مرتب الزوجه ج2
عصام وقف في نص الصالة، الكرسي مقلوب وراه، ووشه اتخطف وبقى لونه زي الدم من كتر الغيظ والإحراج. نظرات اللوم اللي في عيون أبوه وأمه كانت بتدبحه، وهمسات أهلي وبصاتهم لبعض كانت بتخليه يغلي. كان شكل برستيجُه وصورته اللي اتهزت قدام الكل فوق احتماله، خصوصًا إنه هو اللي بدأ اللعبة وهو اللي حط القواعد، ومكنش يتخيل إن القواعد دي هتلف وتتطوق حوالين رقبته بالشكل ده!
شيماء أخته كانت قاعدة ماسكة علبة التليفون الجديد، مكسوفة وفرحانة ومصدومة في نفس الوقت، بصت لأخوها وقالت بنبرة عتاب حقيقية: “جرى إيه يا عصام؟ هو ده الكلام اللي بتقوله لمرأتك في السر؟ تقسم معاها البيت والشغل بالنص عشان جابت هدية لأختها اللي شالتها في تعبها؟”
عصام حاول يلم الباقي من كرامته، وبص لأخته بزجر وقام مزعق بصوت مخنوق: “انتي تسكتي خالص يا شيماء! ومحدش يتدخل بيني وبين مراتي.. الحكاية مش حكاية مصروف، الحكاية إن الهانم بتتصرف من ورا ضهري وبتلوي دراعي قدامكم!”
في اللحظة دي، حمايا (والد عصام) خبط عصايرته في الأرض خبطة قوية هزت المكان، وبص لعصام بنظرة حادة وقاله بصوت جهوري: “اقعد يا ولد ولم الدور! مرأتك مغلطتش.. لما تقولها انسي أهلك وقسمي الشغل والمصروف، يبقى هي ردت عليك باللي يرضي ربنا ويرضيك. شيل شيلتك بقى يا بطل، ووريني ورقتك اللي بتقول فيها الشغل بالنص هتعملك إيه والبيت منهارده مفيهوش جنيه!”
والدتي وأخواتي مكانوش بيتكلموا، كانوا قاعدين بيبصولي بفخر وثقة، عارفين إن بنتهم مابتتكسرش، وإن السكوت اللي سكته امبارح كان وراه تدبير يرجعلي حقي تالت ومتلت من غير ما أغلط بغلطة واحدة.
عصام لما لقى الكل ضده، حتى أبوه وأمه، ساب الصالة كلها ودخل الأوضة ورزع الباب وراه روعة هزت الحيطان.
الناس بدأت تقشر وتمشي بعد العزومة اللي اتقلبت لدرس قاسي لعصام. حماتي وهي ماشية طبطبت على كتفي وقالتلي: “متزعليش يا بنتي، هو عصام طبعه حامي بس ابن أصول، معلش استحمليه، بس انتي برضه نشفتي دماغك قوي!”
ابتسمت لها وقولت ببرود: “أنا منفذة كلام ابنك بالحرف يا ماما، هو اللي اختار يمشّيها أصول، وأنا مشيت على أصوله.”
أهلي أخدوني بالأحضان قبل ما يمشوا، وأختي “هنا” دمعت وقالتلي: “أنا أسفة يا حبيبتي إن الصورة اللي نزلتها سببتلك كل ده.”
بست راسها وقولتلها: “بالعكس يا هنا، صورتك دي هي اللي كشفتلي الغُمة وفوقتني قبل ما العمر يسرقني وأنا بفرّم في نفسي عشان أساعد واحد مش مقدر.. تليفونك وتليفون شيماء هما أحسن قرشين أنا صرفتهم في حياتي.”
قفل الباب ورا أخر واحد من الضيوف.. والبيت فجأة هدي.
هدوء غريب، مكنش فيه غير صوت مروان الصغير وهو بيناغي في سريره. دخلت غيرت فستان الشياكة، ولبست ترينج مريح، ولميت باقي الأكل وشيلت السفرة ونضفت المطبخ وكأن مفيش أي حاجة حصلت. كنت حاسة براحة نفسية عمري ما حسيتها من يوم ما اتجوزت، إحساس إن ذمتك المالية حرة، وإن تعبك وشقاكي في شغلك الخاص بقى ليكي ولوالدك ولابنك، ومش فرض عين عليكي تديه لراجل بيعايرك بأهلك.
الساعة بقت ١١ بالليل، والبيت ضلمة، ومفيش غير النور الصغير اللي قايد في الصالة.
فجأة باب الأوضة اتفتح، وخرج عصام. مكنش لابس لبس البيت، كان لابس وعامل شعره، وماسك في إيده مفاتيح العربية ومحفظته. ملامحه كانت جامدة، وحاول يظهر إنه مش هامّه حاجة وإن خطتي مأثرتش فيه.
وقف قدامي وأنا قاعدة على الكنبة بقرأ كتاب، وبصلي بنظرة كلها تحدي وقالي:
“انتي فاكرة إن الحركة دي ه تكسرني؟ ولا فاكرة إني هقعد أعيط عشان الفلوس؟ أنا رايح أسهر مع صحابي، والبيت اللي بتقولي مفيهوش جنيه، هجيبله أحسن أكل وشرب وعلاج لمروان من مالي الخاص.. بس اعملي حسابك يا هانم.. من اللحظة دي، طالما قسّمتيها ذمة مالية منفصلة وشغل خاص، يبقى مفيش بيني وبينك غير مروان وبس! لبسك، مكياجك، خروجك، مواصلاتك لعيادتك.. ماليش دعوة بيهم مليم واحد! والشقة دي اللي احنا قاعدين فيها، إيجارها والنور والمياه من الشهر الجاي هيدخلوا الحسبة بالنص بالحرف.. وهشوف هتقدري تكملي في العند ده لحد فين!”
بصيتله من فوق النضارة، وقلبت الصفحة في الكتاب بكل برود، وقولتله بابتسامة خفيفة: “توصل بالسلامة يا أبو مروان.. سهرة سعيدة.. ومتنساش وانت راجع تجيب معاك علبتين لبن صناعي رقم ١ عشان العلبة اللي جوه تخلص الصبح، والعلبة بـ ٤٥٠ جنيه.. وطبعًا دي مسئوليتك الكاملة زي ما اتفقنا.”
وشه اتشنج تاني، وسابني وخرج ورزع باب الشقة وراه.
أنا قمت، قفلت الترباس بتاع الباب ورا منه، ودخلت أوضتي، أخدت مروان في حضني ونمت نوم عميق من غير تفكير ولا قلق. كنت عارفة إن اللعبة الحقيقية لسه بتبدأ، وإن الـ ١٥ يوم اللي فاضلين في الشهر دول هيكونوا أطول وأصعب ١٥ يوم في حياة عصام.. وهو لسه مش مستوعب حجم المصاريف اللي كانت بتتدفع من وراه ومن ورا مرتبه وهو مش حاسس!
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت تليفوني بيرن.. كان رقم غريب، فتحت الخط، ولقيت صوت محامي بيقولي: “يا فندم، أنا بكلمك بخصوص الإجراءات القانونية اللي طلبتيها بخصوص فصل أصول العيادة وتوثيق العقد الجديد.. الأوراق جاهزة ومحتاجين إمضاء حضرتك انهارده.”
ابتسمت وقولتله: “أنا جاية لحضرتك حالا.”
لبست ونزلت، وأنا في طريقي للعيادة، جالي رسالة على الواتساب من عصام.. كاتب فيها جملة واحدة بس، جملة عرفتني إن الصدمة التانية بدأت تشتغل مفعولها من أول دقيقة في اليوم الجديد.. الجملة كانت بتقول…
الرسالة كانت قصيرة ومكتوبة بلهجة حادة، بس ملامح القلق والورطة كانت باينة بين الحروف: “أنا جيت الصيدلية أجيب اللبن والعلبة بقت بـ 520 جنيه مش 450! وبتاع الحفاضات عايز 600 جنيه في الباكتة الكبيرة.. إيه الأسعار دي؟ وإزاي كنتي بتجيبي الحاجات دي كلها كل شهر ومبتشتكيش؟”
قريت الرسالة وأنا راكبة التاكسي في طريقي لمكتب المحامي، ومقدرتش أمنع نفسي من إني أبتسم ابتسامة شمتانة بس مرتاحة. مردتش عليه، سبت الرسالة مقروءة وعملت “سين” وقيدت التليفون خالص. كنت عايزاه يغلي في أفكاره، وعايزاه يدوق بنفسه النار اللي كان سايبني شايلاها لوحدي طول السنين اللي فاتت وهو فاكر إن المرتب الحكومي بتاعي ده “فلوس زيادة بتبعزقها الهانم يمين وشمال”.
