صاحبي استأمني على عرضه ج 2 حكايات مني السيد حصري
نهلة قعدت على الأرض، ضمت ركبها لصدرها وبدأت تعيط بهستيريا. كانت ريحة الخوف طالعة منها، ريحة واحدة حست إن الحبل حوالين رقبتها بدأ يضيق. بصيت حواليا في المحل المظلم، مفيش غير نور “اللافتة” اللي بره اللي بيعكس خيالات غريبة على الحيطان. قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسه هيخرج من ضلوعي.
قلت لها بصوت واطي وحاد: “مجبورة؟ إيه اللي يجبرك تمشي في سكة زي دي؟ إيه اللي يخلي واحدة زيّك، بيتوتية ومحترمة، تبيع جوزها وتبيع أمان بيتها عشان شوية ملفات وصور؟ انطقي، إبراهيم في خطر وأنا دلوقتي كمان في خطر بسببك.”
مسحت دموعها بطرف طرحتها المتبهدلة وبصتلي بنظرة كلها انكسار: “إنت فاكر إن الخيانة دايما بتبدأ بقلب حب ودنيا وردي؟ يا أحمد، أنا كنت ضحية لغلطة واحدة قديمة. من سنتين، وقت ما كنا بنفرش الشقة، كنت محتاجة فلوس عشان أكمل تجهيزات المطبخ والأجهزة، وكنت مكسوفة أضغط على إبراهيم أكتر من كده، كان يا دوب بيبدأ حياته. لقيت إعلان على النت عن مسابقة أو حاجة زي ‘تسهيلات قروض صغيرة’. قدمت، ووقعت على ورق، الورق ده طلع فخ. كانوا عصابة منظمة، بيستغلوا احتياج الناس، بيصوروا الواحد في مواقف، بيسجلوا له مكالمات، وبيحولو حياته لجحيم لو فكر يخرج من تحت إيديهم.”
سكتت لحظة، كأنها بتسترجع ذكريات مريرة، وكملت: “في الأول كانوا بيطلبوا مني معلومات بسيطة، أخبار عن شغل إبراهيم، طبيعة شغله، مين بيتعامل معاه. كنت فاكرة إني لو عملت كده هيسيبوني في حالي. بس كل ما كنت بمد إيدي، كانوا بيجروني أكتر. بقيت أداة في إيدهم. والراجل اللي كان متسجل بحرف واحد؟ ده مش عشيق ولا حاجة، ده واحد منهم، كان بيراقبني، بيسجل كل تحركاتي، بيهددني بصوري وبفيديوهات مفبركة.”
وقفت قدامي، قاطعتها بغضب: “طب وإبراهيم؟ ليه مروحتيش قلتيله؟ إبراهيم بيحبك، إبراهيم كان هيحرق الدنيا عشان يحميكي!”
ضحكت ضحكة وجع: “أقوله إيه؟ أقوله يا إبراهيم أنا كنت ببتزك من غير ما أعرف؟ كنت خايفة أفقده. كنت كل يوم بصحى الصبح أبص في وشه وأحس إني مجرمة. ولما بدأت أطلب منهم يرحموني، طلبوا مني حاجة جديدة.. طلبوا مني أوقع إبراهيم في غلطة مهنية، حاجة تخلي الشركة اللي شغال فيها ترفده وتجرجره في قضايا، عشان هما يستولوا على مشاريع معينة. رفضت، قمت هددوني بيك إنت يا أحمد.”
اتسمرت في مكاني. “بيا أنا؟”
“أيوة. قالولي لو مسمعتيش الكلام، الصاحب اللي بتلجأيله يصلح تليفونك، هو اللي هيكون الضحية الجاية. هما مراقبينك من فترة، عارفين كل تحركاتك، عارفين إنك بتساعد إبراهيم في شغله. هما كانوا عايزينك إنت اللي تسترجع الداتا عشان يتأكدوا إن إبراهيم وصل لحاجة، ولما لقوك شغال، قرروا يخلصوا منكم إنتوا الاتنين.”
كنت بسمع كلامها وأنا حاسس ببرودة بتسري في جسمي. يعني إحنا الاتنين كنا دمى في مسرحية هما اللي كاتبين السيناريو بتاعها؟ قعدت على كرسي المكتب وخدت نفس عميق. لازم أفكر.. لازم ألاقي مخرج.
قلت لها: “طيب، إبراهيم دلوقتي راح للمكان اللي قالوا عليه. لو اللي بتقوليه صح، إبراهيم في وش المدفع.”
