طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ٣
## الجزء الخامس: عارية أمام الحقيقة
تراجعت هيام خطوتين للخلف، ونظرت إلى وجهي النظيف الخالي من أي بقعة، وبدأت ملامح الصدمة تتحول على وجهها إلى مزيج مرعب من القرف والاشمئزاز. كانت النظرة هذه المرة أشد قسوة من نظرة الأمس؛ بالأمس ظنتني مصاباً وحزنت لأجلي، أما الآن، فقد فهمت في ثانية واحدة أن تبدّل حالي وانكساري وتذللي تحت قدميها لم يكن إلا خوفاً على نفسي، وليس نادماً على ما فعلته بها.
تقدمتُ نحوها خطوة وأنا أمد يدي كالغريق: “هيام.. أرجوكي اسمعيني، أنا عرفت الحقيقة بالصدفة من ساعتين بس.. أنا مكنتش أعر…”
قطعت كلامي بإشارة حاسمة من يدها، وجسدها كله ينتفض. التفتت إلى زملائها وقالت بصوت مخنوق: “عن إذنكم يا جماعة.. خمس دقائق.”
مشت أمامي بخطوات سريعة متجهة نحو حديقة المبنى الخلفية، مكان شبه خالٍ من الحركة. كنت أمشي خلفها وأنا أشعر أنني أصغر من الحشرات. التفتت إليّ فجأة، وعيناها تشتعلان بغضب لم أره في حياتي من تلك الإنسانة الهادئة.
صاحت بصوت مكتوم وهي تحاول السيطرة على بكائها: “أنت إيه يا أخي؟ أنت مصنوع من إيه؟! جايلي بالأمس بتبكي وتتمسح في فستاني وتقولي أنا غبي وعرفت قيمتك.. وكل ده ليه؟ عشان افتكرت إن الكأس دارت عليك وبقيت زيي! نمت وصحيت ولقيت نفسك سليم، فجيت تجري عشان تقولي خلاص أنا رجعت أحمد البيه الجميل اللي مفيش فيه غلطة؟”
“لا والله العظيم يا هيام!” صرخت مقاطعاً والدموع تحرق عيني: “أنا لما جيتلك بالأمس كنت فاكر نفسي مريض بجد، بس الندم اللي في قلبي دلوقتي حقيقي.. الخوف اللي عشته خلاني أحس بالكسرة والوجع اللي دوقتهم لكِ. أنا عرفت إني كنت مقرف.. عرفت إن نظرتي للحياة كانت تافهة.”
ضحكت بسخرية مريرة، ودموعها تسيل على وجنتيها لتمر فوق بقع البهاق التي لم تعد تخفيها:
“أنت جيت لأنك خفت تتساب لوحدك يا أحمد. خفت الناس تعاملك بنفس القسوة اللي عاملتني بيها. أنت مغيرتش.. أنت بس خفت! وعشان كده، ربنا كشفك قدامي للمرة التانية وفي أقل من 24 ساعة، عشان يوريني إن ندمك مرتبط بجلدك، مش بقلبك.”
أردت أن أشرح لها عن درس الدكتور شاكر، وعن الألوان السينمائية التي رسمها أخوها على وجهي وأنا نائم، لكنني أدركت أن التفاصيل لم تعد تهم. النتيجة واحدة: أنا لم أتحرك لأعتذر إلا بعد أن انكسر كبريائي الشخصي.
تابعت هيام وهي تمسح دموعها بقوة وثبات غير طبيعي:
“أنا بالأمس بكيت عليك.. بكيت لأن قلبي لسه كان فيه حتة غبية بتحبك ومتحملتش تشوفك مكسور. لكن النهاردة؟ أنا بشكر أخويا وبشكر ماجد وبشكر كل ثانية عشتها في الوهم ده، لأنها ريحت قلبي من ناحيتك تماماً. أنت من اللحظة دي متهمنيش.. سليم، مريض، جميل، مشوه.. أنت بقيت بالنسبة لي مجرد “لاشيء”.”
التفتت لترحل، فاندفعت وأمسكت بذراعها: “هيام.. اعطيني فرصة واحدة أثبتلك فيها إني هتدمر من غيرك، أنا مش عايز صورتي المثالية، أنا عايزك أنتي!”
نفضت يدها من يدي بقوة وقالت وعينها في عيني بثقة تزلزل الأرض:
“الصورة المثالية بتاعتك اتمزقت خلاص يا أحمد. أنت دلوقتي واقف قدامي عاري تماماً.. وشك نظيف أه، بس روحي أنا هي اللي شافت قذارة روحك. الفرص دي بنديها للبشر.. مش للمظاهر المتحركة.”
