ضحية الغربة حكايات اماني السيد 2
دخلوا العمارة، واختفوا من قدامي، لكن أنا فضلت واقفة مكاني كأني اتثبتت في الأرض. كنت مستنية أي حاجة تكذب اللي سمعته، أي حاجة تقول إن ده كله سوء فهم، لكن الحقيقة كانت أوضح من الشمس. الراجل اللي كنت بعد الأيام والثواني عشان أشوفه، كان داخل بيته مع مراته وابنه، وأنا بالنسبة له مجرد مكالمة مزعجة بيقفلها أو يأجلها لما يفضى.
بعد أقل من دقيقة، رن تليفوني. بصيت في الشاشة، ولقيت اسمه منور قدامي. لأول مرة ما فرحتش لما شوفته، بالعكس، حسيت إن اسمه بقى تقيل على قلبي. سيبته يرن شوية، وبعدها رديت من غير ما أنطق بحرف.
أول ما سمع نفسي، اتكلم بنفس النبرة الهادية اللي كان دايمًا يعرف يطمني بيها وقال: “حقك عليا يا حبيبتي، كنت في الشغل، والدنيا مقلوبة عندنا. شوفت إنك رانة كذا مرة، خير؟”
غمضت عيني وأنا بضغط على التليفون بإيدي، وسألته بهدوء: “أنت فين دلوقتي؟”
رد من غير ما يتلعثم: “لسه في الشركة، أهو خارج حالًا. المدير كان موقفني في شغل مهم.”
ابتسمت ابتسامة باهتة، وأنا ببص على باب العمارة اللي دخل منه من لحظات، وقلت: “طب ابعتلي صورة.”
سكت ثواني، وبعدها ضحك وقال: “إيه يا بنتي؟ هو تحقيق؟”
قلت بنفس الهدوء: “لا… وحشتني بس، وعايزة أشوفك.”
رد بسرعة: “النت هنا وحش، أول ما أوصل البيت هفتحلك فيديو.”
قفلت عيني للحظة. كلمة “البيت” كانت كفيلة تكسر آخر حاجة جوايا. أي بيت فيهم؟ البيت اللي بيقولي إنه عايش فيه لوحده؟ ولا البيت اللي دخله من شوية وهو حاضن مراته، وابنه ماسك في إيده؟
قلتله: “ماشي… ابقى كلمني لما توصل.”
قفل المكالمة، وأنا فضلت باصة للموبايل بإيد مرتعشة. لأول مرة أكتشف إن الكدب لما يتكرر سنين، بيبقى طبيعي عند صاحبه، لدرجة إنه ما بقاش يحتاج حتى يفكر قبل ما ينطق بيه.
كنت لسه هحط التليفون في الشنطة، لكن لقيت رسالة وصلت منه بعدها بدقيقة. فتحتها، لقيته كاتب: “بحبك… استحملي شوية، كلها كام شهر وهجمع فلوس أكتر وهنعيش أحسن عيشة.”
قريت الرسالة أكتر من مرة، وكل مرة كنت بحس إنها بتوجعني أكتر. نفس الجملة اللي كنت بنام عليها كل ليلة، ونفس الوعد اللي كنت ببني عليه أحلامي، طلع بيتبعت لواحدة واقفة تحت عمارته وهو طالع يقضي الليلة في حضن ست تانية.
رفعت عيني ناحية الشقة، وبعد ثواني النور اشتغل في البلكونة. خرج هو… لكن ماكانش لوحده. خرج وهي معاه، وقفت جنبه، وحطت إيديها حوالين خصره، وهو لف دراعه عليها، وباس راسها بمنتهى الحب. بعدها شال الطفل بين إيديه، وفضل يلف بيه وهو بيضحك، والطفل بيناديه: “بابا… بابا.”
وقتها بس فهمت إن اللي كنت شايفاه تحت العمارة ماكانش لحظة عابرة… دي كانت حياته الحقيقية، وأنا كنت مجرد الكذبة اللي مخبي وراها الحياة دي كلها.
مديت إيدي جوه الشنطة، وطلعت العلبة اللي كنت جايباهاله هدية. فتحتها، وبصيت للساعة اللي فضلت ألف عليها لحد ما لقيت الشكل اللي كنت متخيلة إنه هيعجبه. افتكرت فرحتي وأنا بلفهاله بورق الهدايا، وافتكرت إني كنت بقول لنفسي: “أكيد أول ما يشوفها هيعرف قد إيه أنا بحبه.”
ضحكت ضحكة كلها وجع، وقفلت العلبة تاني، وأنا ببص على البلكونة للمرة الأخيرة. ساعتها بس، لأول مرة من ساعة ما وصلت، بطلت أسأل نفسي: “هو ليه عمل فيا كده؟” وبقي السؤال الوحيد اللي مالي دماغي هو: “إزاي هخليه يندم على كل كذبة عاشها… من غير ما يعرف إني كنت واقفة تحت بيته وسمعت كل كلمة قالها؟”
فضلت باصة للبلكونة ثواني، وبعدها مسحت دموعي بإيدي، وخدت نفس عميق. لأول مرة من ساعة ما شوفته، بطلت أعيط. الوجع لسه موجود، لكن مكانه بدأ يتملى بحاجة أخطر… هدوء. هدوء الست اللي عرفت الحقيقة، وقررت إنها مش هتواجه دلوقتي، لأنها لو طلعت قدامه في اللحظة دي، هيبقى هو اللي مستعد، وهيبقى عارف إنها عرفت كل حاجة.
أما لو رجعت وكأني معرفش…
ساعتها هو اللي هيبقى مكشوف.
بصيت للهدية اللي في إيدي، وقفلت الشنطة، وقومت أمشي وأنا برسم على وشي ابتسامة باهتة. حجزت أوضة في فندق قريب، وقضيت الليلة كلها صاحية، مش من كتر العياط… لكن وأنا برتب كل خطوة هعملها.
تاني يوم الصبح، أول ما الساعة جت عشرة، مسكت التليفون واتصلت بيه.
رد بسرعة، وكأنه مستني مكالمتي.
قال بابتسامة مصطنعة: “صباح الخير يا حبيبتي، عاملة إيه؟ زعلتي مني امبارح؟”
ضحكت.
ضحكة خلت حتى أنا استغرب نفسي.
قلت بدلع كنت عارفة إنه بيحبه: “لا يا سيدي… زعل إيه بس؟ أنا اللي كنت دلوعة شوية.”
سمعته ارتاح، وقال وهو بيضحك: “أهو كده… رجعتي مراتي العاقلة.”
بلعت غصتي، وكملت بنفس النبرة: “بقولك إيه… أنا كنت بفكر في حاجة من امبارح.”
“إيه هي؟”
قلت وكأني مترددة: “إحنا لحد إمتى هنفضل عايشين كده؟ أنت غربة، وأنا هنا لوحدي.”
اتنهد وقال: “أعمل إيه بس؟ الظروف.”
قلت بسرعة، وكأني لقيت الحل: “طب ما إحنا عندنا الأرض اللي ورثتها عن أمي… أنا بفكر أبيعها.”
سكت.
السكون اللي حصل بعدها كان كفيل يعرفني إني لمست أكتر نقطة بتهمه.
قال بعد لحظة، وهو بيحاول يبان هادي: “تبيعيها؟ ليه؟”
قلت: “أهو بدل ما هي واقفة كده. نبيعها، وأديلك الفلوس تعمل بيها مشروع. يمكن تنجح وترجع تستقر هنا، ونعيش أخيرًا زي أي زوجين.”
فضل ساكت ثواني، لكن المرة دي قدرت أسمع الفرحة اللي بيحاول يخبيها في صوته.
قال بسرعة: “بصي… والله أنا مكنتش عايز أقولك، لكن فعلاً في مشروع هنا لو دخلته هيكسبنا أضعاف. كنت متردد أطلب منك حاجة زي دي.”
ابتسمت بسخرية وهو مش شايفها.
طبعًا…
ظهر حماسه في ثانية.
كملت بنفس البراءة: “يعني شايف إنها فكرة حلوة؟”
قال من غير تفكير: “ممتازة… ممتازة جدًا. الأرض هتفضل واقفة، لكن المشروع هيجيب دخل أكبر بكتير.”
قلت: “خلاص، هبدأ أسأل على المشتري من الأسبوع الجاي.”
سمعته يضحك لأول مرة من قلبه، وقال: “ربنا يخليكي ليا. والله عمرك ما قصرتي معايا.”
قفلت المكالمة، وأنا باصة لسقف الأوضة.
ولأول مرة…
ضحكت.
بس ما كانتش ضحكة فرح.
كانت ضحكة واحدة أخيرًا عرفت منين هتدخل له.
لو كان سايبني على ذمته علشان الأرض…
يبقى الأرض هي اللي هتخليه يكشف كل أوراقه بنفسه.
وأنا…
ما كانش في نيتي أبيع شبر واحد منها.
كان في نيتي أخليه يجري ورا السراب، لحد ما يطمن إنه هيقبض الفلوس، وساعتها… هيقع في الفخ اللي حفره بإيده.
بعد المكالمة فضلت ماسكة التليفون في إيدي وأنا مبتسمة. كان فاكر إنه لعب عليا، وإنه بمجرد ما لمح كلمة “بيع الأرض” نسي نفسه وكشف لهفته. الراجل اللي طول عمره يمثل عليا إنه زاهد في الدنيا، وإن أهم حاجة عنده إني أكون مرتاحة، اتحول في ثواني لشخص بيسأل عن المشروع والمكسب والفلوس، ولا مرة حتى سألني: “وإنتِ هتعيشي فين بعد ما تبيعيها؟”
بعد نص ساعة بالظبط، لقيته بيتصل تاني.
رديت وأنا متعمدة أخليه يحس إني مبسوطة.
قال: “بقولك يا حبيبتي… هو إنتِ ناوية تبيعي الأرض كلها؟”
ضحكت وقلت: “أيوة… ما إحنا هنستفيد إيه وهي مركونة؟ وبعدين إنت أولى بيها. أنا ماليش غيرك.”
سكت لحظة، وبعدها قال بصوت حاول يخليه طبيعي: “بصي… لو لقيتي مشتري بلاش تستعجلي. كلميني الأول، وأنا أعرف ناس ممكن يجيبولك سعر أحسن.”
ابتسمت وأنا عارفة إنه مش بيدور على مصلحتي… هو بيدور على فلوسي.
قلتله: “متقلقش، من غير رأيك مش هعمل حاجة.”
سمعته يتنفس براحة، وقال: “ربنا يخليكي ليا. والله إنتِ ست جدعة.”
قفلت المكالمة، ولسه بحط التليفون على السرير، لقيت رسالة منه.
“متنسيش تجيبي كل أوراق الأرض وتشوفي لو فيها أي مشاكل قانونية، عشان لما نبيعها الموضوع يخلص بسرعة.”
بصيت للرسالة وضحكت.
من ساعة واحدة بس كان بيقول لمراته إنه مستني يخلص مني.
ودلوقتي…
بقى مستعجل على فلوسي.
في اللحظة دي، قررت إن الخطوة الجاية لازم تكون محسوبة. مسحت الرسالة، لكن بعد ما صورتها وحفظتها، وبعدها بدأت أجمع كل حاجة تثبت إنه كان بيخطط ياخد فلوس الأرض. كل رسالة، وكل تسجيل، وكل مكالمة… بقيت كنز بالنسبة لي.
أما هو…
فكان فاكر إنه بيقرب من الفلوس
ومكنش يعرف…إنه في الحقيقة بيقرب من اللحظة اللي هيتكشف فيها كل شيء، واللحظة دي هتكون البداية الحقيقية لنهاية اللعبة اللي فضل سنين بيلعبها عليا.
