بعد ٥ أيام حكايات روماني مكرم

بعد خمسة أيام من الطلاق، سألتني حماتي:
“إنتي لسه هنا ليه؟”
ابتسمت بهدوء وقلت:
“عشان البيت ده مدفوع من فلوسي.”
ساعتها وشها شحب فجأة.
بعد خمس أيام بالظبط من ورقة طلاقي، حماتي وقفتلي على باب السفرة وهي ماسكة فنجان القهوة ومربعة إيدها، كأن البيت ده ورثته عن جدودها.. مش بس البيت، دي كانت بتتنفس بـ “منظرة” كأن الأكسجين بتاعها لوحدها.
بصتلي بقرف من فوق لتحت.. وأنا كنت واقفة حافية، لامة شعري أي كلام بالبنسة، ولابسة ترينج بيتي مريح، وقاعدة براجع فواتير النقاشين والكهرباء على الترابيزة اللي أنا منقية خشبها ودافعة تمنها قرش صاغ.
قالتلي بصوتها الناعم “المس-موم” اللي بتطلعه لما تحب تجـ,ـرح وهي عاملة فيها هانم:
حكايات رومانى مكرم
“إنتي لسه قاعدة هنا بتعملي إيه يا شيرين؟”
فجأة الصمت حل في المكان..
برا كان المطر بيخبط في شجر الجنينة بتاعة الفيلا في “الشيخ زايد”..
وجوه مفيش غير صوت تكتكة الساعة.. وصوت التلاجة وهي بتفصل.
“ياسين”، طليقي، كان نازل على السلم.. وأول ما سمع الجملة، رجليه اتسمرت في مكانها.
ابتسمت ببرود يحرق الدم.. وحطيت القلم على الترابيزة بالراحة وقلت:
حكايات رومانى مكرم
“أصل البيت ده مدفوع من شقايا وفلوسي يا طنط.”
وش “مدام ميرفت” اصفرّ فجأة كأن حد ضـ,ـربها قلم، والدم هرب من عروقها.
ياسين فضل واقف مكانه زي التمثل، وأخته الصغيرة “سلمى” كانت لسه بتمد إيدها تاخد حتة كيكة، سحبت إيدها بسرعة كأن الكيكة اتكهربت.
حماتي لعلعت وقالت بسرعة:
“لأ طبعاً.. إنتي أكيد بتهزري يا حبيبتي، ده كلام ده؟”
رديت وأنا باصة في عينيها:
“أنا مابعرفش أهزر في الفلوس.”
ياسين نزل باقي السلم وهو شادد على إيده ومنفعل:
“يا شيرين.. بلاش طريقتك دي دلوقتي، مش وقته خالص.”
لفيت الكرسي وبصيت له في عينه:
“أنهي وقت بالظبط؟
وقت ما كنت بتترجاني من سنتين أفك شهاداتي وأديك فلوس التعويض عشان تسند شركتك ونشتري الفيلا دي؟
ولا الصيف اللي فات لما كانت مامتك بتقول لكل القرايب إن ده بيت ‘ياسين بيه’ وتعب شقاه؟”
حماتي بوقها اتفتح من الصدمة، وياسين كان بيجز على سنانه من الغيظ والكسرة قدام أهله.
الفيلا دي..
حكايات رومانى مكرم
بمساحتها، ورخامها، وحمام السباحة اللي فيها..
كانت أكبر فخر ليهم قدام الناس، وأكبر كدبة عاشوا فيها.
كل العيلة كانت فاكرة إن ياسين هو “السبع” اللي بنى المجد ده، وهم من كتر ما كذبوا الكذبة.. صدقوها.
بس الحقيقة كانت توجع..
المقدم والقسط الأكبر كان من فلوسي..
فلوس التعويض اللي خدتها لما والدي اتـ,ـوفى في حـ,ـادثة طريق غادرة..
فلوس كنت مستعدة أرميها في النار بس يرجعلي يوم واحد مع أبويا.
ياسين كان واعدني إنه مش هيلمس مليم منها.. بس الطمع يقل ما جمع.
