كفاح ام مصرية حكايات انجى الخطيب

انا ارملة وعندي بنتين ابوهم مات وسابهم ليا وانا كنت بشتغل وبصرف عليهم بعدها ب٤ سننبن اتقدملي زميلي في الشغل وقالي انه هيكون زوج واب لبناتي وهيشيل عني المسؤلية في البداية كنت رافضة بس لما لاقيتة بيحاول يقرب مني ويثبتلي اد اية هو حنين مع البنات اطمنت ووافقت اتجوزة قالي انه هيسكن معانا في الشقة لحد ما يجيب لينا شقة عشان هو عامل مشروع وفلوسة كلها برا وقريب هياخدها بالفوايد ومش هينفع يسحبها دلوقتي عشان ميخسرش واني استحمل معاه كام شهر بس وبعد كدا هنسيب شقتي ونسكن في الشقة اللي هيجبها عشان هو راجل وكرامتة متقبلش انه يعد في شقة مراتة اللي شارياها بفلوسها لحد دلوقتي والموضوع كان ماشي كويس ولاني ماليش حد ويتيمة مكنش عندي حد ينصحني واحكيلة ويقولي الجوازة دي صح ولا غلط…
قبل كتب الكتاب سالتة اهلك فين قالي انه مقطوع من شجرة ومالوش حد وجه من بلدهم اشتغل وعاش هنا لوحدة سألتة لية متجوزتش لحد دلوقتي قالي انه كان بيكون نفسة والجواز مسؤلية مكنش قدها…
سألنة طيب لية عايز تتجوز واحدة ارملة ومعاها بنتين مع انك تقدر تتجوز واحدة تناسبك اكتر قالي انه بيحبني من زمان من اول ما جيت الشغل وشايف فيا كل المواصفات اللي بيتمناها وان مفيش حاجة غلط اني ارملة ومعايا بنتين دا مش عيب وانه هو كدا هيدخل الجنة عشان هيربي بنات مش بناتة وانه مستني ربنا يرزقة مني بولد ونعيش اسرة مع بعض محدش يفرقنا….
كلامة كان مقنع جدا صدقتة وتم الجواز…
اول شهرين مروا كويس جدا وبقيت مطمنة لية في الشهرين دول عرف عني كل حاجة ان الشقة باسمي ودخلي كام…
اول شهرين كان بيديني مصروف للبيت لكن بعد كدا قالي ان المشروع محتاج فلوس عشان يخلص شوية تصاريح واعتذرلي انه مش هيقدر يديني مصروف للبيت بس لما المشروع يخلص هيعوضني وبالفعل رجعت اشيل مسؤلية البيت تاني وقولت مفيش مشكلة بس هو من ساعة ما بطل يديني مصروف وبقي مش عاجبة الاكل وعايز ياكل لحمة وفراخ وفاكهه كل يوم مع ان لما كنت ماسكة مصروف البيت اللي بيدهولي مكنتش بعمل كدا وكنت ممشية البيت وعمرة ما اتكلم وللعلم انا مكنتش بحملة مصاربف البنات هو كان بيديني مصروف البيت للاكل بس والماية والكهربا كنت انا اللي بدفعهم والشقة تمليك مكنش ليها إيجار ومكنتش بقولة حاجة…

مع الوقت بدأ ان في حاجات كتير مش عجباه وبدأ بقولي انه مش عارف ياخد راحتة في البيت ولو بناتي اتكلموا معايا يزعق وبقول الصوت عالي لما بناتي بقوا يخافوا منة كنا متعودين نتجمع مع بعض علي الغدا بقي ميرضاش ويقولي انه عايز ياكل لوحدة او البنات ياكلة لوحدهم عشان بيقرف ومش بيعرف ياكل الكلام كان بيوجعني بس كنت بسكت واعدي واقول ربنا يهديه واحاول احنن قلبة بالراحة علي البنات واقولة دول ايتام وانت ليك الجنة عشان اتلاشي اي مشاكل….
لحد ما في يوم كنت بخلص ورق ليا وعملت قيد عائلي لجوزي عشان كان مطلوب مني والصدمة كانت اني اكتشفت ان جوزي متجوز وعندة ٣ عيال كنت هقع من طولي بس مسكت نفسي وخدت القيد العائلي ورجعت علي البيت دخلت لاقيت منظر قدامي صدمني وكنت هاموت …
بنتي الصغيرة كانت بتشرب وغصب عنها الكوباية وقعت من ايدها اتكسرت اعد يزعق ويقول دا اهمال وتسيب ويزعق للبنت ويقولها انتي مش متربية متعلمتيش تحافطي علي حاجتك ومسك ايد البنت يعنفها وبنتي بتعيط جريت علي البنت وشديت ايدها منه وخليتها تدخل الاوضة هي واختها عشان متكلمش قدامهم…
واول ما دخلوا الاوضة وقغلوا عليهم وكأن شرارة ماس كهربائي متحوشة خرجت مني قولتلة مش من حقك انك تزعق لبنتي ولا تعنفها دي طفلة معملتش حاجة غلط والكوباية اللي اتكسرت في داهية انا اللي جيباها ومش زعلانة انت اية اللي يزعلك…
رد عليا وقالي انا بربيها بعلمها ازاي تحافظ علي حاجتها من غيظي من كلامة قولتلة انا بنتي متربية احسن تربية ومش هسمح لاي حد يقَل عليها كدا ولا حتي انت وانا شايفة اننا زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف….
بصلي وعينة كأنهابطلع شرار وقالي انتي بترفضيني انا مش كفاية اني رضيت بيكي يا خرج بيت وانتي ارملة وعندك بنتين الكلام نزل عليا َكأن ماية متلجة ادلقت عليا…
رديت وقولت انا ميرضنيش طلقني
قالي ومالة عايزة تذلقي اتنازلي ليا عن كل حاجة..
قولتلة اية هي كل حاجة دي
قالي النفقة والمؤخر والشقة .. بصتلة بذهول وقولتلة طيب النفقة والمؤخر وعارفاهم انما الشقة دي شقتي اتنازلك عنها ازاي قالي هتتنازلي عشان اطلقك قولتلة دا بعينك دي شقة بناتي قالي يبقي مفيش طلاق وهخليكي تتنازلي بطريقتي
قولتلة يبقي هرفع عليك خلع وكدا كدا انا مش عايزة حاجة منك..
لاقيت قلم نزل علي وشي وقالي نعم ترفعي عليا اية دا اللي ناقص واعد يضرب فيا
قعد يضرب فيا بغل وعمى، لطمات ورا بعض على وشي وجسمي وأنا مش قادرة أدافع عن نفسي، بناتي جوه في الأوضة صراخهم هز الحيطان، بيخبطوا على الباب ويبكوا بهيستيريا “سيب ماما.. عشان خاطر ربنا سيب ماما!”، وهو ولا هو هنا، عينيه كانت مليانة غدر ووحشية عمري ما شفتها فيه قبل كده، رماني على الأرض وزقني برجله وهو بينهج وقالي بصوت فحيح زي الأفاعي: “بقى بتجيبي سيرة الخلع يا بنت…؟ ورب العرش ما هسيبك، وهترقعي بالصوت وتتمني النظرة في الشقة دي، وريني بقى هتعملي إيه!”، وسابني مرمية على الأرض ودخل الأوضة التانية ورزع الباب وراه.
​قمت وأنا كلي بترعش، جسمي كله بيوجعني ودموعي مفيش منها فايدة، جريت على أوضة بناتي فتحتها ودخلت في حضنهم، كنا بنترعش إحنا التلاتة، بنتي الصغيرة كانت بتعيط وبتقولي: “أنا آسفة يا ماما أنا السبب عشان كسرت الكوباية”، قطعت قلبي بكلامها، أخدتها في حضني وبست راسها وقولتلهم: “أنتم ملكمش ذنب، خلاص يا حبايب قلبي متخافوش، طول ما أنا عايشة محدش هيلمسكم”.
​فضلت صاحية طول الليل، باصة للسقف ودموعي بتنزل في صمت، شريط الكدب كله بيتعاد قدام عينيا.. مقطوع من شجرة! المشروع والتصاريح! كرامتي متسمحش أعيش في شقة مراتي! طلع كله فيلم هابط مترتب عشان يسرق شقى عمري وشقى بنات يتامى، وافتكرت الورقة.. القيد العائلي اللي لسه في شنطتي، متجوز وعنده تلات عيال! يعني هو فاتح بيت هناك بفلوسي وبأكلي، ومقضيها عندي لوكاندة وبياكل لحمة وفراخ على قفايا وقفا عيالي، وجاي في الآخر عايز ياخد الشقة!
​أول ما الشمس طلعت، سمعت صوت باب الشقة بيتقفل، عرفت إنه نزل الشغل، قمت بسرعة ومسحت دموعي، وبصيت في المراية.. وشي كان معلم ومزرق، بس الوجع اللي في قلبي كان أقوى بكتير، الضعف اللي كنت فيه بالليل اتقلب لغل وقوة عمري ما حسيت بيها، قولت لنفسي: “لأ، أنا مش يتيمة ولا مكسورة، أنا أم، والأم بتتحول لوحش لو حد قرب من عيالها”.
​لبست بسرعة وخدت بناتي في إيدي ونزلت، أول مشوار كان على المستشفى الحكومي، عملت تقرير طبي بالضرب والكدمات اللي في وشي وجسمي، ومن هناك على قسم الشرطة، وقفت قدام الضابط وبكل ثبات طلعت التقرير الطبي وطلعت القيد العائلي وقولتله: “أنا عايزة أعمل محضر ضرب واعتداء، ومحضر إثبات حالة وتزوير وخداع.. البني آدم ده دخل بيتي على إنه عازب ودلوقتي بيبتزني في شقتي وشقى عيالي الأيتام”.
​الضابط بص في الورق وبص لوشي المتبهدل، وبان في عينيه التعاطف، وقالي: “متقلقيش يا مدام، حقك وحق بناتك هيرجع، بس لازم تروحي لمحامي فوراً يرفع ق*ضية طلاق للضرر عشان التقرير ده والقيد العائلي يضمنوا ليكي حقك من غير ما تتنازلي عن شبر واحد”.
​خرجت من القسم وأنا حاسة إن الهوا بدأ يدخل صدري تاني، كلمت محامي زميلنا في الشغل بس في فرع تاني، حكيتله كل حاجة، الراجل صدمته كانت شديدة وقالي: “دا نصاب ومحترف يا مدام، وعامل الحسبة دي عشان يطردك من شقتك، متقعديش معاه في مكان واحد”.
​أخدت بناتي ورحت عند جارتي أم أحمد، ست طيبة وماليش غيرها في الدنيا، أول ما شافتني شهقت واحتضنتني، حكيتلها وأنا بنهار، قالتلي وعينيها بتطق شرار: “والله ما هيدخل الشقة دي تاني، والمنطقة هنا كلها رجالة وأهو نشوف هيعمل إيه”.
​الساعة جت تمانية بالليل، تليفوني رن، كان هو، رديت ببرود تام مكنش يتوقعه، قالي بصوت كله ثقة وقرف: “أنا واقـف تحت البيت، اخلصي انزلي افتحيلي عشان نسيت المفتاح، وجهزيلي لقمة أكلها عشان مش فايقلك”.
قولتله بنبرة هزت تليفونه: “أنا مش في الشقة، وأنت ملكش عيش فيها تاني يا كداب يا متجوز يا أبو العيال، وباب الشقة ده لو عتبته تاني هحبسك، والمحضر معمول والتقرير الطبي والقيد العائلي في النيابة دلوقتي، وق*ضية الطلاق للضرر هتوصلك على شغلك بكرة الصبح”.
​الخط قطع لثواني، حسيت بصدمته وسكوته، وبعدها صوت نبرته اتقلب مية وتمانين درجة، وبدأ يزعق ويشتم ويهدد، قفلت السكة في وشه وعملتله بلوك، وبصيت لبناتي اللي كانوا باصين لي بفخر وخوف في نفس الوقت، واجهت عيونهم وابتسمت وقولتلهم: “خلاص يا بنات، الكابوس انتهى، وأبوكم الله يرحمه سابكم لمعلمة هتعرف تحميكم وتجيب حقها وحقكم”.
