساب لكل كلمة وكل نظرة ممكن تتوجه ليكي، وعارف إن القعدة هنا في الحارة والمنطقة بعد الكلام ده هتبقى صعبة. عشان كدة أنا مش عايزك تقعدي هنا ولا يوم واحد بعد ما نتجوز.. أنا هاخدلك شقة تانية خالص، مكان بعيد عن الحارة وعن عيون الناس وعن حقد سعاد وأهلها، شقة تليق بيكي وبعزك الجديد، تقعدي فيها مع نورا ومنة وباقي أولادي معززة مكرمة.”

صباح رفعت رأسها ونظرت إليه باستماع، فتابع مدحت وعيناه تلمعان بالأمل:

* “أنا هكتب كتابي عليكي في السر والعلن بما يرضي الله، وأوفرلكم الشقة البعيدة دي، وبعدها بأيام هسافر أنا على أستراليا عشان أظبط أوراق الإقامة والزيارة هناك. أول ما أموري تجهز والورق يخلص، هبعتلك تذاكر السفر وتيجي تعيشي معايا في أستراليا.. أنتي وبنتك نورا وأولادي كلهم! هنقفل ورا بلاد الغربة كل السواد، والـ 2000 دولار اللي كانت سعاد بتكنزهم بالغل، هنعيش بيهم في عز وخير هناك، وتربي العيال في هدوء ونظافة.. قولي قبلت يا بنت الأصول وشيلي الحمل معايا.”

### لحظة الاختيار

منة ونورا نظرتا إلى صباح بعيون تترجى الموافقة، وقالت منة وهي تبكي:

* “وافقي يا خالتي.. المكان البعيد ده هيكون أمان لينا من غل أمي، وأستراليا هتبقى البداية اللي بنحلم بيها.. متسبيناش بالله عليكِ.”

صباح نظرت إلى السقف، وتذكرت سنوات شقائها، وتذكرت كيف أكلت سعاد حق ابنتها اليتيمة، وكيف من الله عليها برجل أصيل مثل مدحت ليعيد لها كرامتها ويسند زير حياتها المخروم. أخذت نفساً طويلاً، ومسحت دموعها بطرف عباءتها، وقالت بصوت يرتجف من الثقة:

* “مادام فيها سفر ومكان بعيد يا مدحت، ومادام هلم عيالك في حضني وأصون شرفك.. يبقى توكلنا على الله، وأنا قبلت أكون ليك زوجة صالحة وسند في الدنيا.”

الفرحة ملأت البيت الصغير، ونورا ومنة احتضنتا بعضهما بزغاريد مكتومة بفرحة طال انتظارها. وبدأ مدحت فوراً في إجراءات البحث عن الشقة البعيدة لتأمين صباح والبنات قبل سفره.

### بركان الغل المستعر

لكن في الجانب الآخر من المدينة، في بيت أهل سعاد، كانت النار تأكل الأخضر واليابس في صدرها. الجارة التي نقلت لها خبر عرض الزواج، عادت لتنقل لها الصاعقة الجديدة:

* “الحقي يا سعاد! ده مدحت بيشتري لصباح شقة في مكان راقي وبعيد، وبيجهز عشان يكتب كتابها وياخدها هي وبنتها وعيالك ويسافروا بيهم كلهم على أستراليا وعيشوا في العز هناك!”

سعاد صرخت صرخة هزت أرجاء البيت، وعيناها جحظتا وحقدها وصل لدرجة الجنون، وقالت بنبرة مرعبة وعروق وجهها ناطقة بالشر:

* “يسافروا أستراليا؟! الشحاتة صباح تاخد مكاني وتسافر بلاد برة وتعيش في عزي؟! والله ما هيحصل! لو فيها موتي وموتها وموت الكل، الجوازة دي مش هتم، والسفرية دي هتتقلب جنازة!”

مسكت سعاد عباءتها ونزلت الشارع وهي تجري كالمجنونة، متجهة إلى مكان لا يعرفه أحد، لتبحث عن شر مستطير تخطط لزرعه في طريق أختها ومدحت قبل أن يدخلوا الشقة الجديدة!

#الكاتب_رومانى_مكرم

يا ترى إيه المصيبة السوداء اللي سعاد ناوية تعملها عشان تبوظ الجوازة والسفر؟ وهل مدحت هيحق حلم الأمان لصباح والبنات وينقلهم للشقة البعيدة في الوقت المناسب؟ ونار الحقد دي هتحرق مين في النهاية؟

الخيوط تشابكت تماماً والشر واقف على الأبواب.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *