حماتي وضرتي ج 1 حكـايات مني السيد
« بصي كويس دي الحاجة اللي عمرك ما هتكوني صاحبتها…» قالتها حماتي وهي داخلة عيادتي بكل غرور، وماسكة في إيد ضرتي الحامل، وجايباها مخصوص تكشف عندي أنا….
خمس سنين كاملة وأنا مستحملة الإهانة، وكل يوم أسمعها وهي بتناديني “الشجرة الناشفة”، كل ده عشان أخبي سر واحد لو خرج للنور… هيقلب حياة ابنها رأسًا على عقب.
لكن أول ما شفت صورة السونار…
فتحت درج مكتبي…طلعت التقرير الطبي المختوم.
وفي اللحظة دي عرفت… إن وقت الحقيقة خلاص جه.
باب عيادتي اتفتح فجأة من غير حتى ما حد يخبط.
صوت الباب وهو بيخبط في الحيطة خلي كل اللي قاعدين في صالة انتظار قسم النساء والتوليد يبصوا ناحيتنا.
رفعت راسي…ولقيت حماتي، الحاجة فايزة، داخلة بخطوات كلها ثقة وغرور وكأن المستشفى دي بملك أبوه.
وكانت ماسكة في إيد ندى…ضرتي…مرات جوزي التانية.
قعدتها قدام مكتبي وقالت بصوت عالٍ متعمدة إن كل الممرضات والموجودين يسمعوا:
“يا دكتورة إيمان… جبتلك ضرتك بنفسي عشان تكشفي على حفيدي. ما هو بيقولوا إنك أشطر دكتورة في المستشفى كلها!”
قالت كلمة “ضرتك” وهي مبتسمة بإتقان، كأنها بتستطعم كل حرف وطالع من بقها.
ندى حطت إيدها على بطنها، وعملت نفسها مكسوفة، بس ابتسامة الانتصار اللي لمحتها على وشها فضحت كل حاجة جواها…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
الحاجة فايزة ماجتش عشان تطمن على الحمل ولا حاجة…
هي جت عشان تدوس على جرحي في أكتر مكان بحس فيه بكياني…بصتلي وقالت باستهزاء:
“بصي كويس… أهو ربنا رزق ابني بالست اللي عرفت تديله الوريث. مش كل الستات ينفعوا يبقوا أمهات يا دكتورة.”
#حكايات_مني_السيـد
كل كلمة كانت بترجعني سنين لورا…خمس سنين وأنا بسمع إن العيب مني، وإني أنا السبب إن البيت مسمعش فيه صوت عيل.
خمس سنين وهي بتحملني الذنب وتفضحني قدام الطوب الأحمر…وخمس سنين وجوزي كريم واقف ساكت وموافق… ولا مرة اتكلم ولا قال الحقيقة.
الحقيقة اللي محدش في الأوضة دي كلها يعرفها… غيري أنا.
أخدت نفس عميق، ولبست الجوانتي، وقلت ببرود وبتعامل مهني خالص: “اتفضلي يا مدام ندى… اطلعي على السرير عشان نطمن على البيبي.”
بدأت أكشف عليها بالسونار، كل القياسات كانت مظبوطة بالملي، والجنين ما شاء الله صحته ممتازة.
أول ما خلصت، سألتني حماتي بلهفة وهي حاطة إيدها على قلبها: “ها؟ الولد كويس؟”
رديت عليها بهدوء:
“الحمل مستقر جدًا، والجنين صحته زي الفل.”
ضحكت حماتي بصوت عالٍ ملَى الأوضة وقالت قدام الممرضات:
“الحمد لله يا رب… أخيرًا ربنا كرم ابني باللي تعرف تجيبله حتة عيل تشيل اسمه!”
الممرضات بصوا في الأرض من الإحراج ومش عارفين يودوا وشهم فين مني…حصري على صفحة روايات و اقتباسات..
أما أنا…فمشيت ناحية مكتبي بمنتهى الثبات والهدوء.
فتحت الدرج اللي تحت خالص…وطلعت ملف طبي قديم، عليه ختم المستشفى وتوقيع رئيس المعمل.
الملف ده فضل مستخبي ومقفول عليه بقاله خمس سنين كاملة… عشان بس أحمي كريم وأصون كرامته.
حطيته قدامهم على المكتب بصوت واضح.
وفي اللحظة دي… الضحكة اختفت تمامًا من على وش حماتي. #حكايات_مني_السيـد
وندى بصتلي بقلق وبدأت ألوان وشها تتغير.
بصيت للحاجة فايزة في عينها مباشرة وقلت:
“حضرتك عندك حق… الجنين فعلًا بخير وصحته ممتازة.”
سكت ثواني… الأوضة كلها بقيت هادية لدرجة إن صدى النفس كان مسموع.
فتحت الملف، وحطيت صباعي بثبات على نتيجة التحاليل، وقلت: “بس قبل ما تفرحي بالحفيد وتوزعي شربات… في حقيقة صغيرة أوي عن ابنك كريم لازم تعرفيها دلوقتي.”
#حكايات_مني_السيـد #حصري
مسكت الورقة بإيدي، وإيدي كانت ثابته زي الحديد، مفيهاش حتى هزّة صغيرة.
الحاجة فايزة بصت للورقة وهي مش فاهمة حاجة، لكن النظرة اللي في عيني خلت ابتسامتها تسيح وتختفي من على وشها كأنها ما كانتش موجودة اصلاً. ندى كانت أذكار وأسرع منها في استيعاب التوتر، قامت وقفلت عبايتها وهي بتبصلي بريبة، وإيدها لسه مشالتهاش من على بطنها.
“إيه التخاريف دي يا دكتورة؟” حماتي قالتها وهي بتحاول تسترد ثقتها المصنوعة، بس صوتها المره دي خانها وطالع فيه بحة قلق: “ما تنطقي! جايبالنا ملفات قديمة ليه دلوقتي؟ جاي تداري خيبتك وتعمليلنا حوارات في وسط المستشفى عشان تداري إنك شجرة ناشفة؟”
ضحكت… بس ضحكة هادية، من غير أي انفعال.
“شجرة ناشفة؟” كشفت التقرير على المكتب وخليت الحبر الأزرق والختم النسر يبانوا زي الشمس تحت إضاءة العيادة. “التقرير ده يا حاجة فايزة من خمس سنين، من أول سنة جواز لينا أنا وكريم. كريم اللي حضرتك جيتي تحميه مني وتبوسي أيدك وش وضهر إنه اتجوز ست تانية تشيل اسمه… ابنك كريم عنده عقم كامل وانسداد دائم، نسبته في الخلف طبيعي بتمتنع تمامًا… **صفر**.”
الكلمة نزلَت على الأوضة زي الصاعقة. الممرضة اللي كانت واقفة جنب الباب شهقت وغطت بقها بإيدها، والصمت ساد المكان، صمت ثقيل يشبه الصمت اللي بيسبق انفجار المفاعل!
الحاجة فايزة ألوان وشها اتغيرت في ثواني، من الأبيض للأسود للأحمر. عينها راحت على الورقة، وبعدين على ندى، وبعدين صرخت فيا بصوت طالع بالعافية: “إنتي كذابة! إنتي مفبركة التقرير ده عشان تحرقي قلبي! ابنك زي الفل ومفيهوش الهوا! اتجوز عليكي عشان إنتي مش ست، عشان إنتي عاقر!”
“التقرير ده مختوم من أكبر معمل ذكورة في مصر، وموقع عليه رئيس القسم اللي كان أستاذي في الكلية،” قلتها وأنا بقرب التقرير منها أكتر بثبات: “تقدر تاخديه وتروحي لأي دكتور في العالم تسأليه عن التقرير ده. أنا اللي استحملت الخمس سنين دول يا حاجة فايزة… استحملت إهاناتك، واستحملت كلام الناس، واستحملت تضربيني بالكلمة رايحة جاية، وكل ده ليه؟ عشان أحمي ‘رجولة’ ابنك اللي جرى استخبى ورا ضهري وترجاني بالدموع إني ما أفضحهوش ولا أكسر عينيه قدامك!”
في اللحظة دي، ندى كانت وشها أصفر زي الميتين. رجليها ما بقتش شايلاها، وسندت على حافة المكتب بالراحة وهي بتبصلي بذهول… بس مش ذهول الصدمة بس، ذهول واحدة اتمسكت متلبسة!
أنا ما كانتش عيني على حماتي بقدر ما كانت عيني على ندى…
الحاجة فايزة بصت لندى وهي بتنهج وتقول بخوف ورعشة في شفايفها: “ندى… ندى قولي حاجة! قولي إن الدكتورة دي بتتبلى عليكي وعلى جوزك! قولي إنها غيرانة منك عشان إنتي حامل في حفيد العيلة!”
ندى ما نطقش. كانت بتبص للأرض، وشفايفها بترتعش، وعرق بارد نازل على جبهتها.
قعدت على كرسي مكتبي، حطيت رجل على رجل، وسندت دقني على إيدي وأنا ببتسم لندى بنفس الابتسامة اللي كانت لسه مبتسماها لي من شوية:
“البيبي زي الفل يا مدام ندى… ما شاء الله صحته ممتازة وقياساته مظبوطة بالملي على الحسابات. بس السؤال المهم اللي لازم الحاجة فايزة تسألوهولك دلوقتي… **ابن مين اللي في بطنك ده يا شاطرة؟**”
حماتي صرخت صرخة هزت أرجاء قسم النساء والتوليد كله: “إنتي بتقولي إيييييه يا فاجرة؟! إنتي بتتهمي كنّتي في شرفها؟!”
“أنا بتكلم بالعلم يا حاجة،” قلتها ببرود أشد من التلج: “جوزك يا ندى ما يجيش منه خِلفة… مطلقًا. إلا لو كنتوا عملتوا حقن مجهري، وساعتها كبسولات الأجنة والعملية بتتعمل في مستشفيات ومعامل محددة، وأنا أعرفها بالواحدة ومفيش أي أوراق بتقول إن كريم عمل العملية دي. ده غير إن كريم أصلاً مكنش معاه جنيه يصرفه على حقن مجهري بعد ما حضرتك أخدتي منه شوشته عشان تجوزيه!”
الحاجة فايزة مسكت ندى من دراعها بغل وهزتها بعنف: “انطقي يا بت! انطقي قولي إنها بتكذب! قولي إن اللي في بطنك ده ابن كريم!”
ندى بدأت تعيط بهستيريا، تحاول تسحب إيدها من حماتي وهي بتقول بصوت مقطوع: “يا حاجة فايزة افهميني… يا حاجة والله العظيم كريم…”
“كريم إيه؟!” الباب اتفتح فجأة… المره دي بجد.
كريم كان واقف على الباب. كان جاي وراهم عشان يلحق المهزلة اللي أمه جرت تعملها في عيادتي، بس شكله كان سامع آخر كلمتين. وش كريم كان شاحب، باين عليه إنه مش قادر يقف على حيليه. بص في الأرض، ومقدرش يحط عينه في عيني ولا لحظة.
حماتي جرت عليه زي المجنونة، مسكت فيه من حتة قماشة قميصه وهي بتصرخ: “كريم! قول للدكتورة دي إنها كذابة! قولها إن التقرير ده مزور! قولها إنك بتخلف وإن اللي في بطن ندى ده ابنك وحفيد العيلة اللي حلمت بيه!”
كريم بصلها بكسرة… كسرة راجل عارف إن حبل الكذب اتعقد على رقبته وخلاص المشنقة اتسحبت.