……….
عدت الأيام، وكنت فاكرة إن الموضوع هينتهي عند المحاضر والمحاكم، بس الندل المحترف مبيستسلمش بسهولة.
​في يوم وأنا راجعة من الشغل وواخدة بناتي في إيدي، لسه بدخل الشارع لاقيت لمة ناس قدام باب عماراتي، وقلبي انقبض. قربت بسرعة، ولاقيت الجيران واقفين وهو واقف في النص، عمال يصرخ ويمثل دور الراجل المكسور، وعامل مندبة! أول ما شافني، شاور عليا وقال بصوت عالي عشان يسمّع الشارع كله: “أهي.. أهي الست اللي فتحت لها بيتي ورضيت بيها وببناتها الأيتام، وفي الآخر طردتني في الشارع وسرقت فلوس مشروعي اللي كنت مشغله ليها ولعيالها! يرضي ربنا يا ناس أرجع من شغلي ألاقي قفل الباب متبدل وهدومي مرمية بره؟”
​الناس بدأت تبص لبعضها وتبص لي بنظرات لوم، والدم غلي في عروقي. بناتي جريوا استخبوا ورا ضهري وهم بيعيطوا من الخوف. مفيش ثانية، ولاقيت أم أحمد جارتي نازلة من العمارة زي الإعصار، وقفت في وشه وقالتله بصوت جهوري: “بس يا كداب يا نصاب! عامل فيها سبع البرمبة وأنت جاي تقعد في شقة ست وتصرف عليك؟”
​أنا مسمحتلوش يكمل الفيلم بتاعه، سبت إيد بناتي ووقفت قدامه وبكل قوة وطلعت من شنطتي صور من المحضر وصورة القيد العائلي اللي كنت مخلية نسخ منهم معايا دايماً، ورفعتهم في وش الجيران وقولت بأعلى صوت عندي: “يا أهل المنطقة يا محترمين، البني آدم ده دخل بيتي على إنه مقطوع من شجرة، واتجوزني وضحك عليا، وفي الآخر اكتشفت بالقيد العائلي ده إنه متجوز وعنده تلات عيال وعايش بفلوسي وفلوس بناتي الأيتام هناك! ولمّا واجهته، ضربني وعلم على وشي والتقرير الطبي في القسم، وكان عايزني أتنازل له عن الشقة تمليك شقى عمري عشان يطلقني! أهي دي حقيقته!”
​الشارع كله سكت، والصدمة بقت على وشوش كل الواقفين. هو وشه جاب مية لون، وعينيه بقت تروح وتيجي وملقاش كلمة يقولها بعد ما كشفته قدام الناس كلها. كبير المنطقة، الحاج غريب، قرب منه ومسكه من هدومه وقاله بغضب: “بقى جاي تتبلى على ست أرميلة وتاكل مال يتامى في منطقتنا؟ غور من هنا يالا بدل ما نعمل معاك الجلاشة والبوليس ييجي يلمك!”
​الناس بدأت تلتف حواليه وتزقه بره الشارع، وهو ماشي يتطوح ويبص لي بنظرات غل ويتوعد بصوت واطي: “مش هسيبك.. مش هسيبك يا…” لحد ما اختفى من الشارع خالص.
​بعد الموقف ده، الق*ضية مشيت أسرع مما كنت أتخيل. المحامي بتاعي استغل محضر الضرب وق*ضية التزوير والتناقض في إنه متجوز ومخبي، والقاضي حكم لي بالطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكل حقوقي وحق بناتي في الشقة بالكامل، والزملاء في الشغل لما عرفوا حقيقته من المحاضر والشوشرة اللي حصلت، اتقلبوا عليه واتفصل من الشركة بسبب غيابه ومشاكله.