وصلت مكتب المحامي، ومضيت على كل الأوراق اللي تضمن فصلي التام عن أي التزام مالي مع عصام، ووثقت عقود العيادة والشغل الخاص باسمي وباسم ابني مروان كحمايا قانونية ومستقبلية ليه. المحامي بصلي وقال بتقدير: “برافو عليكي يا دكتورة، الخطوة دي كان لازم تتعمل من زمان.. الذمة المالية المستقلة للست مش عيب ولا حرام، دي أمان ليها ولعيالها في الزمن ده.”
رجعت على عيادتي، وبدأت أركز في شغلي وبس. الطاقة الإيجابية اللي كانت جوايا خلتني أستقبل الحالات بابتسامة وراحة نفسية انعكست على كل اللي حواليا. كلمت والدتي اطمنتها عليا، وقالتلي بلهجة حكيمة: “اثبتي يا بنتي ولا تتهزي.. الراجل لما بيتعود إن مراته شايلة عنه كل حاجة، بيفتكر إن ده حق مكتسب، ولما بتفوقيه بالصدمة، بيبدأ يعرف قيمتها وقيمة القرش اللي كانت بتدفعه من سكات.”
على الساعة 7 بالليل، رجعت البيت. فتحت الباب بالمفتاح، ولقيت الشقة هادية تمامًا. عصام كان قاعد في الصالة، بس المرة دي مكانش حاطط رجل على رجل ولا لابس هدوم الخروج. كان قاعد بالجلابية، ووشه باين عليه الإرهاق، وجنبه على التربيزة علبة اللبن وباكتة الحفاضات وكأنه عارض غنائم حرب خسران فيها!
دخلت من غير ما أبص لله، شيلت مروان وبوسته، ودخلت المطبخ أعمل لنفسي كاس أعشاب دافي. خرجت وقعدت في الصالة، وبدأت ألاعب ابني ولا كأن عصام موجود في الأوضة.
عصام فضل يبصلي كتير، عروق جبهته مشدودة، وبعدين اتنحنح وقال بصوت حاول يخليه خشن وثابت: “أنا جبت طلبات الواد زي ما انتي شايفة.. ومبخلتش عليه بحاجة.. بس ده مغيرش كلامي في أي حاجة.. من أول الشهر الجاي، الفواتير هتنزل بالنص.. إيجار الشقة 4000 جنيه، يعني عليكي 2000، والكهربا والمياه والنت مش هيدخل فيهم مليم من جيبتي إلا لما تدفعي نصك!”
حطيت مروان في سريره بالراحة، وبصيت لعصام بكل برود وثبات، وقولتله: “تمام يا عصام.. وأنا موافقة جدًا.. بس بما إننا بقينا شركاء سكن وبندير بيت بالنص، يبقى من حقي أحط شروطي أنا كمان في الشراكة دي عشان ميبقاش حد مظلوم.”
عصام عقد حواجبه باستغراب وقالي بلهجة تريقة: “وشروط إيه بقى يا هانم إن شاء الله؟”
وقفت بكل طول ثقتي، وربعت إيدي وقولتله بصوت حاسم طير اللي باقي من برجه: “بما إن المصاريف بالنص، يبقى المجهود جوه البيت بالنص بالحرف! من أول الشهر الجاي، الغسيل بالنص، الطبيخ بالنص، ترويق الشقة ومسحها بالنص، وصحيان الليل مع مروان وتغيير الحفاضات وتقسيم أيام الأسبوع عليه بالنص! اليوم اللي هكون أنا سهرانه فيه مع الواد، انت هتنام، واليوم اللي بعده العكس.. واليوم اللي مش هتقدر تطبخ فيه أو تنضف، هتدفعلي تمن (شغالة وطباخة) تخلص نصيبك من الشغل.. طالما قسّمتها مادية جافة، يبقى نقسمها خدمات جافة برضه.. ولا أنت عايزني أدفع النص بفلوسي وشقايا في عيادتي، وأخدمك ببلاش في بيتك كأني جارية؟!”
ملامح عصام اتغيرت 180 درجة، والذهول صدمه لدرجة إنه قام وقف من على الكنبة وهو مش مصدق الرد القاتل اللي نزل فوق دماغه، ومكنش عارف إن المفاجأة الجاية اللي هتحصل بعد ثواني معدودة، هتقلب التربيزة عليه وعليّا وعلى البيت كله في لحظة…