ودلوقتي، وأنا واقفة في المطبخ بعد الطلاق، وحماتي بتعاملني كأني ضيفة تقيلة دمها غلس..
فهمت إنهم افتكروا إن بمجرد ما الورقة طلعت، أنا هلم هدومي وأمشي وأسيب لهم “الورثة”.
ياسين ضحك ضحكة صفرا وقال:
“إنتي خلاص استلمتي ورقتك.. ومضيتي على كل حاجة.”
قلتله وأنا قايمة من على الكرسي وبكل ثقة:
“بس إنت شكل مالحقتش تقرأ “المخالصة” اللي مع المحامي.. ولا عرفت هي شاملة إيه.”
حماتي بصت لابنها برعب وقالت:
“شاملة إيه يا ياسين؟ انطق!”
بصتلهم هما التلاتة وقلت كلمة واحدة هزت الحيطان:
“شاملة الحقيقة.”
ساعتها إيد مدام ميرفت بدأت تترعش وفنجان القهوة اتهز في إيدها..
#الكاتب_رومانى_مكرم
لأن السؤال مابقاش “أنا لسه هنا ليه؟”
السؤال الحقيقي بقى: “يا ترى حد فيكم لسه يملك سنتيمتر واحد في البيت اللي إنتوا قاعدين فيه ده؟”
الصمت كان مرعب، لدرجة إن صوت أنفاس ميرفت وهي بتنهج من الصدمة كان مسموع بوضوح.. الفنجان وقع من إيدها على الرخام واتكسر ميت حتة، والقهوة اتدلقت على الأرض زي بقعة سودة بتعلن نهاية “البرستيج” الكداب.
ياسين وشه بقى لون الكفن، وصوته طلع مهزوز وهو بيحاول يسيطر على الموقف:
“إنتي قصدك إيه يا شيرين؟ مخالصة إيه؟ إنتي مضيتي على التنازل عن المؤخر والنفقة مقابل الطلاق الودي.. ده اللي اتفقنا عليه!”
ضحكت ضحكة قصيرة فيها وجع وسخرية في نفس الوقت، وطلعت موبايلي وفتحت صورة من عقد “وعد بالبيع” ومخالصة بنكية مؤرخة قبل الطلاق بشهرين:
“ياسين.. إنت نسيت إنك عشان تاخد القرض الأخير وتنقذ شركتك من الإفلاس، كان لازم ترهن الفيلا؟ ونسيت إنك لما عجزت عن السداد، أنا اللي سددت المديونية بالكامل للبنك؟”
قربت منه خطوة وأنا شايفة الرعب في عينيه:
“المخالصة اللي مضيت عليها الصبح عند المحامي ما كانتش بس عشان الطلاق.. دي كانت إقرار منك بأن الفيلا دي بالكامل، بحديقتها، بحمام السباحة اللي مامتك بتتمنظر بيه، بقت ملكي ‘خالصة’ مقابل الديون اللي سددتها عنك.. يعني من الآخر يا ياسين، إنت بعت البيت ده ليا عشان ماتتسجنش.”
مدام ميرفت صرخت وهي ماسكة قلبها:
“باع إيه؟ يبيع بيت العيلة لمين؟ إنتي أكيد نصابة.. يا ياسين رد عليها! قول لها إنها بتكذب!”
ياسين كان باصص للأرض، إيده كانت بتترعش وهو مش قادر يرفع عينه في عين أمه ولا في عيني.. الحقيقة المرة كانت أقوى من أي كدبة رسموها.. الغرور اللي كان مالي الوشوش اتبخر في ثانية.