​يوم ما استلمت ورقة طلاقي، رجعت الشقة، قفلت الباب عليا وعلى بناتي، سجدت في الأرض وبكيت دموع فرحة وراحة عمري ما حسيتها. بصيت لبناتي وقولتلهم: “الشقة دي بتاعتكم، ومحدش في الدنيا هيقدر يخرجكم منها ولا يكسر عينيكم تاني”. ومن اليوم ده، قفلت باب قلبي على بناتي، ورجعت بشتغل وبشيل مسؤوليتهم وأنا راسي مرفوعة في السماء، وعرفت إن الست لما بتكون أم، ربنا بيحط في قلبها قوة تهد جبال عشان تحمي ضناها.
…………
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بحالها وأنا بنام ومخيفتش، وبصحى وأنا مش شايلة هم الكدب والغل اللي كان مالي بيتي. المحكمة حكمت عليه كمان بنفقة للبنات كتعويض عن الضرر، ورغم إنه حاول يتهرب ويغير مكان شغله عشان ميرجعش الفلوس، المحامي بتاعي جابه من قفاه، وبقى يدفع غصب عنه وبقوة القانون.
​الشغل بتاعي اتقيت فيه وبقيت ماسكة قسم جديد، ورجعت هيبتي وسط زمايلي اللي بقوا يبصوا لي باحترام وفخر إني قدرت أقف على رجلي وأحمي بناتي.
​في يوم جمعة، كنت قاعدة في الصالة والمطرب المفضل لبناتي شغال في التلفزيون، والبنت الكبيرة قاعدة بتذاكر والصغيرة بتلعب جنبي.. فجأة الباب خبط. قلبي انقبض لثواني، الفوبيا القديمة لسه سايبة أثر، بس قومت وبصيت من العين السحرية. لاقيتها أم أحمد جارتي، فتحت لها وبستها وسألتها: “خير يا أم أحمد؟ في حاجة؟”
​أم أحمد دخلت ووشها بيتكلم من قبل ما تنطق، قعدت على الكنبة وقالت لي وهي بتنهج: “مش ه تصدقي يا أميرة اللي حصل.. أنا لسه جاية من بيت أختي في المطرية، وعرفت هناك خبر عن المحروس جوزك القديم”.
​جسمي قشعر بس قعدت قدامها وقولت ببرود: “جرى له إيه؟”
​قالت لي والشماتة في عينيها: “طلع مراته الأولانية، أم عياله التلاتة، مكانتش تعرف حاجة عن جوازه منك ولا من غيرك! ولما الحكاية اتكشفت وعرفت إنه اترفد من الشغل وجاي يقعد في بيتها ملوش لزمة، قلبت عليه الدنيا.. وعرفت كمان إنه كان واخد قروض بضمان الشغل القديم وضيع الفلوس في مشروعه الوهمي ده، البوليس جه خده من قلب بيتها الأسبوع اللي فات عشان شيكات من غير رصيد وتزوير، ومراته رفعت عليه قض*ية خلع وطردته من حياتها ومن شقتها اللي هي باسمها هي كمان!”
​سكت لثواني.. الصدمة مكنتش قوية، لاني كنت عارفة إن أخره الضياع، بس حسيت براحة غريبة، حسيت إن ربنا جاب لي حقي تالت ومتلت ومن غير ما أوسخ إيدي بحاجة. بصيت لأم أحمد وقولتلها: “يمهل ولا يهمل يا أم أحمد.. اللي ياكل مال اليتامى ويتبلى على الولايا، ربنا بيخليه عبرة في الدنيا قبل الآخرة. سيبك منه، هو خلاص بقى صفحة مقطوعة من كتاب حياتنا”.
​أم أحمد مشيت، وأنا دخلت المطبخ، عملت كيكة بالشوكولاتة اللي بناتي بيحبوها، وطلعت صينية العشا وقعدنا إحنا التلاتة في وسط الصالة.. ناكل ونضحك وصوتنا عالي ومحدش بيقولنا “صوتكم عالي ليه”.
​بنتي الصغيرة بصت لي وهي بتاكل وقالت لي: “ماما.. أنا بحبك أوي، وأنا فرحانة إننا مع بعض لوحدنا”.
دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع رضا ونصر، أخدتها في حضني وأختها الكبيرة ضمتنا إحنا الاتنين، وقولتلهم: “وأنا بموت فيكم يا قلب ماما.. طول ما إحنا إيد واحدة، مفيش راجل في الدنيا هيقدر يكسرنا ولا يدخل بيننا تاني.. إحنا السند لبعض”.
………
وعدت السنين زي اللمح البصر، والبنات كبروا قدام عينيا وبقوا كل دنيتي. الكبيرة دخلت كلية الهندسة اللي كانت بتحلم بيها، والصغيرة بقت في ثانوية عامة ومجنناني بمذاكرتها وشقاوتها اللي مبقتش تفارق البيت. طول السنين دي وأنا واقفة في ضهرهم، سد منيع، لا هانت عليا نفسي ولا هانوا عليا، وبقيت بشتغل ليل نهار عشان موفرلهمش بس لقمة العيش، لأ، عشان أخليهم دايماً رافعين راسهم وميحسوش بنقص أو كسر.
​في يوم، كنا قاعدين بنحتفل بتخرج بنتي الكبيرة، الصالة كانت مليانة زغاريد وفرحة من أم أحمد وبناتها، والبيت كله ورد وضهرنا وسندنا كان ربنا سبحانه وتعالى. وسط الفرحة دي، تليفوني رن.. رقم غريب مكنتش عارفاها، قومت في البلكونة بعيد عن الدوشة ورديت: “ألو.. مين معايا؟”
​جالي صوت من الناحية التانية.. صوت ضعيف، مكسور، فيه رعشة غريبة وعجز مكنتش أتخيله، قال بتلعثم: “أميرة.. أنا سامح”.
​قلبي مدقش ولا ثانية من الخوف، الإحساس اللي جالي كان زهد وعدم اهتمام، قولتله بنبرة هادية وقوية: “عايز إيه يا سامح؟”
​قال والدموع باينة في صوته: “أنا خرجت من السجن يا أميرة.. خرجت ومحيليش اللضا، صحتي راحت، ومراتي الأولانية رمتني وعيالي مش عايزين يشوفوا وشي، والكل قفل الباب في وشي.. أنا متجنتش في الدنيا قد ما اتجنت بسبب اللي عملته فيكي وفي بناتك.. أنا جاي أطلب منك السماح، سامحيني عشان ربنا يفك كربي، أنا عايش في الشارع”.
​بصيت للسما، ونسمة هوا دافية خبطت في وشي، وافتكرت كل القهر والضرب والإهانة، وافتكرت دموع بناتي وخوفهم.. وبصيت جوة الصالة لاقيت بنتي الكبيرة بتضحك وصاحباتها بيصوروها بالشهادة.
​قولتله بكل برود وثقة: “يا سامح، أنا لا بكرهك ولا شيلالك غل.. أنت بالنسبالي بقيت عدم، والعدم مبيسألوش منه سماح. حق بنات الأيتام اللي أنت جيت عليهم رب العرش جابهولي في الدنيا، ومفيش بيني وبينك كلام.. حسابك مع ربنا، وهو اللي هيجازيك”. وقبل ما ينطق بكلمة ثانية، قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم بلوك، ولأول مرة أحس إن الصفحة دي اتحرقت تماماً ومبقاش ليها حتى رماد.
​رجعت لوسط الصالة، وبنتي الكبيرة أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني وهي بتعيط وتقولي: “الشهادة دي بتاعتك أنتِ يا ماما.. أنتِ اللي عملتينا، وأنتِ الراجل والست في حياتنا، ومن غيرك مكنّاش هنكون أي حاجة”.
​ضمتهم هما الاتنين لصدري، وكنت حاسة إن روحي طايرة في السما. بصيت في عيونهم وقولت في سري: “الله يرحمك يا أبو البنات، سيبتلي أمانة، وأنا صنتها وبقيت بـ100 راجل”.
​قفلنا بابنا علينا، وبقينا عايشين في دفا حبنا، أحرار، مرفوعين الراس، وعارفين إن اللي معاه ربنا وبيربي يتامى بضمير، عمره في يوم ما بيتكسر ولا بيضيع. وتوتة توتة، خلصت الحدوتة، بس حياتنا إحنا.. يلا دوب لسه بتبدأ بالخير والنور.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *