حماتي والمعاش 2 بقلـم حكايات منـال علي
فتحت الباب وأنا مستغربة.
لقيت أخو جوزي واقف، شايل كيسين كبار، ووشه كله ابتسامة.
قال وهو داخل:
“إزيكم يا مرات أخويا؟ وحشتوني.”
ابتسمت ورديت السلام، ودخل وهو بينادي:
“يا أمي… فين حضرتك؟”
حماتي خرجت بسرعة من الصالة، أول ما شافته وشها نور.
حضنته وقالت:
“حبيبي… عامل إيه؟”
قال وهو بيحط الأكياس على السفرة:
“جبتلك شوية حاجات كنتي طلباها.”
بصيت على الأكياس من غير قصد.
فاكهة مستوردة.
حلويات.
لحمة.
عصاير.
وشوية حاجات غالية أنا بقالي شهور مبجيبهاش.
حماتي ابتسمت وقالت:
“ربنا يخليك ليا.”
وبدأت تطلع الحاجات من الأكياس.
كل حاجة كانت تقول:
“دي هتروح معايا.”
“ودي هخليها عندي.”
“ودي متفتحوهاش.”
أنا واقفة ساكتة.
ولا كلمة.
بس جوايا ألف سؤال.
هي عارفة إننا ظروفنا صعبة.
وعارفة إن التلاجة عندنا فاضية آخر الشهر.
ومع ذلك ولا مرة قالت:
“خدوا دي ليكم.”
حتى لو كيلو لحمة.
حتى لو علبة عصير لابني.
وأخو جوزي طبعًا ماكانش واخد باله من حاجة.
كان فاكر إن كل شيء طبيعي.
قعد شوية وشرب الشاي، وبعدها قام يمشي.
قبل ما يخرج قال لأمه:
“لو احتجتي أي حاجة كلميني.”
ردت بسرعة:
“حاضر يا حبيبي.”
وقفل الباب.
أنا فضلت واقفة أبص على الأكياس اللي دخلت أوضتها.
وحسيت بغصة.
مش حسد.
ولا طمع.
لكن إحساس بالوجع.
إن الإنسان ممكن يشوف تعب اللي قدامه… ويسكت.
…
بعدها بيومين، رصيد الفلوس اللي معانا خلص تقريبًا.
كنت قاعدة أحسب اللي باقي.
لقيته مايكفيش طلبات البيت ولا كام يوم.
وأحمد كان كل ما يبصلي يقول:
“ربنا يسهل.”
لكن ملامحه كانت بتقول إنه قلقان أكتر مني.
في نفس الليلة، الدكتور بعتلي رسالة يفكرني بميعاد المتابعة.
وكمان كتبلي الأدوية اللي لازم أجيبها قبل الولادة.
بصيت في الأسعار.
وحسيت إن قلبي وقع.
الأدوية لوحدها كانت بمبلغ كبير بالنسبة لينا.
قفلت الموبايل وأنا حاسة باختناق.
وأول مرة دموعي نزلت قدام أحمد.
قال وهو قلقان:
“بتعيطي ليه؟”
قلت:
“مش عارفة هنعمل إيه.”
قام حضني وقال:
“والله لو هبيع اللي ورايا وقدامي مش هسيبك محتاجة حاجة.”
الكلمة دي كسرتني.
لأن الراجل فعلًا ماكانش مقصر.
كان بيجري طول اليوم عشان يوفر لنا حياة كريمة.
لكن الرزق على قد الحال.
وفي عز الكلام…
خرجت حماتي من أوضتها.
وقالت بكل تلقائية:
“بكرة وأنا راجعة من عند أختي هاتوا معايا سمك وجمبري… نفسي فيهم.”
أنا وأحمد بصينا لبعض.
ولا واحد فينا رد.
هي افتكرت إننا ساكتين عادي.
ودخلت أوضتها.
أحمد سند راسه على الكنبة، وقال بصوت واطي:
“أنا معيش فلوس أجيب سمك.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“ولا حتى معيش فلوس أجيب الدوا.”
قلبي اتقبض.
لأول مرة أشوفه مكسور بالشكل ده.
وفي اللحظة دي… خدت القرار النهائي.
قلتله بهدوء:
“سيب الموضوع عليا.”
بصلي باستغراب.
“هتعملي إيه؟”
قلت:
“هكلم مامتك بكل احترام… وأقولها إن ظروفنا مش مستحملة.”
قال بسرعة:
“بلاش… لتزعل.”
قلت وأنا بحاول أمسك دموعي:
“وأنا؟ مين هيزعل عشاني؟”
سكت.
وماعرفش يرد.
وفي صباح اليوم التالي، صحيت بدري، صليت، ودعيت ربنا يعدي اليوم على خير.
حضرت الفطار، واستنيت لحد ما أحمد نزل شغله.
كنت عايزة أكلمها لوحدنا.
حماتي خرجت من أوضتها وهي بتقول:
“اعمليلي كباية شاي تقيلة.”
عملتهولها.
وحطيته قدامها.
وقعدت قصادها.
قلبي كان بيدق بسرعة.
وإيديا بتترعش.
هي لاحظت وسألتني:
“مالك يا بنتي؟”
ابتلعت ريقي…
وأخدت نفس طويل…
وقبل ما أنطق بأول كلمة، لقيت موبايلها رن.
بصت في الشاشة…
وفجأة اتبدلت ملامحها، وقامت من مكانها وهي بتقول بلهفة:
“إيه؟! هو حصل إيه؟!”
حماتي قامت بسرعة وهي ماسكة الموبايل.
أنا كنت قاعدة مكاني، سامعة صوتها وهي بتقول بقلق:
“إيه؟! حصل إيه؟”
وسكتت شوية.
بعدها قالت:
“طيب… طيب أنا جاية.”
قفلت المكالمة، ووشها كان متغير.
قلت بخوف:
“خير يا ماما؟”
قالت:
“أخو أحمد عمل حادثة بسيطة وهو خارج يجيب حاجة للفرح… الحمد لله بخير، بس العربية اتخبطت.”
قامت بسرعة تلبس.
وأنا نسيت كل اللي كنت ناوية أقوله.
قلت:
“الحمد لله إنه بخير.”
خرجت بسرعة، والبيت رجع هادي.
قعدت على الكنبة، وحطيت إيدي على بطني.
وقلت لنفسي:
“يمكن ربنا مش رايد إني أتكلم دلوقتي.”
بعد ساعات رجعت.
والحمد لله طلع الموضوع بسيط.
لكن من ساعتها بقيت أفكر.
هو أنا كل مرة هسكت؟
لحد إمتى؟
عدى أسبوع.
وأنا كل يوم تعبي بيزيد.
ورجلي ورمت.
والدكتور أكد عليا إني لازم أرتاح.
لكن راحة إيه؟
كل شوية ألم حاجة من الأرض.
أغسل مواعين.
أمسح.
أطبخ.
وأجري ورا ابني.
وفي يوم، وأنا بوطي أمسح حاجة وقعت، حسيت بألم شديد في ضهري.
ماقدرتش أقف.
قعدت على الأرض أعيط من الوجع.
حماتي كانت قاعدة في الصالة.
بصتلي وقالت:
“مالك؟”
قلت بصعوبة:
“تعبانة شوية.”
قالت:
“ربنا يقومك بالسلامة.”
ورجعت تبص للتلفزيون.
ساعتها حسيت إني خلاص.
مش قادرة أكمل.
لما أحمد رجع بالليل، شافني مرهقة جدًا.
قال:
“إيه اللي حصلك؟”
حكيتله كل حاجة.
ولأول مرة لقيته زعل فعلًا.
تاني يوم، قبل ما ينزل شغله، دخل على أمه وقالها بكل احترام:
“يا أمي… ممكن أكلمك؟”
قالت:
“اتفضل يا ابني.”
قال:
“إنتِ منورة بيتنا، وإحنا عمرنا ما هنقولك متقعديش… لكن إحنا فعلًا ظروفنا صعبة.”
بصتله باستغراب.
كمل:
“مصاريف البيت زادت، ومراتي حامل وتعبانة، وأنا والله مش قادر أوفر كل حاجة.”
سكت شوية، وقال بأدب:
“لو تقدري تشاركي بأي حاجة في مصاريف أكلك وإقامتك، هتساعدينا جدًا.”
حماتي اتغير وشها.
وقالت بعصبية:
“يعني مراتيك هي اللي قالتلك تقول كده؟”
قال:
“لا يا أمي… ده أنا شايف بعيني.”
قالت:
“أنا بقيت تقيلة عليكم؟”
قال:
“أبدًا… بس إحنا فعلًا على قد حالنا.”
سكتت شوية.
وقامت دخلت أوضتها وقفلت الباب.
أنا كنت سامعة الكلام كله، وقلبي بيدق.
كنت خايفة تكون زعلت.
لكن في نفس الوقت، حسيت إن أحمد عمل الصح.
بعد حوالي ساعة خرجت من أوضتها.
وكان معاها ظرف.
حطته قدام أحمد.
وقالت:
“ده جزء من معاشي.”
أحمد زقه ناحيتها.
وقال:
“أنا ماطلبتش فلوس.”
قالت وهي هادية:
“أنا اللي غلطت.”
بصينا لها باستغراب.
كملت كلامها وعينيها دمعت.
“أنا اتعودت طول عمري إن أولادي يصرفوا عليا… ومافكرتش إن الزمن اتغير، وإن عليكم مسئوليات.”
وسكتت لحظة.
وقالت:
“مكنتش واخدة بالي إني حملتكم فوق طاقتكم.”
أنا والله اتأثرت بكلامها.
وقلت بسرعة:
“يا ماما… والله إحنا مقصدناش نزعلك.”
قالت:
“لا… أنتم معاكم حق.”
وبعدين بصتلي وقالت بابتسامة:
“ومن النهارده مش هسيب حاجة ورايا في البيت.”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
افتكرتها بتهزر.
لكن فعلًا…
تاني يوم صحيت لقيتها غسلت الكوباية اللي شربت فيها.
ولمت هدومها.
وحتى ساعدتني تقطع الخضار وهي قاعدة.
وقالتلي:
“إنتِ متوطيش… الدكتور قالك ترتاحي.”
الكلمة دي كانت بالدنيا.
مش عشان الشغل.
لكن عشان حسيت إنها أخيرًا حست بيا.
ومن يومها بقت كل ما تنزل تجيب لنفسها حاجة، تجيب للبيت معاها.
ولو نقص سكر أو زيت، تنزل تشتريه من غير ما حد يطلب منها.
وأحمد بقى راجع من الشغل وشايل هم أقل.
وأنا بقيت أقدر أرتاح شوية قبل الولادة.
وساعتها فهمت حاجة مهمة…
إن السكوت ساعات بيكبر المشكلة.
لكن الكلام باحترام، ومن غير تجريح، ممكن يصلح حاجات كتير كنا فاكرين إنها مستحيل تتصلح.
تمت.