سلمى أخته، اللي كانت دايمًا بتبصلي بتعالي، قعدت على الكرسي وهي مذهولة:
“يعني إحنا.. إحنا ملناش مكان هنا؟”
بصيت لها بهدوء وقلت:
“أنا مش زيهم يا سلمى.. أنا مش هرميكم في الشارع في نص الليل والمطر شغال.. بس ‘مدام ميرفت’ كانت بتسأل أنا لسه هنا ليه؟ وأنا جاوبتها.. السؤال دلوقتي ليكم إنتوا: هتقدروا تعيشوا في بيت ‘شيرين’ اللي كنتم بتهينوها فيه؟”
ياسين رفع راسه فجأة، وعينيه كانت مليانة غل ممزوج بكسرة:

“كنتي مرتبة لكل ده؟ من امتى وانتي بتخططي تذلينا بالشكل ده يا شيرين؟”
رديت عليه بمنتهى الثبات:
“من اليوم اللي سمعت فيه مامتك بتقول لخالتك في التليفون إن ‘شيرين دي مجرد بنك متنقل، وبكرة ياسين يرميها وياخد اللي وراها واللي قدامها’.. من اليوم ده عرفت إن الطيبة معاكم ضعف، وإن اللي بيشيلكم على راسه بتهينوه.. أنا ما ذلتش حد، أنا بس استرديت حقي.. حق أبويا اللي تعب في القرش ده.”
حماتي حاولت تستجمع شتات نفسها وقالت بصوت متقطع:
“إحنا مش هنمشي.. دي فيلا ابني، والورق ده أكيد فيه إنّ.. أنا هكلم المحامي بتاعنا.”
طلعت ورقة تانية من الدوسيه اللي كان قدامي على الترابيزة وقلت لها:
“كلميه يا طنط.. وقولي له إن شيرين معاها ‘عقد طرد’ مستعجل مجهزاه، بس مش هطلعه غير لو حد فيكم فكر يقل أدبه أو يتجاوز حدوده.. البيت ده من اللحظة دي هيتحول لـ ‘جحيم’ لو مالحقتوش نفسكم وورتوني عرض كتافكم بالذوق.”
ياسين قرب من أمه وأخدها من إيدها، كان باين عليه إنه اتهزم تمامًا.. بص لي بصه أخيرة قبل ما يسحبها ويطلعوا على فوق يلموا هدومهم، بصه كانت بتقول إنه لسه مش مستوعب إن “شيرين الهادية” هي اللي نهت أسطورة “ياسين بيه”.
قعدت على الكرسي، سحبت فواتير النقاشين تاني، وبدأت أراجعها بتركيز.. بس المرة دي وأنا حاسة إن الهوا اللي في الفيلا بقى أنقى بكتير.
هل تحبين أن أكمل لكِ الجزء الثالث وكيف ستكون مواجهتهم الأخيرة قبل الخروج من الفيلا؟
حكايات رومانى مكرم
طلعت شيرين الموبايل وبدأت تسجل فيديو للبيت كله.. “توثيق للحالة” زي ما بيقولوا، عشان مفيش فازة ولا تابلوه يختفي وهما طالعين.
صوت الكراكيب فوق كان عالي، وصوت صراخ ميرفت وهي بتلوم ياسين واصل لآخر الفيلا:
“يا خيبتك يا ياسين! ضيعت شقى عمرنا عشان خاطر واحدة كانت خدامة تحت رجلينا؟ بعت الفيلا يا ناقص؟”
وياسين كان صوته مكتوم، مكسور، مبيعرفش يرد غير بكلمة واحدة: “كان هيتحكم عليا بالسجن يا أمي.. افهمي!”
نزلت سلمى الأول، كانت شايلة شنطتين كبار وعينيها في الأرض، مكسوفة تبص في وش شيرين اللي كانت واقفة ساندة ضهرها على باب المطبخ وبتشرب قهوتها بمنتهى الرواق.
سلمى وقفت ثانية وقالت بصوت واطي:
“أنا ماليش ذنب يا شيرين.. أنا كنت بسمع كلام ماما بس.”
شيرين بصت لها ببرود وقالت:
“اللي بيسمع كلام الغلط وهو عارف إنه غلط، بيبقى شريك فيه يا سلمى.. اتفضلي، العربية مستنية برا.”
وبعدها نزل “ياسين بيه”.. كان شايل شنطة هدومه، ووراه أمه “مدام ميرفت” اللي كانت لافة طرحتها أي كلام، ووشها باهت تماماً، كأن السنين كلها ظهرت على ملامحها في ساعة واحدة.
وقفت ميرفت قدام شيرين، حاولت تستعيد هيبتها الأخيرة وقالت:
“فاكرة إنك كسبتي؟ الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصول مابتتشتريش.. وإنتي أثبتي إنك معندكيش أصل لما طردتينا في عز المطر.”
شيرين حطت الفنجان بالراحة وقالت بنبرة خلت ميرفت تترعش:
“الأصول هي إنك ماتعيشيش في خير واحدة وتكرهيها.. الأصول هي إن ابنك مياخدش فلوس يتيمة يرمم بيها شركته وبعدين يرميها.. وأنا مطردتكمش في المطر، أنا بس رجعت ‘الأغراب’ لمكانهم الطبيعي.. الفيلا دي كبيرة عليكي يا طنط، والشقة اللي إيجارها قديم اللي لسه باسمك في شبرا، هي دي مقامك الحقيقي.”
ياسين جأر بصوته:
“خلاص يا شيرين! كفاية لحد كدة.. إحنا ماشيين.”
وهما خارجين من الباب الكبير، شيرين نادت عليه:
“ياسين!”
لف بلهفة كأنه مستني كلمة رجوع أو عتاب، لكنها قالت له وهي بتطلع مفتاح جديد من جيبها:
“ماتنساش تسيب مفتاح البوابة الخارجية مع الأمن.. عشان أنا غيرت الكوالين الإلكترونية كلها من الموبايل دلوقتي.. يعني لو فكرت ترجع تاخد حاجة نسيتها، هتحتاج إذن كتابي مني.”
خرجوا التلاتة، وصوت قفل الباب الحديد وراهم كان له رنة انتصار.
شيرين وقفت ورا القزاز، شافتهم وهما بيحاولوا يحطوا الشنط في عربية ياسين القديمة اللي كانت مركونة بعيد، والمطر بيغسل تراب السنين من على شجر الجنينة.
طلعت تليفونها وكلمت المحامي:
“أيوه يا متر.. تمام، خرجوا بشنطهم.. ابعتلي بقى شركة الأمن الخاصة تستلم الوردية من بكرة الصبح.. أنا عايزة الفيلا دي تتباع في أسرع وقت، مش عايزة ريحتهم تفضل في مكان يخصني.”
قعدت شيرين في نص الصالون الواسع، النور كان هادي، والسكوت بقى “ونس” مش “خوف”..
بس وهي بتبص في الفراغ، افتكرت حاجة خلت ابتسامتها تختفي فجأة.. افتكرت إن ياسين كان لسه معاه “توكيل عام” هي نسيت تلغيه في وسط الزحمة.. والتوكيل ده ممكن يخليه يسحب باقي فلوسها اللي في الحساب المشترك قبل الصبح!
هل ستلحق شيرين بإلغاء التوكيل قبل أن ينتقم ياسين في
حكايات رومانى مكرم حكايات
فتحت شيرين عينيها على وسعها، ضـ,ـربات قلبها بقت زي طبول الحرب. “التوكيل!”.. إزاي غاب عن بالها التفصيلة دي وسط نشوة الانتصار؟
ياسين مش بس طليقها، ده كان “شريك” في الحساب البنكي اللي فيه باقي ورث أبوها، والحساب ده كان مربوط بالتوكيل العام اللي عملتهوله وقت ما كانت بتثق فيه ثقة عمياء.
بصت في الساعة.. كانت 11 بالليل. البنوك قافلة، بس “الأبلكيشن” بتاع البنك على الموبايل هو الحل الوحيد.
فتحت الموبايل بسرعة، إيدها كانت بتترعش وهي بتكتب الباسورد.. دخلت على الحساب المشترك، ولقيت الكارثة.
ياسين لسه من دقيقتين بالظبط محول مبلغ ضخم لحساب “مجهول”.. والتحويل “قيد التنفيذ”.
“مش هتلحق يا ياسين.. مش المرة دي!”
كلمت خدمة العملاء فوراً، وصوتها كان حاد زي الموس:
“أنا شيرين المنشاوي، عايزة أوقف كل التعاملات على حسابي المشترك فوراً.. في عملية سـ,ـرقة بتتم دلوقتي!”
الموظف رد ببرود: “يا فندم لازم بيانات، وحضرتك ده حساب مشترك والطرف التاني له حق التصرف..”