تركتني ومشيت، خطواتها كانت ثابتة، رأسها كان مرفوعاً، وكأنها في كل خطوة تدوس على بقايا حكايتنا وتدفنها تحت التراب. وقفت مكاني أراقب طيفها وهو يختفي داخل المبنى، وشعرت لأول مرة بمعنى “النبذ الحقيقي”. البهاق لم يشوهها، بل زادها هيبة وشجاعة، بينما أنا، بوجهي الخمرية “المثالي”، كنت المسخ الوحيد في ذلك المكان.
عدت إلى الشقة، كانت النظافة تحيط بي من كل جانب، المرايا تعكس الشاب الوسيق الأنيق.. لكنني لم أتحمل النظر لنفسي. أحضرت شاكوشاً صغيراً من المطبخ، وذهبت إلى مرآة الحمام الكبيرة، وضربتها بكل قوتي.
تطاير الزجاج في كل مكان، وجرحت شظية صغيرة جبهتي ل يسيل منها خط من الدم الحار. نظرت إلى انعكاسي المشوه وسط الزجاج المكسور، وجلست وسط الحطام وأنا أدرك أن عقابي الحقيقي قد بدأ الآن. أنا سليم جسدياً، نعم.. ولكن كيف سأعيش مع هذا “القلب المشوه”؟ كيف سأقنع نفسي بأنني أستحق الاحترام؟
مر شهر كامل.. تحولت فيه إلى إنسان آلي. أذهب للعمل، أؤدي واجباتي، وأعود للشقة المظلمة. قاطعت كل أصحابي ما عدا ماجد، الذي كان يزورني من وقت لآخر ليطمئن أنني لم أنتحر. وفي يوم من الأيام، وبينما كنت جالساً في مقهى صغير بعيد عن منطقتي، دخلت عائلة صغيرة.. رجل وزوجته وبنت صغيرة.
كانت الزوجة ترتدي قفازات في يدها وتحاول إخفاء وجهها خلف نظارة كبيرة، وكان واضحاً عليها علامات الإحراج والتوتر، بينما كان زوجها يمسك يدها بحب ويتحدث معها ويضحك بصوت عالٍ ليشتت انتباهها عن نظرات الناس.
تسمرت في مكاني وأنا أراقبهم. هذا الرجل كان يفعل ما عجزت أنا عن فعله. كان يحمي شريكته، بينما أنا كنت الجلاد. لم أحتمل المشهد، قمت ودفت الحساب وخرجت مسرعاً والدموع تطير من عيني.
وفي المساء، رن هاتف المنزل الأرضي.. لم يكن أحد يتصل عليّ في هذا الهاتف إلا شخص واحد نسيت وجوده تماماً. رفعت السماعة، فجاءني صوت والدتي الباكي من الصعيد:
“أحمد.. إلحقني يا ابني.. أبوك تعبان جداً في المستشفى والدكاترة بيقولوا محتاج عملية خطيرة في القلب فوراً.. لازم تيجي يا ابني.”
شعرت ببرودة تجتاح جسدي مجدداً. هل هي مصيبة أخرى؟ أم أنها بداية طريق طويل ومختلف تماماً؟ لملمت أشيائي بسرعة البرق، ونزلت متجهاً إلى موقف السيارات للسفر إلى أسيوط، وأنا لا أعلم ماذا ينتظرني هناك، وهل سأجد في هذه الرحلة فرصة لخلاص روحي أم انكساراً جديداً؟
وعندما وصلت للمستشفى في الفجر، ودخلت العناية المركزة.. تيبست في مكاني وأنا أرى من يجلس بجانب سرير أبي يمسك بيده ويقرأ له القرآن..
## الجزء السادس: خيوط الغفران في غرف العناية
تراجعت خطوة للخلف وأنا أكاد لا أصدق ما تراه عيناي في ضوء الفجر الخافت المنبعث من نافذة غرفة العناية المركزة. كانت هناك، تجلس على مقعد خشبي متهالك بجانب سرير أبي، ممسكة بيده المصابة بإبر المحاليل، وتقرأ القرآن بصوت عذب خاشع يملأ الغرفة الساكنة بالس*كينة.
هيام..
انقطع صوتها فجأة عندما شعرت بحركتي. التفتت إليّ ببطء، وكانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة دون أي مساحيق، والبقع البيضاء على وجهها وكفيها تبدو تحت إضاءة المستشفى المعقمة كأجزاء من نور، ولم تعد تثير في نفسي سوى شعور هائل بالخزي والندم.
وقفتُ مكاني عاجزاً عن النطق، بينما هرعت والدتي نحوي وهي تبكي وتضمّني: “أحمد.. يا ابني الحمد لله إنك جيت. هيام يا ابني أول ما عرفت إن عمها تعبان سابت كل حاجة وجات جري من بندر أسيوط للمستشفى هنا.. مسبتناش لحظة واحدة، وهي اللي خلصت ورق الدخول وحجزت مع الدكتور.”
نظرتُ إلى هيام وعيني مليئة بالدموع المستجدية، لكنها لم تنظر إليّ بنظرة عتاب أو كره، بل كان وجهها يحمل هدوءاً غريباً، هدوء الموتى الذين لم يعد يربطهم بالأحياء أي عاطفة. قامت من مكانها بهدوء، وعدّلت الغطاء على جسد أبي المريض، ثم قالت لوالدتي بصوت منخفض: “الحمد لله على وصول أحمد يا طنط.. أنا كده اطمأنيت على عمي، وهستأذنكم عشان ألحق الميكروباص وأرجع لأهلي.”
قاطعتها والدتي بلهفة: “تمشي فين يا بنتي في الفجر ده؟ خليكي مع جوزك…”
“إحنا اطلقنا يا طنط.” قالتها هيام بنبرة حاسمة ولكنها شديدة الأدب، ثم التفتت لتغادر الغرفة.
لم أتحمل أن ترحل هكذا. خرجت خلفها مسرعاً في ممرات المستشفى الطويلة والمظلمة التي تفوح منها رائحة المطهرات والموت. ناديت عليها بصوت مخنوق: “هيام! أرجوكي استني.. دقيقة واحدة بس.”
توقفت في نهاية الممر عند السلم، ولم تلتفت إليّ، بل ظلت معطية لي ظهرها. اقتربت منها وقلبي ينبض بعنف: “أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي، أنا عارف إن ماليش حق.. بس عايز أفهم، ليه عملتي كده؟ ليه جيتي لـ أبويا بعد كل اللي عملته فيكي وفي كرامتك؟”
التفتت إليّ ببطء، ونظرت في عيني مباشرة، وقالت بنبرة هادئة كأمواج البحر: “أبوك ملوش ذنب يا أحمد. عم الحج “مكرم” كان دايماً بيعاملني كبنت ليه، وكان بيكلمني يطمن عليا ويدعيلي حتى بعد ما اطلقنا. أنا جيت عشان الأصول وعشان الراجل الطيب ده، مش عشانك أنت.. أنت بره الحسبة دي تماماً.”
أحنيت رأسي خجلاً، وقولت بصوت مبحوح: “أنا اتعلمت الدرس يا هيام. الوجع اللي عشته في الشهر اللي فات، والكسرة اللي حستها لما افتكرت نفسي مريض، غيرتني بجد. أنا كسرت المرايات اللي في بيتي كلها لأني مكنتش طايق أشوف الوش الأناني اللي جرحك.”
نظرت إليّ طويلاً، ثم تنهدت وقالت: “التغيير ده ليك أنت يا أحمد، مش ليا أنا. كويس إنك بدأت تشوف الدنيا صح، بس ده مش معناه إن اللي انكسر ينفع يتصلح. فيه حاجات لما بتموت، مفيش أي ندم في الدنيا بيحييها تاني.”
تركتني ونزلت درجات السلم بخطوات ثابتة، بينما وقفت أنا في الممر المظلم، حزيناً ولكن لأول مرة أشعر بنوع من السلام. لقد كانت صادقة؛ مجيئها لأبي كان يمثل نقاء روحها التي حاولت تشويهها، وجعلني أدرك أن طريقي نحو الخلاص لا يبدأ بالاستجداء لتعود إليّ، بل يبدأ بأن أتعلم كيف أكون إنساناً يشبهها في نبلها.
عدت إلى غرفة أبي، وقضيت الأيام الثلاثة التالية بجانبه في المستشفى. كنت أخدمه، وأغسل قدميه، وأساعد والدتي، وأتعامل مع الممرضين والأطباء دون أن أهتم بمظهري أو بملابسي التي تجعدت واتسخت. لم أعد “أحمد البيه”؛ كنت مجرد ابن يحاول إنقاذ أبيه، وإنسان يحاول تكفير ذنوبه.
بعد أسبوع، نجحت عملية أبي واستقرت حالته، وسُمح لنا بنقله إلى البيت في أسيوط. وفي اليوم الذي وصلنا فيه إلى المنزل، وبينما كنت أساعد أبي على الاستلقاء في سريره، رن جرس الباب.
ذهبت لأفتح، وظننت أنهم الجيران جاءوا للتهنئة بالسلامة، لكنني عندما فتحت الباب، وجدت رجلاً يرتدي زياً رسمياً يحمل في يده حقيبة جلدية، ونظر إليّ قائلاً: “أنت الأستاذ أحمد؟”
أومأت برأسي، فأخرج مظروفاً رسمياً كبيراً وسلمه لي قائلاً: “أنا محضر من المحكمة.. اتفضل استلم إعلان القضية دي.”
وقعت بيدي المرتعشة، وفتحت المظروف وأنا أشعر برعب جديد يجتاح صدري. قرأت السطور الأولى، فإذا بها دعوى قضائية مرفوعة من هيام وأهلها.. لكنها لم تكن قضية نفقة أو مؤخر كما توقعت.
كانت قضية من نوع آخر، تحمل مفاجأة ستغير مسار حياتي وحياتها تماماً في الفترة القادمة…


