شغاله موظفه حكايات روماني مكرم ج 3

الجزء الخامس:

وقفت منى قدام الحاج عبد الحميد، وعينيها لسه مدمعة وهي شايفة ولادها نايمين على الكنبة اللي جمبها بعد ما تعبوا من الصريخ واللف طول اليوم. الحاج عبد الحميد حط إيده على راس الولد، وبص لمنى وقال لها بلهجة مفيهاش هزار: *”اسمعي يا بنتي.. الشروط دي عشان تحفظ كرامتك ولقمة عيالك، بس الراجل اللي بيبعد ويتعود على الخرس، الفلوس لوحدها مش هتربيه.. الخطوة الجاية عليكي إنتي، ورجلك مش هتعتب عمارة عيلة أحمد الليلة ولا الأسبوع ده واصل”.*

منى برقت بعينيها وقالت بخوف: *”كيف يا عمي؟ طب والشرط اللي مضوا عليه؟ والناس اللي شافتهم وهم مكسورين؟”*

الحاج عبد الحميد قال لها وعينيه فيها نظرة ثاقبة: *”لو رجعتي الليلة، حماتك هتقول لأحمد (مرتك جابت لنا الرجالة لغاية البيت ورجعت قعدت في وسطنا)، وهيتحول الندم اللي في قلبه دلوقتي لغل وعناد.. إنتي هتقعدي هنا في بيت أبوكي معززة مكرمة، لغاية ما التحويل يوصل في إيدك، ولغاية ما أحمد بنفسه ينزل إجازة من الكويت ويجي يخدك من هنه.. من بيت الرجالة اللي جابوا لك حقك.. يقعد ويدخل المضيفة ويطلب مرته وعياله بالأصول”.*

منى حست برعب؛ أحمد لسه فاضل في عقده مع الشركة في الكويت سنة كاملة، ونزوله إجازة فجأة كده معناه إنه ممكن يخسر شغله أو ينزل مديون.. بس كلام الحاج عبد الحميد كان أمر وميصحش فيه المراجعة.

في الكويت، قفل أحمد التليفون وهو حاسس إن جدران الأوضة بتلف بيه. كان بيعرق وينهج كأنه كان في معركة حراب. كلام الحاج عبد الحميد كان زي السكين اللي قطعت حبل الأمان اللي كان عايش فيه. لقى نفسه لوحده، أهله اللي كان بيحول لهم الفلوس وبيسمع كلامهم اتخلوا عنه ومضوا على الشروط عشان ينجوا بنفسهم، ومراته اللي كانت بتبكي له في الشات، بقت وراها عيلة الهوارية بكبراتها.

مسك تليفونه والدنيا بتسود في عينيه، وطلب أمه.. الحاجة فاطمة ردت وهي في العربية راجعة العمارة، وصوتها كله مرارة: *”أهو مضينا وبصمنا يا أحمد.. الله يسامحك يا ابني، صغّرتنا قدام البلاد وخليت اللي ميسواش يتفرج علينا.. مرتك طلعت مش سهلة، ورمت لنا العيال وراحت استقوت بأهلها.. من هنا ورايح يا أحمد، قرشك اللي كنت بتبعتوا ليا، يروح لمرتك تالت ومتلت، إحنا مش قد كلام الحاج عبد الحميد ولا شروطه الجزائية اللي تخرب بيوتنا”.*

أحمد زعق بكسرة ونفاد صبر: *”يا أمي إنتي اللي كنتِ بتقولي لي لم قرشك ومتبعتش! دلوقتي بقيت أنا الغلطان؟ أنا هكلمها وهخليها ترجع الشقة الصبح والعيال معاها، والمبلغ هحوله حالا”.*

ردت الحاجة فاطمة بقلة حيلة: *”تكلم مين يا حزين؟ دي منزلتش معانا، الحاج عبد الحميد حلف يمين ما تخرج من بيته إلا وأنت واقف على رجليك في المضيفة بتسلم وتعتذر.. مرتك مبقتش مقطوعة من شجرة يا أحمد.. صلح عملتك معاها بدل ما تضيع من إيدك والبلد كلها تقاطعنا”.*

الكلمات دي نزلت على أحمد كأنها جبل ووقع عليه. نزل الصبح جري على الصرافة، وسحب كل القرش اللي كان محوشه وشايله ومستخسره في لبس العيد ومصاريف المدارس، وحول مبلغ كبير جداً باسم “منى مكرم”.

بعدها، قعد في شقته يكتب لها رسايل ورا رسايل.. بيترجاها ترد، بيبكي لها في التليفون ويقولها: *”أنا أسف.. حقك عليا.. الفلوس وصلت الصرافة وروحي استلميها، بس بلاش تخربي بيتي، أنا غريب وبشقى عشانكم”.*

منى كانت قاعدة في بيت أهلها، والموبايل في إيدها بيتبعت عليه رسايل أحمد والتحويلات.. شافت الفلوس اللي كانت بتموت عشان تلاقي ربعها عشان تجيب لبس العيد للعيال، شافت الإلحاد والتوسل في كلامه بعد ما كان بيقفل التليفون في وشها بالشهور.

حست براحة.. بس رعب الخطوة الجاية كان لسه مسيطر عليها.. أحمد في رسالته الأخيرة كتب لها جملة هزت قلبها: *”أنا حجزت تذكرة طيران ونازل مصر بعد تلات أيام.. نازل ومش راجع الكويت تاني، وهصفي شغلي هناك عشان أقف قدام أهلك وأرجعك.. بس افتكري إنك إنتي اللي اختارتي الطريقة دي يا منى”*.