قاطعته بصرخة مكتومة: “أنا بلغت عن ضياع التوكيل وإلغاءه رسمياً في الشهر العقاري الصبح (كدبة بيضا عشان تكسب وقت).. لو العملية دي كملت، البنك هيتحمل المسئولية القانونية كاملة!”
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط عنيف على باب الفيلا البراني..
بصت في كاميرات المراقبة من الموبايل، لقت ياسين واقف برا، المطر مغرق هدومه، وشكله كان مرعب.. مكنش جاي يطلب سماح، كان جاي وهو ماسك في إيده “نسخة قديمة” من مفتاح البوابة الجانبية اللي شيرين نسيت تغير كالونها!
ياسين دخل الجنينة وهو بيصرخ:
“شيرين! افتحي! الفلوس اللي حولتها دي حقي.. ده تعب سنتين معاكي! مش هسيبك تاخدي كل حاجة وتكسري قلبي وأمي في ليلة واحدة!”
شيرين قفلت باب الفيلا الداخلي بالترباس، ووقفت ورا الباب وهي سامعة خطواته بتقرب من السلم الرخام اللي برا.
فتحت السبيكر بتاع الموبايل وهي لسه مع الموظف:
“سمعت يا أستاذ؟ اللي بيسـ,ـرقني واقف برا بيحاول يقتحمني.. لو العملية ماتوقفتش دلوقتي، أنا هطلب البوليس وهتكون أنت الشاهد الأول!”
الموظف ارتبك: “تمام يا فندم.. تم إيقاف العملية مؤقتاً للمراجعة الأمنية.. بس لازم تيجي البنك أول ما يفتح الصبح.”
ياسين بدأ يخبط على باب الخشب بتاع الصالون بكل قوته:
“افتحي يا شيرين! أنا عارف إنك جوه.. ميرفت هانم في المستشفى بسببك، ضغطها عليّ وإنتي السبب! افتحي بدل ما أهد الباب ده على دماغك!”
شيرين قربت من الباب، وبمنتهى الثبات قالت بصوت واطي بس واثق:
“ياسين.. البوليس في الطريق، والتحويل اللي عملته وقف.. إنت دلوقتي مش بس خسرت الفيلا، إنت بتخسر حريتك.. “الشروع في سـ,ـرقة” و”اقتح-ام ملكية خاصة” هيخلوك تقضي بقية عمرك ورا القضبان مش في شقة شبرا.”
ياسين سكت فجأة.. صوت المطر كان هو الوحيد اللي مسموع.
بعد ثواني، سمعت صوت حاجة تقيلة بتقع على الأرض.. ياسين نهار وقعد ورا الباب وسند راسه عليه وهو بيعيط بحرقة:
“دمرتيني يا شيرين.. مسبتيش ليا حاجة أبدأ بيها.. ميرفت هتمـ,ـوت مني.”
فتحت شيرين شباك صغير في الباب، وبصت له بجمود:
“اللي دمرك هو طمعك يا ياسين.. اللي دمرك هو إنك سيبت مامتك تبيع وتشتري فيا وإنت بتتفرج.. امشي دلوقتي قبل ما البوكس يوصل، لأني مش هتنازل عن المحضر لو شفت وشك هنا تاني.”
ياسين قام ببطء، جر رجليه وهو خارج من الجنينة كأنه شايل جبل على كتافه..
شيرين قعدت على الأرض ورا الباب، أخدت نفس عميق.. كانت فاكرة إن الكابوس خلص، بس فجأة جالها رسالة على الموبايل من رقم غريب:
“مبروك يا شيرين.. الفيلا بقت بتاعتك، بس تفتكري سر ‘حـ,ـادثة والدك’ هيفضل مستخبي كتير؟ ياسين مكنش لوحده يومها..”
شيرين حست ببرودة بتجري في جسمها كله.. الرسالة دي قلبت موازين كل حاجة!
