كڈبة العمر: حماتي حية!
طول ٨ سنين جواز، جوزي عمره ما سمح لي إني أروح أزور والدته في بيتها في الأرياف… بقلم مني السيد
في البداية، مكنتش شايفة الموضوع غريب.
ياسر كان دايماً عنده حجة جاهزة ومقنعة
البيت مبهدل يا حبيبتي، فيه ترميمات وشغل نقاشة وصرف صحي، مش هينفع تروحي وتتبهدلي هناك.
كان بيقولها بهدوء وثقة لدرجة إني كنت بصدقه من غير تفكير.
حتى إني ساعات كنت بشوف ده برّ بالوالدين منه، وبقول في نفسي ده أكيد عاوز يفرش لأمه بيت يليق بيها عشان تعيش مرتاحة في سنها ده.
بس السنين مرت.. والترميم ده مخلصش أبداً.
كل سنة يطلع بموال جديد
مرة السطح بيشرّ مية.. مرة السباكة باظت.. مرة الكهرباء محتاجة تتغير.. وبعدين ورق البيت فيه مشاكل في المحكمة.
دايماً فيه حاجة بتمنعني.
إحنا كنا عايشين في القاهرة، ووالدته ست الكل الحاجة فاطمة كانت عايشة في قرية صغيرة في ضواحي المنصورة.
كنت دايماً ببعت معاها هدايا.. لبس.. أدوية.. حتى الحلويات اللي كان بيقول لي إنها بتحبها.
كان بياخد كل حاجة ويروح لوحده، ويقول لي دعواتها واصلالك يا بنتي.
كنت ساعات بكلمها في التليفون.. كانت ست طيبة جداً، وكلامها قليل، وصوتها دايماً طالع بالعافية كأنها شايلة جبل فوق كتافها.
لحد ما في يوم التليفون ده مبقاش بيجمع.. الخط اقطع تماماً.
كل ما أسأله عن السفر أو إني أروح معاه، وش ياسر كان بيتغير.. يهرب بعينه ويغير السيرة فوراً.
بدأت أحس إنه متوتر.. مش زعلان، لا، متوتر زي اللي بيحرس باب ومخبي وراه مصېبة وخاېف تتكشف.
بس عمري ما تخيلت حجم الكذبة اللي أنا عايشة فيها.
الصدمة الأولى
كل حاجة اتغيرت في يوم تلات ممطر.
محامي ظهر فجأة عند باب شقتنا وقت الغروب.
لسه فاكرة منظر المطر وهو بيخبط على الإزاز والمحامي بيطلع ورق من شنطته وهو بيقول لي بمنتهى الهدوء
البقاء لله يا مدام، الحاجة فاطمة اټوفت من شهر.
الدنيا لفت بيا.. بصيت لياسر فوراً.
لقيته انهار على الكنبة وخبى وشه بإيديه وهو بيعيط بحړقة.
بس وأنا بتفرج على المشهد ده.. فيه حاجة جوايا اتجمدت.
حسيت ببرودة في جسمي كله، لأني أدركت حقيقة واحدة في اللحظة دي
ياسر بېكذب تاني.. والكذبة المرة دي أكبر من عقلي بكتير.
في الأيام اللي بعد العزا الوهمي، ياسر كان شارد ومش بيكلمني.. كان بيمشي في البيت زي الخيال، خاېف من خياله.
وبعد أسبوع، قال لي إنه لازم يسافر مأمورية شغل بره القاهرة لمدة أسبوع.
أول ما شفت عربيته بتختفي في آخر الشارع، أخدت قراري.
روحت لآخر درج في الكومودينو، المكان اللي بيشيل فيه المفاتيح القديمة والكراكيب.. وطلعت مفتاح بيت المنصورة.
ورتكبت عربيتي وطرت على هناك.
الحقيقة المرة
الطريق كان طويل وكأنه مش هيخلص.. وكل ما أقرب من القرية، ضربات قلبي كانت بتزيح ضلوعي.
كنت بحاول أقنع نفسي بأي حجة يمكن المحامي غلطان.. يمكن ياسر مخبي مشاكل عائلية على الميراث.. أي
موقع أيام نيوز
حاجة.. أي حاجة يا رب إلا الغدر.
وصلت للبيت.. كان في آخر حارة ضيقة، بيوتها قديمة وشجر الجميز محاوطها.
البيت كان بسيط وصغير، بس مترتب وشكله يفتح النفس.
نزلت من العربية، سمعت صوت طيور في البيوت اللي جنبنا وصوت تلفزيون جاي من بعيد متوفرة على روايات و اقتباسات فتحت البوابة.. وطلعت السلالم.. ووقفت قدام الباب الخشب.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إن المفتاح وقع مني مرتين.
أخدت نفس عميق.. وفتحت الباب.
في اللحظة دي، جسمي كله اتنفض..
كان فيه نور قايد جوه الصالة.
نور كهرباء مش نور شمس.. يعني فيه حد هنا!
دخلت براحة.. كل حاجة كانت نضيفة، مترتبة، ممسوحة بالمسطرة.
لا فيه ترميم، ولا نقاشة، ولا تراب، ولا شكارة أسمنت واحدة.
وعلى طرابيزة المطبخ، كان فيه كوباية شاي لسه البخار طالع منها.
قلبي كان بيدق لدرجة إني بقيت سامعة صوته في وداني زي الطبل.
يا أهل البيت.. فيه حد هنا؟
صوتي طلع واطي.. مهزوز.
وفجأة.. سمعت خطوات في الطرقة.. خطوات بطيئة بتقرب.
وبعد ثواني.. ظهرت هي.
الحاجة فاطمة.. حماتي.
عايشة.. وواقفة قدامي بلحمها وډمها!
رجلي ملقيتش الأرض، وسندت على الحيطة عشان مقعش.
هي كمان اټصدمت.. وبصت لي بذهول
كريمة؟!
نطقت اسمي كأنها شافت عفريت.
لساني اتعقد.. ونطقت بالعافية
بس.. المحامي قال إنك ټوفيتي من شهر! حكايات مني السيد
سكتت الحاجة فاطمة شوية، وبعدين قعدت على كرسي المطبخ ببطء كأن روحها اتسحبت منها.
همست لنفسها بصوت مكسور
للدرجة دي يا ياسر؟ هانت عليك أمك لدرجة إنك تموّتها وهي عايشة؟!
قربت منها وأنا مڼهارة
أنا مش فاهمة حاجة.. ياسر عمل كدة ليه؟ وليه منعني أجيكِ السنين دي كلها؟
رفعت عينيها في عيني.. وشفت فيها ۏجع سنين، حزن تقيل يهد جبال.
قالت لي بمرارة
عشان مكنش عاوزك تعرفي الحقيقة يا بنتي.
معدتي اتقلبت.. حقيقة إيه؟.
قامت وشاورت لي أمشي وراها.. مشينا في طرقة ضيقة لحد أوضة في آخر البيت متوفرة على روايات و اقتباسات
أول ما فتحت الباب.. حسيت إن الدنيا اسودت في وشي.
أوضة فيها سريرين صغيرين.. لعب أطفال مرطورة في كل حتة.. رسومات متعلّقة على الحيطة.
ولد عنده حوالي ٦ سنين بيلعب بعربية صغيرة على الأرض.
وجنبه على الشباك، بنت أكبر منه بشوية قاعدة بترسم في هدوء.
البنت رفعت راسها وبصت لي.. وفي اللحظة دي دمي اتجمد في عروقي.
لأن عين البنت دي كانت نسخة من عين ياسر.. نفس الرسمة، نفس اللون، نفس النظرة.
البنت سألت ببراءة
تيتة.. هي مين الست دي؟
أنا مكنتش قادرة أتنفس.. بصيت للحاجة فاطمة وأنا في حالة ذهول.
قالت لي والدموع في عينيها
دول ولاد ياسر يا بنتي.. ولاده اللي مخبيهم عنك بقالهم تمان سنين.
الأرض اختفت من تحت رجلي.. جوزي عنده حياة تانية، وأطفال، وعيلة كاملة في السر!
وقبل ما أستوعب الصدمة أو أطلع صړخة واحدة..
سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
غمضت الحاجة فاطمة عينيها پخوف..
وتكة المفتاح في الباب الخارجي أعلنت وصوله..
يتبع بقلم مني السيد
الجزء الثاني والأخير مواجهة الحقيقة
باب الصالة اترزع بقوة.. صوت الرزعة سمع في البيت كله.
محدش فينا اتحرك من مكانه.
لثواني، مكنش فيه صوت غير صوت المروحة وهي بتلف ببطء في السقف.
وفجأة.. ظهر ياسر في الطرقة.
أول ما شافني واقفة جنب العيال، وشه اتخطف ولونه بقى أصفر زي الكركم.
الشنطة وقعت من إيده على الأرض.
كريمة؟!
صوته طلع مهزوز.. كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية جاية، وإن كل حاجة انتهت.
بصيت له وأنا مش حاسة پغضب.. كنت حاسة بتعب رهيب، فراغ غريب جوه صدري.
البنت جريت عليه فوراً
بابا!
الكلمة دي اخترقت جسمي كله زي السهم.
بابا.. مش خالو، ولا عمو.. بابا.
ياسر حضڼ الولدين بتلقائية، بس عينيه كانت مثبتة عليا.. عينين مليانة خوف.. خوف حقيقي.
من إمتى؟
صوتي طلع واطي.. طالع بالعافية.
مسح وشه بإيده.. ملامحه فجأة كبرت وعجزت.
من قبل ما أعرفك.
غمضت عيني لحظة.. يعني طول تمان سنين، كنت عايشة مع راجل مخبي عني نص حياته!
ياسر كمل كلامه وهو بيحاول يهديني قبل ما أنفجر
هما اتولدوا قبل جوازنا.. وأمهم اټوفت ومروان لسه لحمة حمراء.
بصيت للعيال تاني.. البنت ليلى شكلها عندها ٨ سنين، والولد مروان يمكن ٦.
جمال، ومتربيين، وشكلهم مش فاهمين أي حاجة من اللي بتحصل.
وفي اللحظة دي أدركت أصعب حقيقة.. إن العيال دي ملهاش أي ذنب.. ملهومش ذنب خالص.
ليه عملت فيا كدة؟
سألته السؤال اللي كان بياكل قلبي.
اتنفس بعمق، ومقدرش يحط عينه في عيني
خفت.. خفت لو عرفت تمشي وتسيبيني.
ضحكت ضحكة قصيرة.. ضحكة مکسورة مفيهاش أي فرح
وتخبي ولادك تمان سنين كان الحل الأحسن؟
قرب مني خطوة
في البداية كنت عاوز أقولك.. والله العظيم.. بس كل ما الوقت يعدي الموضوع كان بيصعب.. لحد ما بقى كرة تلج وبتكبر.
هزيت راسي ببطء
لا يا ياسر.. دي مابقتش كرة تلج.. دي بقت حياة تانية.. حياة موازية.
السكوت نزل زي الجبل على البيت.
الحاجة فاطمة فضلت واقفة عند الباب، مقدرتش تتدخل.. كان باين عليها إنها تعبت من الكذبة دي ومن شيل الهم ده من زمان.
أنا كنت بس عاوز أحميهم.
ياسر قالها بيأس.
بصيت في عينيه مباشرة لأول مرة
لا.. أنت كنت عاوز تحمي نفسك أنت.
سكت.. لأنه عرف إني صح.
ليلى كانت بتراقبنا في صمت.. وبعدين مشيت براحة لحد ما وقفت قدامي
أنتِ مرات بابا؟
السؤال ده هدّني أكتر من أي كڈبة تانية.
بصيت لها.. طفلة بريئة وجميلة.
هزيت راسي ب أيوه.
ضغطت على قلم التلوين اللي في إيدها وقالت
هو كان بيقول لنا إن لسه بدري عشان نشوفك.
قلبي وجعني أكتر.. وياسر غمض عينه بكسوف وقلة حيلة.
سألتها بصوت واطي
اسمك إيه؟
ليلى.. وده مروان.
الولد رفع إيده بكسوف وسلم عليا.
حسيت إني عاوزة أعيط.. بس مدمعتش.
في حاجة جوايا كانت بتتكسر في صمت.. كسر ملوش علاج.
بصيت في الأوضة البسيطة.. الهدوم المطبقة.. اللعب القديمة.. الرسومات اللي ملزقة بسلوتيب
على الحيطة.
فهمت كل حاجة.. ياسر مكنش بيجي هنا عشان يزور أمه.. كان بيجي يعيش النص التاني من حياته.. النص اللي مسحه من حياتنا إحنا.. طول تمان سنين.
أعياد ميلاد، ورمضان، ومأموريات شغل وهمية.. كڈب صغير مداري وراه کاړثة.
حطيت إيدي على بوقي وأنا بحاول أتنفس.
ياسر قرب أكتر
كريمة.. أرجوكِ.. إحنا ممكن نحل الموضوع ده.
في اللحظة دي أدركت حاجة مرعبة.. أنا مابقتش مصدقة أي كلمة طالعة منه.
لا دموعه، ولا يأسة، ولا حتى حبه.
لأن الثقة مابتموتش مرة واحدة.. دي بټموت بالتدريج.. كڈبة ورا كڈبة.
فيه حاجات لما بتكسر مابترجعش تاني متوفرة على روايات و اقتباسات
قلت الكلمتين دول وأنا ماشية ناحية الباب.
بدأ يعيط بجد.. بس عياطه مابقاش ېلمس قلبي.
ليلى كانت ماسكة إيد أخوها وهما بيبصوا لنا پخوف.
نزلت لمستواهم وقلت لهم
مفيش أي حاجة من دي ذنبكم.. أنتم غاليين قوي.
مروان بص لي في صمت، وليلى سألتني بۏجع
أنتِ هتمشي؟
بصيت لها لثواني.. وابتسمت ابتسامة حزينة
أيوه يا حبيبتي.. لازم أمشي.
بصت في الأرض.. والمنظر ده وجعني أكتر من غدر أبوها.
قمت ببطء وأخدت شنطتي.
ياسر حاول يمسك إيدي.. بس بعدت عنه فوراً
متلمسنيش.
متمشيش كدة.. أنا بحبك.
اتنفست بعمق ورديت عليه
يمكن بتحبني.. بس أنت متعرفش تحب من غير ما تخبي وتداري وتكذب.
وشه انهار تماماً.
والحاجة فاطمة بدأت ټعيط في ركن الصالة.. كأنها عرفت إن ابنها خسر النهاردة أكتر من مجرد زوجة.. خسر الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتصدقه بقلب أبيض.
خرجت من الباب.. ووقفت ثانية أبص على الجنينة والهدوء اللي في المكان.
كل حاجة كانت هادية بشكل غريب، رغم إن حياتي لسه متهدمة فوق راسي.
ياسر سألني من ورايا بصوت مكسور
وإيه اللي هيحصل دلوقتي؟
رديت من غير ما أبص له
دلوقتي هتعيش الحياة اللي أنت اخترتها فعلاً.. بس من غير ما تخبي حد.
بلعت ريقي وكملت
من غير ما تظلم ولادك وتداريهم كأنهم عار.
ومشيت.. من غير ما أبص ورايا.
النهاية
الشهور اللي جت بعد كدة كانت صعبة.. مش بسبب الوحدة، لا..
كانت صعبة لأني كنت محتاجة أتعرف على نفسي من جديد، بعيد عن الكذبة اللي كانت واكلة عمري.
بدأت أروح لدكتور نفسي.. رجعت أرسم تاني.. وبقيت أقضي إجازاتي مع أختي وأهلي متوفرة على روايات و اقتباسات
وبالراحة، الۏجع مابقاش چرح مفتوح.. بقى ندبة.. لسه بتوجع، بس مابتموتش. لحد ما في يوم، لقيت جواب في صندوق البريد. متوفرة على روايات و اقتباسات الراسل كان اسم واحد بس ليلىفتحت الجواب وأنا إيدي بتترعش.. جوه كان فيه ورقة متطبقة، ومكتوبة بخط طفلة
أزيك يا طنط كريمة.. تيتة ساعدتني أكتب لك الجواب ده عشان كنت عاوزه أقولك حاجة.
شكراً إنك مكنتيش وحشة معانا في اليوم ده.. أنا كنت خاېفة تكرهينا.. بس أنتِ كنتِ طيبة.
بابا بيعيط ساعات لما بيفتكر إن محدش شايفه.. وأنا حاسة إنه عارف إنه
غلط في حقك.
كان نفسي الظروف تكون أحسن من كدة.. بحبك.. ليلى.
فضلت باصة للجواب ده كتير.. ولأول مرة من يوم ما سيبت المنصورة.. ابتسمت.
مش عشان الماضي.. بس عشان الحاضر بقى ملكي لوحدي.
وعرفت إن في الآخر.. الحقيقة مهدتش حياتي.. هي بس شالت منها كل حاجة مكنتش حقيقية.
تمت بقلم مني السيد


