صاحبي استأمني على عرضه ج 3 حكايات مني السيد حصري
عدت أيام، لكن الحقيقة كانت أثقل من أي جبل. في المحل، بقيت بمسك التليفونات، أصلح البوردة، أغير الشاشات، وأنا حاسس إني بشتغل “ميكانيكي أرواح”. كل موبايل بيجيلي دلوقتي بقيت بخاف منه، بخاف من اللي ممكن يكون مستخبي ورا كلمة “باسورد” أو “نظام أندرويد”. إبراهيم اختفى فترة، كان في دوامة تحقيقات ونيابة، بيحاول يثبت إنه ضحية مش شريك، والشرطة كانت بتعامل القض/ية كـ “قض*ية أمن دولة”، مش مجرد مشكلة عائلية.
في يوم، كنت قاعد بلملم حاجتي عشان أقفل المحل بدري، لقيت رسالة على الواتساب من رقم غريب. “محتاج أقابلك.. المكان اللي إبراهيم كان بيروح فيه.”
برقت عيني. “المكان اللي إبراهيم كان بيروح فيه؟” قصدها المخزن؟ ولا قصدها مكتب إبراهيم في الشغل؟ قعدت في مكاني، أفكاري بتتشابك. كنت فاكر إن الحكاية خلصت مع القبض على العصابة، لكن الرسالة دي كانت بتقولي إن في فصول تانية لسه متكتبتش.
قررت أروح. مش بدافع الفضول، لكن بدافع “الخوف”. كنت خايف إن خيط الحكاية يلف حوالين رقبتي أنا المرة دي. وصلت للمخزن، كان المكان مهجور تماماً، حتى شريط الشرطة اللي كانوا حاطينه اتشال. دخلت بحذر، ونور كشاف الموبايل في إيدي بيقطع الضلمة.
“أنا جيت.. مين هناك؟”
سمعت صوت خطوات. صوت كعب عالي بيخبط على الأرض الخرسانية. طلعت من ورا عمود ضخم “نهلة”. كانت لابسة عباية سوداء، وشها باين عليه الإرهاق، وعنيها كانت غايرة لجوه.
“إنتي؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ مش المفروض تكوني في الحبس؟”
نهلة بصت لي بمرارة: “كفالة، يا أحمد. محامي الشركة دفع كفالة عشان يحموا أسرارهم، مش عشان يحموني. هما عارفيني كرت محروق، بس خايفين أتكلم في التحقيقات.”
قربت خطوة، وكانت إيدي بتترعش: “إنتي عايزة إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملتيه في إبراهيم وفيّا؟”
قالت بصوت واطي ومبحوح: “إنت فاكر إن إبراهيم كان ضحية بس؟ إنت فاكر إن جوزك صاحبك ده، الراجل الطيب اللي كان بيعيط عشان شكه في مراته، هو فعلاً كان ملاك؟”
ضحكت بسخرية: “بدأنا التشكيك تاني؟ إبراهيم راجل غلبان، وإنتي اللي دمرتيه.”
طلعت من شنطتها “فلاشة” صغيرة، ومدتها لي. “بص فيها. بص في الملفات اللي إبراهيم كان بيخبيها في اللاب توب الخاص بتاعه، مش اللاب توب اللي كنت بتصلحه له في المحل. إبراهيم كان جزء من اللعبة من البداية، بس كان بيلعب على الحبلين.”
خدت الفلاشة وإيدي بتترعش. حطيتها في جيب الجاكيت، وقلت لها: “لو ده فخ تاني، أنا مش هسكت.”
“مش فخ.. دي الحقيقة اللي إبراهيم كان عايز يخبيها عنك، لأنك كنت الشاهد الوحيد اللي ممكن يدينه.”
نهلة مشيت، سابتني واقف في الضلمة. رجعت البيت، قلبي كان بيدق بعنف. قعدت على اللاب توب، وفتحت الملفات اللي في الفلاشة. في البداية، كانت ملفات عادية، عقود، حسابات. لكن لما دخلت في الفولدرات المخفية، لقيت اللي جمد الدم في عروقي.
لقيت مكالمات مسجلة لإبراهيم.. مع نفس الراجل اللي كان بيهدد نهلة!
“بكرة هنضغط عليها أكتر.. لازم توقّعها في الغلطة اللي إحنا عايزينها.” ده كان صوت إبراهيم.
إبراهيم! صاحبي اللي كنت بفتكره ضحية، كان هو العقل المدبر ورا كل اللي حصل لنهلة؟ ليه؟ ليه يعمل كدة في مراته؟ كملت تقليب في الملفات. لقيت سجل تحويلات بنكية بمبالغ ضخمة من حساب “العصابة” لحساب سري باسم إبراهيم.