“رد يا كريم!” صرخت أمه وهي بتضربه على سدره: “رد على أمك! قولي إنها بتبلت عليك!”
كريم بصلي بعيون مليانة دموع ورجاء، كأنه لسه بيترجاني أنقذه، بس المرة دي… الخمس سنين كانوا كفاية أوي. كفاية وجع، كفاية إهانة، وكفاية تضحية بشر في ناس ما يستاهلوش حتى نظرة حسرة.
كريم وطي راسه للأرض وقال بصوت خافت ومخنوع: “التقرير صح يا أمي… أنا العيب مني.”
الأوضة كلها سكتت. الحاجة فايزة إيدها وقعت من على قميصه كأنها اتكهربت. خطت خطوة لورا وهي مش مصدقة، بتبص لابنها الوحيد، سندها اللي كانت بتباهي بيه الدنيا وتدوس على خلق الله علشانه.
“إيه؟” قالتها بذهول: “أنت… أنت بتقول إيه؟ أومال… أومال ندى…؟”
التفتت الحاجة فايزة لندى زي اللبؤة الجريحة. ندى طلبت الرحمة بعينيها، وبدأت تتراجع ناحية الباب وهي بتصرخ: “يا كريم قولها! قولها إنك عارف! قولها إنك إنت اللي وافقت!”
الكلمة دي نزلَت زي الزلزال في العيادة.
كريم رفع راسه فجأة وصرح فيها: “اخنسي يا زبالة! اخنسي وسدي بؤك!”
بس ندى كانت خلاص غرقانة فقررت تغرق الكل معاها، بصت للحاجة فايزة وقالت وهي بتشهق من العياط: “ابنك هو اللي اتقفق معايا! ابنك كان عارف إنه ما بيخلفش، وكان خايف منك ومن كلام الناس! هو اللي قاللي نتجوز ونسكت ولو حملت مش هيسأل ولا يفتح بؤه، عشان يثبت للناس كلها إنه راجل وإنه بيخلف وأن العيب في إيمان!”
الممرضات كتموا أنفاسهم من هول المفاجأة.
الحاجة فايزة بصت لابنها، وبعدين بصت لندى، وبعدين بصتلي أنا… أنا اللي كنت واقفة ورا مكتبي بكل ثبات، لامة أوراقي وحاجتي بالراحة.
حماتي حطت إيدها على قلبها، ورجليها خانيتها وقعدت على أقرب كرسي وهي مش قادرة تاخد نفسها، كبرياؤها كله اتدمر في لحظة، غرورها اللي دخلت بيه العيادة اتحول لحسرة وكسرة عين مش هتتمحي طول عمرها.
قربت من المكتب، لميت التقرير الطبي بالراحة، وحطيته جوة شنطتي. بصيت لكريم وقلت له بصوت واطي بس كل الأوضة سمعته:
“أنا حميتك خمس سنين يا كريم… صنتك وصنت كرامتك ورجولتك قدام أهلك والدنيا كلها، وانت سيبت أمك تاكل في لحمي وتسميني الشجرة الناشفة كل يوم وهي ما تعرفش إن الشجرة دي هي اللي كانت مظللة عليك وحامياك من الشفايف اللي كانت هتاكلك.”
بصيت للحاجة فايزة وقلت لها: “يا حاجة فايزة… الشجرة الناشفة هي اللي كانت حامية بيتك من الفضيحة. ورقتك الطلاق توصلني بكرة يا كريم… وإلا التقرير ده، بالشهود اللي في الأوضة، هيبقى في القضايا بكرة الصبح.”
مشيت من جنبهم وراسي مرفوعة لفوق، خطواتي كانت بتدب على أرض المستشفى بثقة عمرها ما كانت عندي قبل كده. سبتهم جوة بياكلوا في بعض، الفضيحة والشك والغدر بقوا في وسطهم، وأنا… أنا أخيرًا اتنفست حرية بعد خمس سنين سجن!