منى حست إن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة.. نزول أحمد وفسخ عقده في الكويت معناه قطع رزقه ورزق عياله، وهل نزوله ده هيكون للصلح والأصول، ولا هيكون وراه عاصفة من الغل والانتقام هتقلب حياتهم جحيم؟

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الجزء السادس:

كلمة “نازل ومش راجع تاني” نزلت على منى زي مية ساقعة في عز الشتا. الموبايل فضل في إيدها وصوابعها اتجمدت وهي بتبص للشاشة. الفرحة اللي حست بيها لما شافت الفلوس والاعتذار اتبخرت في ثواني، وحل محلها خوف ووجع بطن.. أحمد هيهد كل اللي بناه في سنتين غربة وشقا عشان العند؟ ولا هو نازل وعينه بتطق شرار وعايز ينهي كل حاجة؟

لمت منى هدومها في الأوضة ودخلت على الحاج عبد الحميد وهو قاعد بيشرب شاي العصاري في جنينة البيت. حطت الموبايل قدامه والدموع محبوسة في عينيها وقالت بصوت مرعوب: “الحقني يا عمي.. أحمد كتب لي إنه حجز تذكرة ونازل بعد تلات أيام، وبيقول إنه مش راجع الكويت تاني وهيصرف نظره عن السفر.. أنا خايفة يا عمي، قطع الرزق مش زين، وأنا كنت عايزة حقي وحق عيالي، مش عايزة أخرب على جوزي وشغله”.

الحاج عبد الحميد خد الموبايل، عدل نظارته وقرا الرسالة على مهله، وهز راسه وهو بينفخ دخان الشيشة براحة، وملامحه متهزتش واصل. بص لمنى وقال بصوت هادي يطمن الخايف: “اقعدي يا بنتي وهدي روعك.. أحمد مش نازل يقطع رزقه، أحمد نازل يلحق كرامته اللي حس إنها اتهانت قدام رجالة البلاد.. الراجل لما يلاقي مرته بقا ليها ضهر وجبل، وبيته هيتخرب، والشرط الجزائي هيمضي عليه إخواته، لازم ينزل يقف في وسط المعمعة.. ده مش قطع رزق، ده فواق من الغيبوبة اللي كان عايش فيها”.

منى سكتت بس قلبها كان دليها، وعارفة إن أحمد طبعه حامي، ولمّا بيحس إنه اِتلوى ذراعه بيميل للخراب.

مرت التلات أيام على عمارة عيلة أحمد وكأنها أيام عزا.. الحاجة فاطمة مكنتش بتخرج من شقتها، والبلد كلها بتتكلم عن مجلس الحق اللي عقده الهوارية، وإزاي إن منى اليتيمة المقطوعة طلع وراها كبار يهزوا الأرض. محمود وحسين أعمام العيال كانوا بيروحوا شغلهم ويرجعوا وشهوشهم في الأرض، ومستنيين وصول أحمد بفارغ الصبر عشان يشيل الليلة معاهم ويمضي على الأوراق الرسمية.

وفي اليوم الموعود.. الساعة كانت عشرة بالليل لما عربية تاكسي وقفت قدام عمارة العيلة، ونزل منها أحمد. كان باين عليه التعب والهم، وشه مخطف من قلة النوم، وشايل شنطة سفر واحدة صغيرة.. يعني فعلاً نازل على عماها ومن غير ترتيب.

أول ما دخل الشقة عند أمه، الحاجة فاطمة جريت عليه وخدته في حضنها وهي بتبكي: “نورت بلدك يا واد بطني.. شفت اللي مرتك عملته فينا؟ صغرتنا قدام البلاد وخليت الحاج عبد الحميد يكتب علينا شروط تكسر الضهر”.

أحمد فك إيد أمه براحة، وبص لها بنظرة غريبة، مفيهاش العطف القديم ولا الطاعة العمياء.. قال لها بصوت ناشف: “منى مكنتش هتعمل كده يا أمي لو كنت أنا ببعت لها قرشها وقايم ببيتي.. ومنى مكنتش هتروح للحاج عبد الحميد لو لقيت حد في البيت هنا يطبطب عليها ويقول لها إنتي بنتنا.. إحنا اللي صغرنا نفسنا لمّا استقوينا على ست يتيمة ملهاش حد”.

الحاجة فاطمة اتصدمت من كلام ابنها، وعرفت إن أحمد اللي سافر من سنتين غير أحمد اللي راجع الليلة.

أحمد مغيرش هدوم السفر، غسل وشة وأخد إخواته محمود وحسين في إيده، وركبوا عربية وطلعوا مباشرة على بلد الهوارية.. على بيت الحاج عبد الحميد.

وصلوا والوقت كان متأخر، بس مجلس الحاج عبد الحميد مبيقفلش بابه في وجه حد. دخل أحمد والمجلس كان فيه كام راجل من كبار العيلة. أول ما دخل، وقف قدام الحاج عبد الحميد، قلع طاقيته وحطها على التربيزة وقال بصوت عالي وثابت وفيه عزة نفس صعيدية: “السلام عليكم يا حاج عبد الحميد.. أنا أحمد عبد الدايم، وجاي لغاية بيتك عشان أخد مرتي وعيالي بالحق والأصول.. والشرط اللي كتبتوه على إخواتي، أنا أولى بيه وأنا اللي هبصم عليه الليلة!”.

منى كانت واقفة ورا الستارة، قلبها كان بيدق زي الطبل وهي سامعة صوت جوزها بعد سنتين غياب.. الصوت فيه قوة، بس فيه وجع وندم ميتداراش.. والكل في المجلس حبس أنفاسه مستني رد فعل الحاج عبد الحميد على الدخلة الحامية دي!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *