ج 2 ابويا جيه من الفيوم حكايات زهرة الربيع
محمود لما شافني داخلة الأوضة وببدأ أفتح الدولاب وبلم هدومي بجد، وعافية أبويا وهو واقف ساند ظهره على الحيطة ومصمم ياخدني معاه، اتهز جواه كل برود وجبروت. الخوف من الفضيحة وسط العائلات، وإن الناس في الفيوم والقاهرة يعرفوا إنه طرد حماه وجوع مراته، خلا الـرعب يسيطر عليه. جري ورايا الأوضة، وقف بيني وبين الدولاب، وبدأ يكلمني بصوت واطي وبيرتعش، وعينيه بتترجاني: “انتي بتعملي إيه يا بنت الناس؟ فضحتيني قدام أبوكي وخليتي شكلي زبالة، وعاوزة تخربي بيتنا وتسيبي الشقة في أول أسبوع لينا فيها؟ اتقي الله واقعدي!”.
بصيت له بنظرة خلت جسمه يقشعر، وقولت له بمنتهى القسوة: “أنا اتقيت الله فيك وفي بخلك سنين، وعشت معاك في شقة كانت هتقع على دماغنا وصابرة، لكن لحد كرامة أبويا والحد ده يتكسر.. يبقى مفيش بيت ومفيش عشرة”. زقيته من قدامي وكملت لم في الهدوم، وأبويا بره صوته واصل وهو بيقول: “خلصي يا بنتي، القطر مش هيستنانا، والراجل اللي ميعرفش قيمة الأصول، كلامنا معاه مش في الصالة، كلامنا معاه هيبقى مع كبار عيلتنا”.
خرجت بالشنطة، ومحمود ورانا زي العيل الصغير، وشه أصفر تماماً، وعمال يحلف لأبويا ويقوله: “يا عمي حقك عليا، أنا غلطان، والشيطان شاطر، أنا هنزل دلوقتي حالا أجيب أحسن غدا من بره، هجيب خروف بحاله، بس متكسرش بخاطري وتاخد مراتي!”. أبويا مبصلوش أصلاً، وفتح باب الشقة وخرج، وأنا وراه، وقفلنا الباب ورا ظهرنا، وسبنا محمود واقف في نص الشقة الجديدة، اللي دفع دم قلبه في إيجارها، لوحده، مصدوم ومش مستوعب إزاي الست الهادية المطيعة قلبت التربيزة عليه في ثانية ودمرت كبريائه المزيف.
ركبنا المواصلات ورجعنا الفيوم. طول الطريق وأنا ماسكة إيد أبويا، وببوس عليها وأعتذر له، وهو يطبطب عليا ويقولي: “انتي رفعتي راسي يا بنتي، والراجل اللي يستخسر في حماته لقمة، بكرة يستخسر فيكي وفي عيالك العلاج واللقمة، البخل في الفلوس بخل في المشاعر وفي الأصول، والبعد عنه غنيمة”.
أول ما وصلنا بيت أبويا في الفيوم، وارتحنا من المشوار، تليفوني مبطلش رن. محمود كان بيتصل كل دقيقة، ولما لقاني مبردش، بدأ يبعت رسائل كلها رجاء وأسف، وبعدها بدأ يدخل وسائط.. كلم عمامي، وكلم جيرانا، والكل بقى يستفسر إيه اللي حصل. وطبعاً محمود مكنش قادر يقول الحقيقة كاملة، كان بيقول “خلاف بسيط على مصاريف الشقة”، بس أنا مسبتلوش فرصة يستعطف حد. كتبت رسالة جماعية لكل اللي اتدخلوا، وقولتلهم فيها الحقيقة نصاً: “محمود رفض يعمل لأبويا غدا وقالي خليه يجيب أكله معاه، وأبويا اتغدى من الشنطة اللي جايبها معاه من الفيوم”.
الصدمة حلت على عيلته هو قبل عيلتي أنا. أبوه وأخواته اتصلوا بيه ووهقوه، وأخوه الكبير كلمه وقاله: “فضحتنا وخليت سيرتنا على كل لسان، انت بتعاير حماك باللقمة؟!”. محمود حس إن الأرض بتلف بيه، وإن بخله وحرصه على الكام جنيه خسروه كرامته، ومراته، وهيبته قدام الناس كلها.
بعد تلات أيام من المقاطعة التامة، تليفون أبويا رن، وكان المتصل هو حمايا (والد محمود)، الراجل الكبير المحترم. طلب من أبويا إنه يقابله، وقاله: “يا حاج، احنا جايين لحد عندك في الفيوم بكرة، أنا ومحمود وكبار العيلة، ورجلينا فوق رقبتنا، وعارفين إن ابننا غلط في الأصول، ومستعدين لأي شرط تشرطوه عشان نصلح الغلط ده”.
أبويا بصلي وقالي: “أهل جوزك جايين بكرة يا بنتي، ومحمود جاي معاهم مكسور الجناح.. وأنا مش هسيب حقك ولا حقي، والمرة دي اللعب هيبقى على المكشوف وشروطنا هتقطم ظهره بجد”.
قعدت وفكرت، وبدأت أرتب للخطوة اللي جاية، الخطوة اللي هتخليه يدفع تمن كل لقمة استخسرها فيا، وتمن كل دمعة نزلت من عين أبويا.. وبقيت مستنية بكره بفارغ الصبر عشان أشوف وشه وهو بيسمع الشروط اللي هتحجم بخله طول العمر.
جه اليوم الموعود، وبيت أبويا في الفيوم كان جاهز ومفتوح، بس مش عشان يستقبل ضيوف، كان جاهز عشان يحط نقط فوق الحروف مكنتش محطوطة من سنين. أبويا جمع عمامي الاتنين وكبار عيلتنا، وقعدوا في المندرة الكبيرة مستنيين، وأنا كنت واقفة ورا الستارة، قلبي بيدق بس مش من الخوف، ده كان دق الانتصار والترقب لكسرة عين محمود.
ساعة العصر، وصلت عربيتين ونزل منهم حمايا، وأخو محمود الكبير، ومحمود وراهم.. وشه الأرض مش قادرة تشيله، باصص تحت رجليه، هيبته اللي كان بيفرضها عليا بالزعق والبخل اتمحت تماماً، وبقى زي التلميذ المذنب اللي رايح يتعاقب.
دخلوا المندرة، وسلموا، وطبعاً عيلتي استقبلتهم ببرود يليق باللي محمود عمله. حمايا، الراجل الكبير، مسبش فرصة للكلام، أول ما قعد بص لأبويا وقال بصوت كله خجل: “يا حاج أحمد، إحنا ملناش عين نتكلم، واليوم اللي محمود ابني يفكر فيه يستخسر اللقمة فيك، يبقى يوم أسود في تاريخ عيلتنا. إحنا جايين ورجلينا فوق رقبتنا، والولد ده غلطان من ساسه لراسه، وإحنا تبرينا من عملته قدام القاصي والداني، وجايين نطلب السماح منك ومن بنتك، وأي شرط هتقوله، إحنا باصمين عليه بالعشرة قبل ما ينطق”.
محمود حاول يرفع عينه ويتكلم، وبص لأبويا وقاله بصوت مخنوق بالدموع: “حقك عليا يا عمي.. أنا الشيطان عماني، ومكنتش قاصد، أنا شاري بنتك ومقدرش أعيش من غيرها”.
أبويا سكت خالص، وفضل يشرب من كباية الشاي بمنتهى الهدوء، والصمت ده كان بياكل في أعصاب محمود أكل. بعد دقيقتين كاملين من السكوت، أبويا حط الكباية، وبص لمحمود وبص لحمايا وقاله: “يا حاج، إحنا بنشتري الراجل ومبنبصش للقرش، بس لما القرش يبقى أغلى من الأصول ومن كرامة أهل بيته، يبقى الراجل ده محتاج يتربى من أول وجديد في بيوت الأصول. بنتي مش هترجع الشقة الجديدة دي إلا بشروط، والشروط دي مش عشان نذل ابنك، الشروط دي عشان نضمن إن بنتي متجوعش ولا تتهان تاني في بيته”.
حمايا رد بسرعة: “قول شروطك يا حاج، وكلنا سامعين”.
أبويا طلع ورقة وقلم من جيبه، وبدأ يملي الشروط اللي كنا مرتبينها، وكان كل شرط بينزل على دماغ محمود زي المرزبة:
“أولاً: محمود هيمضي على وصل أمانة بمبلغ محترم قيمته تضمن كرامة بنتي، وبيتكتب في عقد بره إن الوصل ده حماية ليها ضد أي تقصير في بيتها من أكل أو شرب أو علاج.
ثانياً: مصروف البيت هيتحدد بمبلغ شهري ثابت وواضح، يتدفع لبنتي في إيدها أول كل شهر، ملهاش دعوة بظروفه ولا بأعذاره، وهي اللي تدير البيت بمعرفتها ومن غير ما يحاسبها على اللقمة والبرتقانة.
ثالثاً: بنتي ليها ذمة مالية تشتري لبسها وتخرج وتزور أهلها من غير ما تقعد تترجاه في المليم، وهيتحط لها مبلغ شهري خاص بيها هي شخصياً مالوش علاقة بمصاريف البيت”.
محمود أول ما سمع الشروط دي، وشه جاب ميت لون، وبدأ يتنفس بسرعة وبص لأخوه ولأبوه كأنه بيستنجد بيهم.. المصاريف دي والشروط دي بالنسبة لواحد بخيل زيه كانت بمثابة حكم بالإعدام على فلوسه اللي كان بيعبدها. حاول يتكلم وقال: “بس يا عمي.. المبلغ ده كتير عليا، وإحنا لسه ناقلين..”
وقبل ما يكمل كلمته، أبوه خبط بالبنديرة على التربيزة وزعق فيه قدام الكل: “اخرس خالص! متفتحش بقك بنص كلمة، الشروط دي هتمضي عليها ورجلك فوق رقبتك، وإلا قسمًا بالله العظيم لا أنت ابني ولا أعرفك، والشنطة اللي مرتك لمتها دي هترجع تاخد باقي حاجتها من الشقة ونطلقها منك بكرة في المحاكم ونفضحك في وسط بلدك!”.
محمود بلع ريقه، وبص للورقة اللي قدامه، وبص لأبويا اللي كان قاعد وباصص له بنظرة تحدي وثبات.. محمود لقى نفسه بين نارين: إما إنه يدفع ويمضي ويتحجم طول عمره، وإما إنه يخسر كل حاجة وفضيحتة تبقى بجلاجل وخسارته هتبقى أكبر بكتير.
مسك القلم وإيده بترعش، ومضى على الشروط وعلى التعهد قدام كبار العيلتين.. وفي اللحظة دي أنا كنت واقفة ورا الستارة، والابتسامة مالية وشي، وعرفت إن محمود البخيل اتكسر كسرة مش هينساها طول عمره.
لكن وأنا بجهز نفسي عشان أرجع معاه القاهرة تالت يوم، اكتشفت حاجة في الشقة وفي حسابات محمود القديمة مكنتش على البال ولا على الخاطر.. حاجة خلتني أدرك إن بخله مكانش مجرد حرص، ده كان وراه سر أسود وكبير أوي، سر لو اتكشف هيهد البيت على دماغنا بجد!