إبراهيم مكنش ضحية.. إبراهيم كان “الخاين”. كان بيستخدم نهلة عشان يوصل لأهداف تانية، ولما نهلة بدأت تحاول تهرب، هو اللي قرر يخلص منها بمساعدة العصابة دي، وبيدعي قدامي دور الراجل المظلوم عشان أصدقه، وعشان يكون ليا دور في “تثبيت” التهمة عليها لو احتجت.
أنا كنت أداة.. أداة في إيد إبراهيم عشان يدمر مراته، ويطلع هو منها “البطل”.
قمت وقفت، حاسس بدوار. الدنيا بقت بتلف بيا. مين فيهم اللي بيقول الحقيقة؟ مين فيهم اللي بيخدع التاني؟ نهلة اللي جايبالي الفلاشة دي عشان تبرئ نفسها وتلبس إبراهيم التهمة؟ ولا إبراهيم اللي كان بيمثل عليا دور المخدوع؟
تاني يوم، رحت لإبراهيم المحل بتاعه. كان بيصلح تليفون، عادي جداً، ولا كأن في حاجة حصلت. بصلّي وابتسم: “أهلاً يا أحمد.. منور يا صاحبي. في جديد في الق/ضية؟”
بصيت في عينيه.. عينين الشخص اللي أعرفه من سنين. بس دلوقت، كنت شايف فيها حاجة تانية. بريق من الغموض، من القوة المظلمة.
قلت له بصوت ثابت: “في ملفات جديدة ظهرت يا إبراهيم.”
وشه اتغير في ثانية. اختفت الابتسامة، وبان وش تاني خالص، وش كنت خايف منه. “ملفات إيه يا أحمد؟”
طلعت الفلاشة من جيبي وحطيتها على المكتب. “الملفات اللي كانت على اللاب توب الخاص بتاعك. اللي فيه مكالماتك مع الراجل اللي كان بيهدد نهلة.”
إبراهيم قام من مكانه، قفل باب المحل، وقرب مني. “إنت فتحت الفلاشة دي؟”
“أيوة.. وسمعت كل حاجة. إنت ليه عملت كده يا إبراهيم؟ ليه دمرت بيتك ومراتك؟”
إبراهيم ضحك، ضحكة طويلة وباردة. “مراتي؟ نهلة مكنتش مراتي يا أحمد. نهلة كانت شريكتي في البداية، وبعدين حبت تلعب من ورا ضهري. كان لازم أربيها، كان لازم أخلص منها.”
حسيت إني واقف قدام وحش مش إنسان. “إنت شيطان.. إنت دمرت حياة إنسانة، واستغلتني عشان أكون شاهد زور في قضيتك!”
مسكني من لياقة قميصي، وقربني منه. “اسمع يا أحمد.. إنت غلبان، ومكنتش تعرف إنت بتتعامل مع مين. دلوقت، قدامك طريقين. يا إما تنسى كل اللي شفته، وتاخد مبلغ محترم يعيشك ملك، يا إما.. هتشوف وشي التاني، وشي اللي محدش شافه قبل كده.”
زقيته بعيد عني بكل قوتي. “أنا مش هسكت. أنا هروح للبوليس.”
خرجت من المحل وأنا بجري. كنت عارف إنه هيلاحقني. ركبت عربيتي، ومشيت بسرعة جنونية. التليفون كان عمال يرن.. “إبراهيم”.
كنت عارف إني لو رديت، هسمع تهديد تاني. رميت التليفون في الكنبة اللي ورا. كنت لازم أوصل لمكان أمان، أو للبوليس. بس الطريق كان مقطوع بعربية سودة كبيرة.
نزلت من العربية، وكان إبراهيم واقف ومعه اتنين من “رجالة العصابة” اللي كانوا موجودين في المخزن.
“كنت عارف إنك هتحاول تهرب.” قالها إبراهيم وهو بيقرب مني. “بس للأسف.. دي آخر محطة ليك يا صاحبي.”
حاولت أقاوم، حاول أضرب، بس كانوا تلاتة. حسيت بضربة قوية على راسي، والدنيا بدأت تضلم..
لما فوقت، لقيت نفسي في مكان غريب.. أوضة ضلمة، ريحة عفن في كل حتة. إيدي مربوطة ورا ضهري. سمعت صوت باب بيفتح، ونور دخل الأوضة.
دخلت نهلة. كانت لابسة أسود، وفي إيدها كشاف.
“إنت.. إنتي اللي سلمتيني ليهم؟”
نهلة بصت لي بنظرة مكسورة. “أنا آسفة يا أحمد.. بس هو كان لازم يصدق إني لسه في صفه. إبراهيم واثق فيا دلوقت، وفاكر إني سلمتك له.”
فكت إيدي بسرعة. “إحنا معانا فرصة واحدة. البوليس عرف مكانه، عرف كل حاجة من الفلاشة اللي إنت سلمتها للضابط قبل ما تروح للمحل. هما محاصرين المكان دلوقتي.”
بصيت لها باستغراب: “إنتي بعتي الفلاشة للبوليس؟”
“أيوة.. أنا كنت بلعب لعبة خطيرة، بس كان لازم أعمل كده عشان أخلص منه. إبراهيم كان مسيطر على حياتي، وكان بيستخدم كل الوسائل عشان يذلني.”
سمعت أصوات ضرب نار بعيد. المكان بدأ يتهز. نهلة شددت إيدي: “لازم نهرب من هنا!”
جرينا في ممر طويل، مليان ضلمة، وصوت الضرب بيقرب. كان إبراهيم بيحاول يهرب، كان بيصرخ في رجاله: “اقت*لوا أي حد يقابلكم! مش عايز حد يخرج حي!”
وصلنا لباب حديدي. حاولت أفتحه، بس كان مقفول. نهلة طلعت مفتاح صغير من جيبها وفتحته. خرجنا للشارع، وكان في قوات شرطة في كل حتة.
الضابط اللي قابلناه في المخزن قرب مننا. “أحمد؟ نهلة؟ إنتوا كويسين؟”
بصيت ورايا، شفت إبراهيم وهو بيحاول يهرب بين العربيات، بس الشرطة حاصرته من كل ناحية. وقف، وبص لي.. نظرة أخيرة مليانة كره، وبعدين سلم نفسه.
المشهد كان زي الحلم. كل حاجة خلصت، بس التمن كان غالي أوي. وقفت أتفرج على إبراهيم وهو بيتكبل بالكلابشات، الراجل اللي كنت بفتكره أخويا، طلع هو العدو الحقيقي.
نهلة وقفت جنبي، كانت بتبص على إبراهيم بدموع. “أنا حرة أخيراً.. بس هل هقدر أنسى كل اللي حصل؟”
قلت لها: “النسيان مش هيجي النهاردة.. ولا بكرة. الحقيقة هي اللي هتحررنا، حتى لو كانت قاسية.”
رجعت بيتي، لأول مرة من أسابيع، نمت نومة عميقة. بس في نص الليل، صحيت على صوت رنة موبايلي. رسالة من رقم مجهول..
“اللعبة لسه مخلصتش يا أحمد.”
مسكت الموبايل، وبصيت للرسالة.. الخوف سكن قلبي تاني. اللعبة لسه مخلصتش؟ مين اللي ممكن يكون ورا الرسالة دي؟ إبراهيم في الحبس، العصابة اتمسكت، نهلة بدأت حياة جديدة.. مين تاني ممكن يكون له مصلحة؟
قمت قعدت على السرير، وبدأت أفتكر كل تفصيلة، كل مكالمة، كل ملف. في حاجة كانت غايبة عني.. حاجة صغيرة، بس مهمة.
بصيت للاب توب اللي كان لسه مفتوح. فتحت الملفات تاني، وبدأت أدور على “اسم” متكرر في كل التحويلات البنكية.
لقيت اسم.. اسم مكنتش متوقعه أبداً.
اسم “مراتي”.
قلبي وقف. مراتي؟ هي ليه كانت شريكة في اللعبة دي؟ هي ليه كانت بتحول فلوس لحساب إبراهيم؟
بدأت أراجع كل الرسائل، كل المكالمات. لقيت سجل كامل لمكالمات بين مراتي وإبراهيم، مكالمات كانت بتحصل في نفس الوقت اللي كنت بكون فيه شغال في المحل.
مراتي مكنتش ضحية.. مراتي كانت “العقل المدبر” ورا إبراهيم ونهلة! هي اللي كانت بتدير اللعبة من ورا ضهري!
بصيت للباب، وسمعت صوت خطواتها وهي بتقرب من الأوضة..
“أحمد.. إنت صاحي؟”
قمت وقفت، حاسس إني في كابوس ملوش نهاية. مراتي دخلت الأوضة، وكانت مبتسمة، بس ابتسامة مختلفة.. ابتسامة تخوف.
“أنا عارفة إنك عرفت كل حاجة.. يا أحمد.”
قفلت الباب وراها بالمفتاح، وبصتلي نظرة باردة.. نظرة إنسانة مستعدة تعمل أي حاجة عشان تحافظ على سرها.
“إنت كان لازم تكتشف بدري.. بس للأسف، فات الأوان.”
حاولت أصرخ، بس هي كانت سابقة بخطوة.. وبدأت اللعبة الحقيقية.