نهلة قامت بسرعة وراحت ناحية باب المحل: “لازم نلحقه. معايا عنوان المكان اللي بيبعتوا منه الأوامر، ده مخزن قديم في منطقة مهجورة ورا المصنع اللي كان شغال فيه إبراهيم. لو لحقنا نوصل قبل ما الاجتماع يتم، ممكن يكون فيه فرصة.”
بصيت للمحل، بصيت للأجهزة اللي شغالة وبتنقل بيانات، وبصيت للتليفون اللي كان لسه فيه الداتا اللي إبراهيم كان فاكرها مجرد خيانة. مسكت الهارد الخارجي اللي عليه كل النسخ الاحتياطية، وحطيته في جيبي. “خدي بالك، لو اللعبة دي طلعت كدبة تانية، أنا اللي هسلمك للبوليس بإيدي.”
خرجنا من المحل، الشوارع كانت فاضية، والساعة داخلة على الفجر. الدنيا هادية بشكل يخلي الواحد قلبه يقبض. ركبنا عربيتي، ونهلة بتوجهني في الطرق الضيقة، وشها باين عليه الخوف، بس كان فيه حاجة تانية.. تصميم، تصميم إنها تصلح اللي كسرته.
طول الطريق كنت بسأل نفسي: هل أنا ماشي صح؟ هل المفروض أساعد واحدة باعت أسرار جوزها؟ ولا المفروض أساعد صاحبي اللي وثق فيا؟ الحقيقة كانت بتقولي إن إبراهيم محتاجني دلوقتي أكتر من أي وقت فات.
وصلنا للمنطقة المذكورة. كانت عبارة عن مجموعة مخازن قديمة مهجورة، الإضاءة فيها ضعيفة جداً. لمحت عربية إبراهيم مركونة بعيد. قلبي دق بقوة. وقفنا العربية ورا كومة من الطوب.
قلت لنهلة: “خليكي هنا. لو اتأخرت أكتر من عشر دقايق، اطلبي الشرطة واهربي.”
نزلت من العربية، وتسللت ناحية المخزن. كان في صوت عالي جاي من جوه. صوت إبراهيم بيزعق.
“أنا عارف إنكم مراقبيني! أنا عارف إن اللعبة انتهت!”
قربت من فتحة في الحيطة، لقيت إبراهيم واقف في نص المخزن، ومحاط بتلاتة، واحد منهم كان ماسك سلاح. ونهلة مكنتش قايلة لي إنهم مسلحين!
واحد من التلاتة، راجل ضخم وصوته تقيل، قال لإبراهيم: “إنت فاكر إنك بطل؟ إنت مش شايف غير مراتك الخاينة، بس مش شايف إننا ممسكين عليك ملفات تخليك تقضي عمرك كله في السجن. هات الهارد اللي معاك وسلم نفسك، يمكن نسيبك تروح لبيتك.”
إبراهيم ضحك، ضحكة كلها تحدي: “أنا ممعيش هارد. أنا بعت كل حاجة لجهة تانية، حاجة مش هتقدروا تسيطروا عليها.”
الراجل الضخم اتعصب، وقرب منه وضربه في وشه. إبراهيم وقع على الأرض، بس ملامحه كانت بتعبر عن إصرار غريب. في اللحظة دي، كنت لازم أتصرف. بصيت حواليا، لقيت صندوق خشب مليان أدوات قديمة. مسكت قطعة حديد، وكنت ناوي أعمل أي دوشة عشان أشتتهم.
بس قبل ما أتحرك، سمعت صوت نهلة ورايا بتقول: “لا يا أحمد.. استنى.”
بصيت ورايا، لقيتها ماسكة تليفون، وبتبعت رسالة بسرعة. “إنت بتعملي إيه؟”
“ببعت اللوكيشن للشرطة.. أنا كنت مأمنة نفسي، كنت مسجلة كل المكالمات والتهديدات، ومبعتاها لضابط مباحث شغال في مكافحة الجريمة الإلكترونية، كان زميلي في الجامعة. هما هيوصلوا في أي لحظة.”
في اللحظة دي، سمعت صوت سيرينات بوليس بعيدة بتبدأ تقرب. الرجالة اللي جوه المخزن اتوتروا وبدأوا يبصوا لبعض. إبراهيم استغل الفرصة، وقام هجم على اللي كان ماسك السلاح.
كانت معركة حياة أو موت. أنا طلعت من مخبئي، وبدأت أرمي أدوات حديدية ناحيتهم عشان أشغلهم. “يا إبراهيم! البوليس وصل!”
الرجالة حاولوا يهربوا من الباب الخلفي، بس كانت قوات الشرطة حاصرت المكان من كل ناحية. في دقايق، كان المكان مليان ضباط وعساكر. إبراهيم كان مرمي على الأرض بينهج، والضباط بيسيطروا على الموقف.
الراجل الضخم اللي كان بيهدد إبراهيم، لما شاف الشرطة، حاول يهرب بس اتمسك في ثانية. نهلة جريت ناحية إبراهيم، ووقعت جنبه وهي بتعيط. إبراهيم بصلها.. كانت نظرة خالية من أي إحساس، نظرة إنسان شايف مراته لأول مرة من سنين.
الضابط المسؤول قرب منا، وبدأ يسألنا عن التفاصيل. أنا كنت لسه ماسك الهارد في جيبي، طلعته وسلمته للضابط. “ده فيه كل حاجة.. كل الأدلة.”
إبراهيم بصلّي، وبعدين بص للضابط، وقال بصوت ضعيف: “أحمد ملوش ذنب.. هو كان بس بيساعدني.”
الضابط بص لي، وقالي: “إنت هتيجي معانا عشان تدلي بشهادتك، وبعدين نشوف.”
بعد ما خلصنا، وأنا واقف بره المخزن، والشرطة بتبدأ تجمع الأدلة، شفت نهلة بتتحرك في إيد ظابط، والضابط بيقولها إنها مطلوبة للتحقيق في بلاغات تانية. إبراهيم كان قاعد على كبوت عربية البوليس، بيحاول ياخد نفسه.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه. “إنت كويس؟”
بص لي بابتسامة باهتة وموجوعة. “أنا كويس يا أحمد.. بس مش عارف.. هل اللي حصل ده كفاية عشان أرجع أثق في حد تاني؟”
سكتت، مكنش عندي إجابة. الخيانة كانت جرح، بس التجسس كان ندبة. نهلة ركبت عربية الشرطة، وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة كانت بتقول “أنا آسفة”.
إبراهيم قام، وبص للمخزن القديم، المكان اللي كان ممكن يكون نهايتنا كلنا. “يلا يا أحمد.. خلينا نمشي. لسه في حاجات كتير لازم نحلها.”
ركبنا العربية، وفي الطريق للبيت، كان الصمت سيد الموقف. أنا كنت بفكر في كل كلمة، كل صورة، كل ملف استرجعته. كان التليفون ده زي صندوق باندورا، فتحته عشان ألاقي الحقيقة، بس الحقيقة طلعت أوجع بكتير من الكدب.
إبراهيم كسر الصمت بعد فترة وقال: “على فكرة، أنا عارف إنك كنت مخبي عليا الحقيقة في الأول.. بس أنا مش هلومك. أنا عارف إنك كنت خايف عليا.”
بصيت له وقلت: “مش بس خايف عليك.. أنا كنت خايف على نفسي كمان. كنت خايف من اللي ممكن ألاقيه. بس دلوقتي.. إحنا عرفنا كل حاجة.”
ابتسم، بس ابتسامة مكسورة. “عرفنا كل حاجة.. بس التمن كان غالي أوي.”
وصلنا البيت، والنهار كان بدأ يطلع. كنت حاسس إني بقالي سنين مانمتش. دخلت بيتي، ولقيت مراتي لسه صاحية، قلقانة عليا. أول ما شافتني، جريت عليا.
“إنت كنت فين؟ كنت بتصل بيك ومكنتش بترد!”
حضنتها، حسيت بدفء البيت، وبأمان، وبحقيقة تانية خالص.. حقيقة إني لسه عندي حد أثق فيه، حد مفيش وراه أسرار، ولا ملفات، ولا عصابات.
قلت لها: “مشوار طويل يا حبيبتي.. بس الحمد لله، عدت على خير.”
دخلت أوضتي، ورميت التليفون اللي كان السبب في كل ده في الدرج، وقفلته بالمفتاح. قعدت على السرير، وفضلت باصص للسقف، بفكر في نهلة، في إبراهيم، وفي الدرس القاسي اللي اتعلمته.
إن أحياناً، الحقيقة مش هي اللي بتحررنا.. أحياناً الحقيقة بتدمر كل حاجة حوالينا، وبنضطر نبني من أول وجديد على أنقاض الماضي. غمضت عيني، وحاولت أنام، بس خيالات الماضي، وصور الرسائل، وتهديدات العصابة، كانت لسه محفورة في ذاكرتي.. زي “داتا” محذوفة، مستحيل تتمسح تماماً مهما عملت.