من هو صاحب الرسالة؟ وما هي علاقة ياسين بحـ,ـادثة والد شيرين؟
حكايات رومانى مكرم
وقفت شيرين في نص الصالون والموبايل هيقع من إيدها.. الرسالة كانت كأنها رصاصة اخترقت هدوء المكان. “ياسين مكنش لوحده يومها؟”
الجملة دي هزت كل الثوابت اللي شيرين بنت عليها حياتها. حـ,ـادثة والدها اللي كانت فاكراها مجرد “قضاء وقدر” وبسببها خدت فلوس التعويض اللي ياسين عاش في خيرها، طلعت وراها حقيقة تانية أبشع.
إيدها كانت بتترعش وهي بتكتب للرقم المجهول:
“إنت مين؟ وقصدك إيه بالكلام ده؟”
الرد جه في ثانية واحدة، كأن الطرف التاني كان مستني السؤال:
“أنا اللي كان ممكن ينقذ أبوكي لو ياسين مهددنيش.. لو عايزة تعرفي الحقيقة، شوفي ملفات شركة ياسين القديمة، ‘الخزنة المخفية’ اللي في مكتبه في الدور التاني.. السر هناك يا شيرين.”
شيرين مكدبتش خبر، طلعت تجري على الدور التاني، لغرفة المكتب اللي ياسين كان دايمًا بيقفلها بالمفتاح وبيقول “شغل خاص”. بدأت تدور بجنون، قلبت الدرج، ورمت الكتب من على الأرفف، لحد ما لمحت ورا برواز صورته وهو بيتسلم جايزة “أفضل شاب أعمال”، تجويف صغير في الحيطة.
بسـ,ـكينة فاكهة كانت لسه في جيبها، فتحت التجويف ولقت “خزنة ديجيتال” صغيرة. جربت تواريخ كتير، جربت عيد ميلاده، عيد ميلاد ميرفت.. مفيش فايدة.
وفجأة، جربت تاريخ “يوم الحـ,ـادثة”..
تكة.. الباب اتفتح!
جوه الخزنة لقت ظرف أسود فيه:
١. فلاشة صغيرة.
٢. عقد قديم لبيع “عربية نقل” كانت تملكها شركة ياسين في بدايتها.
٣. محضر شرطة “متقطع” وملزوق تاني، فيه شهادة من عامل كان شغال في الشركة بيقول إن عربية الشركة هي اللي خبطت عربية والد شيرين وهربت!
شيرين حست إن الأرض بتلف بيها.. يعني ياسين مش بس طمع في فلوسها، ده دخل حياتها وخطبها واتجوزها وهو عارف إن عربيته هي اللي قتـ,ـلت أبوها! اتجوزها عشان يضمن إن ملف القضية يتقفل للأبد، وعشان “يغسل” ذنبه بفلوس التعويض اللي خدتها بنته من التأمين!
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة وراها..
لفت بسرعة لقت “سلمى” أخت ياسين واقفة عند الباب، وعينيها غرقانة دموع.
سلمى قالت بصوت مخنوق:
“أنا اللي بعتلك الرسالة يا شيرين.. مكنتش قادرة أشوفك بتنتصري نص ربع انتصار، وإنتي لسه متعرفيش إننا دمرنا حياتك كلها مش بس فلوسك.”
شيرين صرخت فيها:

“إنتي كنتي عارفة؟ أخوكي قـ,ـتل أبويا؟”
سلمى هزت راسها بالنفور:
“ياسين مقـ,ـتلوش بقصد، بس العربية كانت متهالكة والفرامل قطعت، وهو خاف على مستقبله فقرر يهرب.. وماما هي اللي اقترحت عليه يقرب منك عشان يراقبك، ولما لقاكي غنية ومعاكي تعويض كبير، الطمع عماه.”
شيرين مسكت الفلاشة بقوة وقالت وهي بتنهج:
“ياسين مش بس هيخرج من الفيلا دي، ياسين هيدخل السجن بتهمة القـ,ـتل الخطأ والتستر والتلاعب.. وإنتي يا سلمى، ميرفت هانم، كلكم هتتحاكموا!”
سلمى ضحكت ضحكة يأس:
“ماما ماتت يا شيرين.. من نص ساعة بالظبط في المستشفى.. ضغطها مستحملش الصدمة.”
شيرين اتجمدت.. الخبر نزل عليها زي التلج. ميرفت ماتت، وياسين بقى قـ,ـاتل، وهي واقفة في وسط فيلا فخمة مبنية بدم أبوها.
فجأة، تليفون شيرين رن.. كان ياسين!
ردت وصوتها خالي من أي مشاعر:
“عايز إيه يا ياسين؟”
ياسين رد بصوت غريب، هادي بزيادة، صوت حد معندوش حاجة يخسرها:
“شيرين.. أنا قدام البوابة.. ومعايا ‘جالون بنزين’.. لو مخرجتيش بالتنازل عن الفيلا وعن كل حاجة، هحرق البيت ده باللي فيه.. أنا مابقاش عندي أم ولا مستقبل، فمش هسمحلك تاخدي الماضي كمان.”
شيرين بصت للفلاشة اللي في إيدها، وبصت لسلمى المنهارة، وقررت قرار أخير ملهوش رجعة.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
شيرين وقفت ورا شباك الدور التاني، شافت ياسين وهو بيفرغ البنزين حوالين مدخل الفيلا بجنون. النار كانت في عينيه قبل ما تكون في الكبريت اللي في إيده. سلمى كانت بتص-رخ وبتترجاه يوقف، بس هو كان خلاص فقد عقله.
فتحت شيرين الشباك وصوتها طلع قوي وهادي، هدوء يخلي الجبان يترعب:
“ولّع يا ياسين.. احرق الرخام والعفش والشجر.. احرق كل حاجة، بس النار دي مش هتحرق الحقيقة اللي في إيدي دلوقتي.”
ياسين وقف مكانه، وبص لفوق وهو بيتنفس بصعوبة:
“حقيقة إيه؟ إنتي خلاص أخدتي كل حاجة.. مش هسيبك تتهني بلحظة راحة فيها!”
شيرين رفعت الفلاشة والظرف الأسود في الهوا:
“السر اللي في الخزنة يا ياسين.. السر اللي دفعنا تمنه دم أبويا.. أنا عرفت إنك مش بس طماع، إنت كنت بتهرب من جـ,ـريمة قـ,ـتل.. البنزين اللي في إيدك ده هو اعترافك الأخير، لو ولعت، هتبقى بتأكد إنك قـ,ـاتل، ولو وقفت، يمكن ربنا يرحمك من نار الآخرة.”
ياسين إيده اتسمرت.. الكبريت وقع من صوابعه في الطين. وقع على ركبه وسط ريحة البنزين والمطر، وبدأ يصرخ صرخة مكتومة وجعها هز جدران الفيلا اللي كان فاكرها حصنه، وطلعت سجن لروحه.
في اللحظة دي، النور بتاع عربيات البوليس ظهر من بعيد.. سلمى هي اللي بلغت عشان تلحق أخوها من نفسه.
شيرين نزلت وفتحت الباب، وقفت قدام ياسين وهو مكلبش بالأصفاد، بصت في عينيه وقالت جملة واحدة:
“أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي هترجع حقي، بس اكتشفت إن أعظم انتقام هو إنك تسيب الظالم يواجه حقيقته قدام نفسه.. أنا مشيت وسيبتلك ‘البيت’، بس إنت اللي ضيعت ‘الوطن’.”
بعد شهور.. شيرين باعت الفيلا بكل ذكرياتها، واتبرعت بجزء كبير من الفلوس لمستشفيات الحوادث صدقة جارية على روح والدها. ياسين لبس البدلة الزرقاء، مش بس عشان الديون، لكن عشان يواجه عقوبة التستر على حـ,ـادثة والداها.
الحكمة من القصة:
> “لا يُبنى مجدٌ على أنقاضِ قلوبِ الآخرين، ولا يُحفظُ مالٌ دُفِعَ فيه ثمنُ الضمير. فالحقُّ كالشمس، قد تغيبُ خلف سُحبِ الباطلِ حيناً، لكنها حين تشرق، تحرقُ كلَّ الأقنعة وتكشفُ الوجوهَ على حقيقتها. البيوتُ تُبنى بالحب والصدق، أما التي تُبنى بالخداع، فهي مجردُ جدرانٍ باردة تنتظرُ لحظة الانهيار.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *